روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّـٰرُ} (16)

{ قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والارض } تحقيق كما قال بعض المحققين لأن خالقهم ومتولي أمرهما مع ما فيهما على الإطلاق هو الله تعالى ، وقيل : إنه سبحانه بعد أن ذكر انقياد المظروف لمشيئته تعالى ذكر ما هو كالحجة على ذلك من كونه جل وعلا خالق هذا الظرف العظيم الذي يبهر العقول ومدبره أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دونه أولياء من رب هذه الأجرام العظيمة العلوية والسفلية ؟ { قُلِ الله } أمر صلى الله عليه وسلم بالجواب إشعاراً بأنه متعين للجوابية فهو عليه الصلاة والسلام والخصم في تقريره سواء ، ويجوز أن يكون ذلك تلقيناً للجواب ليبين لهم ما هم عليه من مخالفتهم لما علموه ، وقيل : إنه حكاية لاعترافهم والسياق يأباه .

وقال مكي : إنهم جعلوا الجواب فطلبوه من جهته صلى الله عليه وسلم فأمر بإعلامهم به ، ويبعده أنه تعالى قد أخبر بعلمهم في قوله سبحانه : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] وحينئذٍ كيف يقال : إنهم جعلوا الجواب فطلبوه ؟ نعم قال البغوي : روي أنه لما قال صلى الله عليه وسلم ذلك للمشركين عطفوا عليه فقالوا : أجب أنت فأمره الله تعالى بالجواب ، وهو بفرض صحته لا يدل على جهلهم كما لا يخفى { قُلْ } الزاماً لهم وتبكيتاً { أفاتخذتم } لأنفسكم { مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } عاجزين { لاَ يَمْلِكُونَ لانْفُسِهِمْ } وهي أعز عليهم منكم { نَفْعاً } يستجلبونه { وَلاَ ضَرّا } يدفعونه عنها فضلاً عن القدرة على جلب النفع للغير ودفع الضرر عنه ، والهمزة للإنكار ، والمراد بعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء في غاية العجز عن نفعكم فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم سبب الإشراك ، فالفاء عاطفة للتسبب والتفريع دخلت الهمزة عليه لأن المنكر الاتخاذ بعد العلم لا العلم ولا هما معاً ، ووصف الأولياء بما ذكر مما يقوي الإنكار ويؤكده ، ويفهم على ما قيل من كلام البعض أن هذا دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن ينفعوهم ، واختلف في الدليل الأول فقيل : هو ما يفهم من قوله تعالى : { قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء } وقيل : هو ما يفهم من قوله سبحانه : { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } [ الرعد : 14 ] الخ فتدبر .

{ قُلْ } تصويراً لآراثهم الركيكة بصورة المحسوس { هَلْ يَسْتَوِى الاعمى } الذي هو المشرك الجاهل بالعبادة ومستحقها { والبصير } الذي هو الموحد العالم بذلك وإلى هذا ذهب مجاهد ، وفي الكلام عليه استعارة تصريحية ، وكذا على ما قيل : إن المراد بالأول الجاهل بمثل هذه الحجة وبالثاني العالم بها ، وقيل : إن الكلام على التشبيه والمراد لا يستوي المؤمن والكافر كما لا يستوي الأعمى والبصير فلا مجاز .

ومن الناس من فسر الأول بالمعبود الغافل( {[464]} ) والثاني بالمعبود العالم بكل شيء وفيه بعد { أَمْ هَلْ تَسْتَوِى } التي هي عبارة عن الكفر والضلال { وَرَسُولِهِ والنور } الذي هو عبارة عن الإيمان والتوحيد وروي ذلك عن مجاهد أيضاً ، وجمع الظلمات لتعدد أنواع الكفر ككفر النصارى وكفر المجوس وكفر غيرهم ، وكون الكفر كله ملة واحدة أمر آخر .

و { أَمْ } كما في «البحر » منقطعة وتقدر ببل والهمزة على المختار ، والتقدير بل أهل تستوي ، وهل وإن نابت عن الهمزة في كثير من المواضع فقد جامعتها أيضاً كما في قوله :

أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم *** وإذا جامعتها مع التصريح بها فلأن تجامعها مع أم المتضمنة لها أولى ، ويجوز فيها بعد { أَمْ } هذه أن يؤتى بها لشبهها بالأدوات الاسمية التي للاستفهام في عدم الأصالة فيه كما في قوله تعالى : { أَمَّن يَمْلِكُ السمع والابصار } [ يونس : 31 ] ويجوز أن لا يؤتى بها لأن { أَمْ } متضمنة للاستفهام ، وقد جاء الأمران في قوله :

هل ما علمت وما استودعت مكتوم *** أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم

أم هل كبير بكى لم يقض عبرته *** أثر الأحبة يوم البين مشكوم

وقرأ الإخوان . وأبو بكر { أَمْ هَلْ * يَسْتَوِى } بالياء التحتية ، ثم إنه تعالى أكد ما اقتضاه الكلام السابق من تخطئة المشركين فقال سبحانه : { أَمْ جَعَلُواْ } أي بل أجعلوا { لِلَّهِ } جل وعلا { شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } سبحانه وتعالى ، والهمزة لإنكار الوقوع وليس المنكر هو الجعل لأنه واقع منهم وإنما هو الخلق كخلقه تعالى ، والمعنى أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاء خلقوا كخلقه { فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ } بسبب ذلك وقالوا : هؤلاء خلقوا كخلق الله تعالى واستحقوا بذلك العبادة كما استحقها سبحانه ليكون ذلك منشأ لخطئهم بل إنما جعلوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلاً عما يقدر عليه الخالق ، والمقصود بالإنكار والنفي هو القيد والمقيد على ما نص عليه غير واحد من المحققين . وفي الانتصاف أن { خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } في سياق الإنكار جىء به للتهكم فإن غير الله تعالى لا يخلق شيئاً لا مساوياً ولا منحطاً وقد كان يكفي في الإنكار لولا ذلك أن الآلهة التي اتخذوها لا تخلق .

وتعقبه الطيبي بأن إثبات التهكم تكلف فإنه ذكر الشيء وإرادة نقيضه استحقاراً للمخاطب كما في قوله تعالى : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] وههنا { كَخَلْقِهِ } جيء به مبالغة في إثبات العجز لآلهتهم على سبيل الاستدراج وارخاء العنان ، فإنه تعالى لما أنكر عليهم أولا اتخاذهم من دونه شركاء ووضفها بأنها لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً فكيف تملك ذلك لغيرها أنكر عليهم ثانياً على سبيل التدرج وصف الخلق أيضاً ، يعني هب أن أولئك الشركاء قادرون على نفع أنفسهم وعلى نفع عبدتهم فهل يقدرون على أن يخلقوا شيئاً ، وهب أنهم قادرون على خلق بعض الأشياء فهل يقدرون على ما يقدر عليه الخالق من خلق السموات والأرض ا ه .

والحق أن الآية ناعية عليهم متهكمة بهم فإن من لا يملك لنفسه شيئاً من النفع والضر أبعد من أن يفيدهم ذلك ، وكيف يتوهم فيه أنه خالق وأن يشتبه على ذي عقل فينبه على نفيه ، وهذا المقدار يكفي في الغرض فافهم { قُلْ } تحقيقاً للحق وارشاداً لهم { الله * خالق كُلّ شَىْء } من الجواهر والاعراض ، ويلزم هذا أن لا خالق سواه لئلا يلزم التوارد وهو المقصود ليدل على المراد وهو نفي استحقاق غيره تعالى للعبادة والألوهية أي لا خالق سواه فيشاركه في ذلك الاستحقاق .

وبعموم الآية استدل أهل السنة على أن افعال العباد مخلوقة له تعالى ، والمعتزلة تزعم التخصيص بغير أفعالهم . ومن الناس من يحتج أيضاً لما ذهب إليه أهل الحق بالآية الأولى وهو كما ترى { وَهُوَ الواحد } المتوحد بالألوهية المنفرد بالربوبية { القهار } الغالب على كل ما سواه ومن جملة ذلك آلهتهم فيكف يكون المغلوب شريكاً له تعالى ، وهذا على ما قيل كالنتيجة لما قبله ، وهو يحتمل أن يكون من مقول القول وأن يكون جملة مستأنفة .


[464]:- هذا من أرخاء العنان أو من باب المشاكلة كذا قيل فتدبر اهـ منه.
 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّـٰرُ} (16)

المعنى :

وقوله تعالى : { قل من رب السماوات والأرض } أي من خالقهما ومالكهما ومدبر الأمر فيهما ؟ وأمر رسوله أن يسبقهم إلى الجواب { قل الله } إذ لا جواب لهم إلا هو ، وبعد أن أقروا بأن الرب الحق هو الله ، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم موبخاً مقرعاً { أفاتخذتم من دونه أولياء } أي شركاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن يملكوا لكم نفعاً أو يدفعون عنكم ضراً فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون ، ومبالغة في البيان وإقامة للحجة والبرهان على وجوب التوحيد وبطلان الشرك والتنديد أمر رسوله أن يقول لهم : { هل يستوي الأعمى والبصير ، أم هل تستوي الظلمات والنور } ؟ والجواب قطعاً لا إذ كيف يستوي المؤمن والكافر ، وكيف يستوي الهدى والضلال ، فالمؤمن يعبد الله على بصيرة على علم انه خالقه ورازقه يعلم سره ونجواه إذا دعاه أرسل إليه رسوله وانزل عليه كتابه ، والكافر المشرك يعبد مخلوقاً من مخلوقات الله لا تملك لنفسها فضلاً عن عابديها نفعاً ولا ضراً لا تسع نداءً ولا تجيب دعاء ، المؤمن يعبد الله بما شرع له من عبادات وبما طلبت منه من طاعات وقربات ، والكافر المشرك يعبد الباطل بهواه ، ويسلك الغيّ في الحياة .

وقوله : { أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } أي بل جعلوا لله شركاء فخلقت تلك الشركاء خلقوا كخلق الله فتشابه الخلق على المشركين فعبدوها ظناً منهم أنها خلقت كخلق الله ؟ والجواب لا فإنها لم تخلق ولا تستطيع خلق ذبابة فضلاً عن غيرها إذا فكيف تصح عبادتها وهي لم تخلق شيئاً ، وقوله تعالى : { قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار } أي قل أيها الرسول للمشركين عند اعترافهم بان آلهتهم لم تخلق شيئاً قل لهم : الله خالق كل شيء وهو الواحد الذي لا شريك له ولا ند ولا مثل ، القهار لكل جبار والمذل لكل معاند كفار ، هو المستحق للعبادة الواجب له الطاعة ، الإيمان به هدى والكفر به ضلال .

الهداية

من الهداية :

- بطلان الشرك إذ لا دليل عليه من عقل ولا نقل .

- وجوب العبادة لله تعالى .