{ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } أي فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الاتيان بكتاب أهدى منهما ، وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذاناً بأنه عليه الصلاة والسلام على كمال أمن من أمره ، كان أمره صلى الله عليه وسلم لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه .
وقيل : المراد فإن لم يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي جاءهم فالاستجابة على ظاهرها لأن الإيمان أمر يريد صلى الله عليه وسلم حقيقة وقوعه منهم وهي كما في البحر بمعنى الإجابة وتتعدى إلى الداعي باللام كما في هذه الآية ، وقوله تعالى : { فاستجاب لَهُ رَبُّهُ } [ يوسف : 34 ] ، وقوله سبحانه : { فاستجبنا لَهُ } [ الأنبياء : 76 ] وبنفسها كما في بيت الكتاب :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وقال الزمخشري : هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام ويحذف الدعاء إذا عدي إلى الداعي في الغالب فيقال : استجاب الله تعالى دعاءه أو استجاب له ولا يكاد يقال : استجاب له دعاءه ، وقوله في البيت فلم يستجبه على حذف مضاف أي فلم يستجب دعاءه انتهى ، ولو جعل ضمير يستجبه للدعاء المفهوم من داع لم يحتج إلى تقدير ، وجعل المفعول هنا محذوفاً لذكر الداعي ، ووجهه على ما قيل : أنه مع ذكر الداعي والاستجابة يتعين أن المفعول الدعاء فيصير ذكره عبثاً ، وجوز كون الحذف للعلم به من فعله لا لأنه ذكر الداعي ، وهذا حكم الاستجابة دون الإجابة لقوله تعالى : { أجيبوا داعي الله } [ الأحقاف : 31 ]
{ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } الزائغة من غير أن يكون لهم متمسك ما أصلا إذا لو كان لهم ذلك لأتوا به { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ } استفهام إنكاري للنفي أي لا أضل ممن اتبع هواه { بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله } أي هو أضل من كل ضال وإن كان ظاهر السبك لنفي الأضل لا لنفي المساوي كما مر في نظائره مراراً ، وقوله تعالى : { بِغَيْرِ هُدًى } في موضوع الحال من فاعل اتبع ، وتقييد الاتباع بذلك لزيادة التقرير والإشباع في التشنيع والتضليل وإلا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة ، وقيل : للاحتراز عما يكون فيه هدى منه تعالى فإن الإنسان قد يتبع هواه ويوافق الحق ، وفيه بحث { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم فانهمكوا في اتباع الهوى والإعراض عن الآيات الهادية إلى الحق المبين .
{ فإن لم يستجيبوا لك } أي بالإِتيان بالكتاب الذي هو أهدى من التوراة والقرآن .
{ فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } : في كفرهم ليس غيرن فلا عقل ولا كتاب منير .
{ ومن أضل ممن اتبع هواه } : أي لا أضلُّ منه قط .
وقوله تعالى : { فإن لم يستجيبوا لك } بالإِتيان بكتاب من عند الله تعالى هو أهدى من الفرقان والتوراة ومن أين لهم بذلك . . إنه المستحيل ! إذاً فاعلم أنهم إنما يتعبون أهواءهم فيما يقولون ويدعون فلا عقل ولا نقل عندهم { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } ؟ ! اللهم إنه لا أضل منه . والنتيجة أنه لا أضل من هؤلاء المشركين من قريش وقوله تعالى { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } هذا بيان لسنة الله تعالى في الظالمين الذين أكثروا من الظلم وتوغلوا فيه عقيدة بالشرك وعملاً بالمعاصي فإنه يحرمهم الهداية فلا يهتدون أبداً .
- بيان سنة الله في حرمان المتوغلين في الظلم من الهداية الإِلهية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.