البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (50)

{ فإن لم يستجيبوا لك } ، قال ابن عباس : يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج ، ولم يمكنهم أن يأتوا بكتاب هو أفضل ، والاستجابة تقتضي دعاء ، وهو صلى الله عليه وسلم يدعو دائماً إلى الإيمان ، أي فإن لم يستجيبوا لك بعدما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي أنزل ، أو يكون قوله : { فأتوا بكتاب } ، هو الدعاء إذ هو طلب منهم ودعاء لهم بأن يأتوا به .

ومعلوم أنهم لا يستجيبون لأن يأتوا بكتاب من عند الله ، فاعلم أنه ليس لهم إلا اتباع هوى مجرد ، لا اتباع دليل .

واستجاب : بمعنى أجاب ، ويعدى للداعي باللام ودونها ، كما قال : { فاستجاب له ربه } { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى } { فإن لم يستجيبوا لكم } وقال الشاعر :

فلم يستجبه عند ذاك مجيب ***

فعداه بغير لام .

وقال الزمخشري : هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء وإلى الداعي باللام ، ويحذف الدعاء إذا عدى إلى الداعي في الغالب ، فيقال : استجاب الله دعاءه ، واستجاب له ، فلا يكاد يقال استجاب له دعاءه .

وأما البيت فمعناه : فلم يستجب دعاء ، على حذف المضاف . انتهى .

{ ومن أضل } : أي لا أحد أضل ، و { بغير هدى } : في موضع الحال ، وهذا الحال قيد في اتباع الهوى ، لأنه قد يتبع الإنسان ما يهواه ، ويكون ذلك الذي يهواه فيه هدى من الله ، لأن الأهواء كلها تنقسم إلى ما يكون فيه هدى وما لا يكون فيه هدى ، فلذلك قيد بهذه الحال .

وقال الزمخشري : يعني مخذولاً مخلى بينه وبين هواه .

انتهى ، وهو على طريق الاعتزال .