{ إِنَّمَا ذلكم } الإشارة إلى المثبط بالذات أو بالواسطة ، والخطاب للمؤمنين وهو مبتدأ ، وقوله : { الشيطان } بمعنى إبليس لأنه علم له بالغلبة خبره على التشبيه البليغ ، وقوله تعالى : { يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } جملة مستأنفة مبينة لشيطنته ، أو حال كما في قوله تعالى : { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } [ النمل : 52 ] . ويجوز أن يكون الشيطان صفة لاسم الإشارة على التشبيه أيضاً ، ويحتمل أن يكون مجازاً حيث جعله هو ويخوف هو الخبر ، وجوز أن يكون ذا إشارة إلى قول المثبط فلا بدّ حينئذ من تقدير مضاف أي قول الشيطان ، والمراد به إبليس أيضاً ولا تجوز فيه على الصحيح ، وإنما التجوز في الإضافة إليه لأنه لما كان القول بوسوسته وسببه جعل كأنه قوله ، والمستكن في { يُخَوّفُ } إما للمقدر وإما للشيطان بحذف الراجع إلى المقدر أي يخوف به ، والمراد بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابه ، فالمفعول الأول ليخوف محذوف أي يخوفكم أولياءه بأن يعظمهم في قلوبكم ، ونظير ذلك قوله تعالى : { لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } [ الكهف : 2 ] وبذكر هذا المفعول قرأ ابن عباس . وقرأ بعضهم ( يخوفكم بأوليائه ) ، وعلى هذا المعنى أكثر المفسرين ، وإليه ذهب الزجاج وأبو علي الفارسي وغيرهما ، ويؤيده قوله تعالى :
{ فَلاَ تَخَافُوهُمْ } أي فلا تخافوا أولياءه الذين خوفكم إياهم { وَخَافُونِ } في مخالفة أمري ، وإما المتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولياءه هو المفعول الأول والمفعول الثاني إما متروك أو محذوف للعلم به أي يوقعهم في الخوف ، أو يخوفهم من أبي سفيان وأصحابه ؛ وعلى هذا لا يصح عود ضمير { تَخَافُوهُمْ } إلى الأولياء بل هو راجع إلى { الناس } [ آل عمران : 173 ] الثاني كضمير اخشوهم فهو ردّ له أي فلا تخافوا الناس وتقعدوا عن القتال وتجبنوا وخافون فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى امتثال ما يأمركم به ، وإلى هذا الوجه ذهب الحسن والسدي ، وادعى الطيبي أن النظم يساعد عليه ، والخطاب حينئذ لفريقي الخارجين والمختلفين والقصد التعريض بالطائفة الأخيرة ، وقيل : الخطاب لها و { أَوْلِيَاءهُ } إذ ذاك من وضع الظاهر موضع المضمر نعياً عليهم بأنهم أولياء الشيطان ؛ واستظهر بعضهم هذا القيل مطلقاً معللاً له بأن الخارجين لم يخافوا إلا الله تعالى وقالوا حسبنا الله وأنت تعلم أن قيام احتمال التعريض يمرض هذا التعليل ، والفاء لترتيب النهي أو الانتهاء على ما قبلها فإن كون المخوف شيطاناً أو قولاً له مما يوجب عدم الخوف والنهي عنه ، وأثبت أبو عمرو ياء { وَخَافُونِ } وصلاً وحذفها وقفاً والباقون يحذفونها مطلقاً وهي ضمير المفعول .
وقوله تعالى : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن كان الخطاب للمتخلفين فالأمر فيه واضح ، وإن كان للخارجين كان مساقاً للإلهاب والتهييج لهم لتحقق إيمانهم ، وإن كان للجميع ففيه تغليب ، وأيّاً مّا كان فالجزاء محذوف ، وقيل : إن كان الخطاب فيما تقدم للمؤمنين الخلص لم يفتقر إلى الجزاء لكونه في معنى التعليل ، وإن كان للآخرين افتقر إليه وكأن المعنى إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله تعالى على خوف الناس .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } المحجوبين بأنفسهم فلا تخافوا المنكرين { وَخَافُونِ } إذ ليس في الوجود سواى { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 175 ] أي موحدين توحيداً حقيقياً والله تعالى الموفق للصواب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
{ اولياء الشيطان } : أهل طاعته والاستجابة إليه فيما يدعوهم إليه من الشر والفساد .
الآية الرابعة ( 175 ) { إنَّما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين } ، وذلك أن وفد عبد القيس آجره أبو سفيان بكذا حمل من زبيب إن هو خوف المؤمنين منه فبعثه كأنه ( طابور ) يخذل له المؤمنين إلا أن المؤمنين عرفوا أنها مكيدة وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، فنزلت الآية : { إنما ذلكم الشيطان } الناطق على لسان النفر من عبد القيس يخوف المؤمنين من أوليائه أبى سفيان وجمعه ، فلا تخافوهم فنهاهم عن الخوف منهم وأمرهم أن يخافوه تعالى فلا يجبُنُوا ويخرجوا الى قتال أبى سفيان وكذلك فعلوا لأنهم المؤمنون بحق رضى الله عنهم أجمعين .
- بيان أن الشيطان يخوف المؤمنين من أوليائه ، فعلى المؤمنين أن لا يخافوا غير ربهم تعالى في الحياة ، فيطيعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه ، وهو حسبهم ونعم الوكيل لهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.