روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ مَكَّنَّـٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ} (10)

{ وَلَقَدْ مكناكم فِى الارض } ترغيب في قبول دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بتذكير النعم إثر ترهيب . وذكر الطيبي أن هذا نوع آخر من الإنذار فإنه جملة قسمية معطوفة على قوله سبحانه : { اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } [ الأعراف : 3 ] على تقدير قل اتبعوا وقل والله لقد مكناكم ، والمعنى جعلنا لكم في الأرض مكاناً وقراراً . وقيل : أقدرناكم على التصرف فيها فهو حينئذ كناية ورجحت هنا الحقيقة .

{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } أي ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب ونحوها أو ما تتوصلون به إلى ذلك ، وهو في الأصل مصدر عاش يعيش عيشاً وعيشة ومعاشا ومعيشة بوزن مفعلة ، والجمهور على التصريح بالياء فيها ، وروي عن نافع ( معائش ) بالهمز وغلطه النحويون ومنهم سيبويه في ذلك لأنه لا يهمز عندهم بعد ألف الجمع إلا الياء الزائدة كصحيفة وصحائف وأما معايش فياؤه أصلية هي عين الكلمة لأنها من العيش وبالغ أبو عثمان فقال : إن نافعا لم يكن يدري بالعربية ، وتعقب ذلك بأن هذه القراءة وإن كانت شاذة غير متواترة مأخوذة من الفصحاء الثقات والعرب قد تشبه الأصلي بالزائد لكونه على صورته ، وقد سمع هذا عنهم فيما ذكر وفي مصائب ومنائر أيضاً . وقول سيبويه : إنها غلط يمكن أن يراد به أنها خارجة عن الجادة والقياس ، وكثيراً ما يستعمل الغلط في كتابه بهذا المعنى .

والجعل بمعنى الإنشاء والإبداع وكل واحد من الظرفين متعلق به أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله المنكر إذ لو تأخر لكان صفة له ؛ وتقديمهما على المفعول مع أن حقهما التأخير عنه كما قال بعض المحققين للاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر فإن النفس عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما عند كون المقدم منبئاً عن منفعة السامع تبقى مترقبة لورود المؤخر فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن ، وأما تقديم اللام على في فلما أنه المنبىء عما ذكر من المنفعة والاعتناء بشأنه أتم والمسارعة إلى ذكره أهم ، وقيل : إن الجعل متعد إلى مفعولين ثانيهما أحد الظرفين على أنه مستقر قدم على الأول ، والظرف الآخر إما لغو متعلق بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالاً من المفعول الأول كما مر ، واعترض بأنه لا فائدة يعتد بها في الأخبار بجعل المعايش حاصلة لهم أو حاصلة في الأرض .

{ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } تلك النعمة الجسيمة ، وهو تذييل مسوق لبيان سوء ( حال ) المخاطبين وتحذيرهم قال الطيبي : والتذييل بذلك لأن الشكر مناسب لتمكينهم في البلاد والتصرف فيها كما أن التذكر في الجملة السابقة موافق للتمييز بين اتباع دين الحق ودين الباطل ، وبقية الكلام في هذه الجملة على طرز ما مر في نظيرها فتذكر .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ مكناكم في الأرض } إذ جعلناكم خلفاء فيها { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } متعددة دون غبركم فإن له معيشة واحدة ، وذلك لأن الإنسان فيه ملكية وحيوانية وشيطانية فمعيشة روحه معيشة الملك ومعيشة بدنه معيشة الحيوان ومعيشة نفسه الأمارة معيشة الشيطان . وله معايش غير ذلك وهي معيشة القلب بالشهود ومعيشة السر بالكشوف ومعيشة سر السر بالوصال «قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ » [ الأعراف : 10 ] ولو شكرتم ما رضيتم بالدون .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ مَكَّنَّـٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ} (10)

معنى الكلمات :

{ معايش } : جمع معيشة بمعنى العيش الذي يعيشه الإِنسان .

{ قليلاً ما تشكرون } : أي شكراً قليلاً والشكر ذكر النعمة للمنعم وطاعته بفعل محابه وترك مكارهه .

المعنى :

هذا ما دلت عليه الآيتان أما الآية الخامسة ( 10 ) فقد تضمنت امتنان الله تعالى على عباده ، وكان المفروض أن يشكروا نعمه عليهم بالإِيمان به وتوحيده وطاعته ، ولكن الذي حصل هو عدم الشكر من أكثرهم قال تعالى { ولقد مكناكم في الأرض } حيث جعلهم متمكنين في الحياة عليها يتصرفون فيها ويمشون في مناكبها ، وقوله { وجعلنا لكم فيها معايش } هذه نعمة أخرى وهي أن جعل لهم فيها معايش وأرزاقاً يطلبونها فيها ويحصلون عليها وعليها قامت حياتهم ، وقوله { قليلاً ما تشكرون } أي لا تشكرون إلا شكراً يسيراً لا يكاد يذكر .

الهداية

من الهداية :

- وجوب شكر النعم بالإِيمان والطاعة لله ورسوله .