{ وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً } أي ما يتزين به من اللباس والمراكب ونحوها وتستعمل مصدراً { وَأَمْوَالاً } أنواعاً كثيرة من المال كما يشعر به الجمع والتنوين ، وذكر ذلك بعد الزينة من ذكر العام بعد الخاص للشمول ، وقد يحمل على ما عداه بقرينة المقابلة ، وفسر بعضهم الزينة بالجمال وصحة البدن وطول القامة ونحوه { وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ } أي لكي يضلوا عنها وهو تعليل للإيتاء السابق ، والكلام إخبار من موصى عليه السلام بأن الله تعالى إنما أمدهم بالزينة والأموال استدراجاً ليزدادوا إثماً وضلالة كما أخبر سبحانه عن أمثالهم بقوله سبحانه : { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } [ آل عمران : 178 ] وإلى كون اللام للتعليل ذهب الفراء والظاهر أنه حقيقة فيكون ذلك الضلال مراد الله تعالى ، ولا يلزم ما قاله المعتزلة من أنه إذا كان مراداً يلزم أن يكونوا مطيعين به بناءً على أن الإرادة أمر أو مستلزم له لما أنه قد تبين بطلان هذا المبنى في الكلام ، وقدر بعضهم حذراً من ذلك لئلا يضلوا كما قدر في { شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ } [ الأعراف : 172 ] شهدنا أن لا تقولوا ولا حاجة إليه ، وقال الأخفش : اللام للعاقبة فيكون ذلك إخباراً منه عليه السلام لممارسته لهم وتفرسه بهم أو لعلمهم بالوحي على ما قيل بأن عاقبة ذلك الإيتاء الضلال .
والفرق بين التعليل المجازي وهذا إن قلنا بأنه معنى مجازي أيضاً أن في التعليل ذكر ما هو سبب لكن لم يكن إيتاؤه لكونه سبباً وفي لام العاقبة لم يذكر سبب أصلاً وهي كاستعارة أحد الضدين للآخر ، وقال ابن الأنباري : إنها للدعاء ولا مغمز على موسى عليه السلام في الدعاء عليهم بالضلال إما لأنه عليه السلام علم بالممارسة أو نحوها أنه كائن لا محالة فدعا به وحاصله أنه دعاء بما لا يكون إلا ذلك فهو تصريح بما جرى قضاء الله تعالى به ، ونحوه لعن الله تعالى الشيطان وإما لأنه ليس بدعاء حقيقة ، وليس النظر إلى تنجيز المسؤول وعدمه بل النظر إلى وصفهم بالعتو وإبلاء عذره عليه السلام في الدعوة فهو كناية إيمائية على هذا ، وما قيل : هذا شهادة بسوء حالهم بطريق الكناية في الكناية لأن الضلال رديف الإضلال وهو منع اللطف فكني بالضلال عن الإضلال والإضلال رديف كونهم كالمطبوع عليهم فكان هذا كشفاً وبياناً لحالهم بطريق الكناية فهو على ما فيه شيء عنه غني لأن الطبع مصرح به بعد بل النظر ههنا إلى الزبدة والخلاصة من هذه المطالب كلها ، ويشعر كلام الزمخشري باختيار كونها للدعاء ، وفي الانتصاف أنه اعتزال أدق من دبيب النمل يكاد الاطلاع عليه يكون كشفاً ، والظاهر أنها للتعليل ، وقال صاحب الفرائد : لولا التعليل لم يتجه قوله : { وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ } ولم ينتظم .
وأورد عليه أيضاً أنه ينافي غرض البعثة وهو الدعوة إلى الإيمان والهدى ، ولا يخفى أن دفع هذا يعلم مما قدمنا آنفاً . وأما وجه انتظام الكلام فهو كما قال غير واحد : إن موسى عليه السلام ذكر قوله : { وَقَالَ موسى } الخ تمهيداً للتخلص إلى الدعاء عليهم أي إنك أوليتهم هذه النعمة ليعبدوك ويشكروك فما زادهم ذلك إلا طغياناً وكفراً وإذا كانت الحال هذه فليضلوا عن سبيلك ولو دعا ابتداءً لم يحسن إذ ربما لم يعذر فقدم الشكاية منهم والنعي بسوء صنيعهم ليتسلق منه إلى الدعاء مع مراعاة تلازم الكلام من إيراد الأدعية منسوقة نسقاً واحداً وعدم الاحتياج إلى الاعتذار عن تكرير النداء كما احتاج القول بالتعليل إلى الاعتذار عنه بأنه للتأكيد وللإشارة إلى أن المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة للدعاء عليهم بعد . وادعى الطيبى أنه لا مجال للقول بالاعتراض لأنه إنما يحسن موقعه إذا التذت النفس بسماعه ، ولذا عيب قول النابغة
: لعل زياداً لا أبا لك غافل . . .
وفي كلامه ميل إلى القول بأن اللام للدعاء وهو لدى المنصف خلاف الظاهر ، وما ذكروه له لا يفيده ظهوراً .
وقرىء { لِيُضِلُّواْ } بضم الياء وفتحها { رَبَّنَا اطمس على أموالهم } أي أهلكها كما قال مجاهد ، فالطمس بمعنى الإهلاك ، وفعله من باب ضرب ودخل ، ويشهد له قراءة { اطمس } بضم الميم ، ويتعدى ولا يتعدى ، وجاء بمعنى محو الأثر والتغيير وبهذا فسره أكثر المفسرين قالوا : المعنى ربنا غيرها عن جهة نفعها إلى جهة لا ينتفع بها .
وأنت تعلم أن تغييرها عن جهة نفعها إهلاك لها أيضاً فلا ينافي ما أخرجه ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن الضحاك أنه بعد هذا الدعاء صارت دراهمهم ودنانيرهم ونحاسهم وحديدهم حجارة منقوشة . وعن محمد القرظي قال : سألني عمر بن عبد العزيز عن هذه الآية فأخبرته أن الله تعالى طمس على أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة فقال عمر : مكانك حتى آتيك فدعا بكيس مختوم ففكه فإذا فيه البيضة مشقوقة وهي حجارة وكذا الدراهم والدنانير وأشباه ذلك . وفي رواية عنه أنه صار سكرهم حجارة وأن الرجل بينما هو مع أهله إذ صارا حجرين وبينما المرأة قائمة تخبز إذ صارت كذلك ، وهذا مما لا يكاد يصح أصلاً وليس في الآية ما يشير إليه بوجه ، وعندي أن أخبار تغيير أموالهم إلى الحجارة لا تخلو عن وهن فلا يعول عليها ، ولعل الأولى أن يراد من طمسها إتلافها منهم على أتم وجه ، والمراد بالأموال ما يشمل الزينة من الملابس والمراكب وغيرها { واشدد على قُلُوبِهِمْ } أي أجعلها قاسية واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان كما هو قضية شأنهم { فَلاَ يُؤْمِنُواْ } جواب للدعاء أعني { اشدد } دون { اطمس } فهو منصوب ، ويحتمل أن يكون دعاء بلفظ النهي نحو إلهي لا تعذبني فهو مجزوم ، وجوز أن يكون عطفاً على { لِيُضِلُّواْ } وما بينهما دعاء معترض فهو حينئذٍ منصوب أو مجزوم حسبما علمت من الخلاف في اللام { حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } أي يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ينفعهم ذلك إذ ذاك ، والمراد به جنس العذاب الأليم .
وأخرج غير واحد عن ابن عباس تفسيره بالغرق .
واستدل بعضهم بالآية على أن الدعاء على شخص بالكفر لا يعد كفراً إذا لم يكن على وجه الاستيجاز والاستحسان للكفر بل كان على وجه التمني لينتقم الله تعالى من ذلك الشخص أشد انتقام ، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام خواهر زاده ، فقولهم : الرضا بكفر الغير كفر ليس على إطلاقه عنده بل هو مقيد بما إذا كان على وجه الاستحسان ، لكن قال صاحب الذخيرة : قد عثرنا على رواية عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن الرضا بكفر الغير كفر من غير تفصيل ، والمنقول عن علم الهدى أبي منصور الماتريدي التفصيل ففي المسألة اختلاف ، قيل : والمعول عليه أن الرضا بالكفر من حيث أنه كفر كفر وأن الرضا به لا من هذه الحيثية بل من حيثية كونه سبباً للعذاب الأليم أو كونه أثراً من آثار قضاء الله تعالى وقدره مثلاً ليس بكفر وبهذا يندفع التنافي بين قولهم : الرضا بالكفر كفر ، وقولهم : الرضا بالقضاء واجب بناءً على حمل القضاء فيه على المقضي ، وعلى هذا لا يتأتى ما قيل : إن رضا العبد بكفر نفسه كفر بلا شبهة على إطلاقه بل يجري فيه التفصيل السابق في الرضا بكفر الغير أيضاً ، ومن هذا التحقيق يعلم ما في قولهم : إن من جاءه كافر ليسلم فقال له : اصبر حتى أتوضأ أو أخره يكفر لرضاه بكفره في زمان من النظر ، ويؤيده ما في الحديث الصحيح في فتح مكة أن ابن أبي سرح أتى به عثمان رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله بايعه فكف صلى الله عليه وسلم يده عن بيعته ونظر إليه ثلاث مرات كل ذلك يأبى أن يبايعه فبايعه بعد الثلاث ثم أقبل صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟ قالوا : وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك فقال عليه الصلاة والسلام : إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين ، وقد أخرجه ابن أبي شيبة ، وأبو داود . والنسائي . وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص وهو معروف في السير فإنه ظاهر في أن التوقف مطلقاً ليس كما قالوه كفراً فليتأمل .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة} يعني الملك،
{وأموالا}، يعني أنواع الأموال، {في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} يعني إنما أعطيتهم ليشكروا ولا يكفروا بدينك، قال موسى: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد} يعني اختم {على قلوبهم فلا يؤمنوا}، يعني فلا يصدقوا، {حتى يروا العذاب الأليم} فإذا رأوا العذاب الأليم آمنوا، ولم يغن عنهم شيئا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وقال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم، وهم الملأ، زينة من متاع الدنيا وأثاثها، وأموالاً من أعيان الذهب والفضة في الحياة الدنيا. "رَبّنا لِيُضِلّوا عَنْ سَبِيلِكَ "يقول موسى لربه: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من ذلك ليضلوا عن سبيلك.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: "لِيُضِلّوا عَنْ سَبِيلِكَ" بمعنى: ليضلوا الناسَ عن سبيلك، ويصدّوهم عن دينك.
وقرأ ذلك آخرون: «لِيَضِلّوا عَنْ سَبِيلِكَ» بمعنى: ليضلوا هم عن سبيلك، فيَجوروا عن طريق الهدى.
فإن قال قائل: أفكان الله جلّ ثناؤه أعطى فرعون وقومه ما أعطاهم من زينة الدنيا وأموالها ليُضلوا الناس عن دينه، أو ليَضلوا هم عنه؟ فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لأجله، فلا عتب عليهم في ذلك؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت.
وقد اختلفت أهل العلم بالعربية في معنى هذه اللام التي في قوله: "لِيُضِلّوا" فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ربنا فضلوا عن سبيلك، كما قال: "فالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُوَنَ لَهُمْ عَدُوّا وَحَزَنا" أي فكان لهم وهم لم يلتقطوه ليكون عدوا وحزنا، وإنما التقطوه فكان لهم. قال: فهذه اللام تجيء في هذا المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة: هذه اللام لام كي ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم كي يضلوا، ثم دعا عليهم.
وقال آخر: هذه اللامات في قوله «ليضلوا» و «ليكون لهم عدوّا»، وما أشبهها بتأويل الخفض: آتيتهم ما أتيتهم لضلالهم، والتقطوه لكونه لأنه قد آلت الحالة إلى ذلك. والعرب تجعل لام كي في معنى لام الخفض، ولام الخفض في معنى لام كي لتقارب المعنى، قال الله تعالى: "سَيَحْلِفُونَ باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ" أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم... والصواب من القول في ذلك عندي: أنها لام كي، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويُضِلوا عن سبيلك عبادَك، عقوبةً منك. وهذا كما قال جلّ ثناؤه: "لأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ". وقوله: "رَبّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ" هذا دعاء من موسى، دعا الله على فرعون وملئه أن يغير أموالهم عن هيئتها، ويبدّلها إلى غير الحال التي هي بها، وذلك نحو قوله: "مِنْ قَبْل أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنرُدّها على أدْبارِها" يعني به: من قبل أن نغيرها عن هيئتها التي هي بها... وقد تستعمل العرب الطّمْس في العُفُوّ والدثور وفي الاندقاق والدروس...
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك في هذا الموضع؛
فقال جماعة منهم فيه مثل قولنا...
وقال آخرون: معنى ذلك: أهلكها... عن ابن عباس: "رَبّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ" يقول: دمر عليهم وأهلك أموالهم.
وأما قوله: "وَاشْدُدْ على قُلوبِهِمْ" فإنه يعني: واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح بالإيمان...
وأما قوله: "فَلا يُؤمِنُوا حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ" فإن معناه: فلا يصدّقوا بتوحيد الله ويقروا بوحدانيته حتى يروا العذاب الموجع...
وأما قوله: "حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ" فإن ابن عباس كان يقول: معناه: حتى يروا الغرق...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... الزينة: ما يتزين به من الحلي والثياب والمتاع. ويجوز أن يراد به حسن الصورة "ليضلوا عن سبيلك "فهذه لام العاقبة، وهي ما يؤول إليه الأمر كقوله "فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا"...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
لما يَئِس من إجابتهم حين دعاهم إلى الله، دعا عليهم بإنزال السُّخْطَة وإذاقة الفرقة. ومن المعلوم أنّ الأنبياء- عليهم السلام- مِنْ حقهم العصمة، فإذا دعا موسى عليهم بمثل هذه الجملة لم يكن ذلك إلا بإذن من قِبَل الله تعالى في الحقيقة.
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
وقوله {ربنا ليضلوا عن سبيلك} أي جعلت هذه الأموال سببا لضلالهم لأنهم بطروا فاستكبروا عن الإيمان...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
الزينة: ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك...
فإن قلت: ما معنى قوله: {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}؟ قلت: هو دعاء بلفظ الأمر، كقوله: {رَبَّنَا اطمس}، {واشدد}، وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضاً مكرّراً وردّد عليهم النصائح والمواعظ زماناً طويلاً، وحذرهم عذاب الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً، وعلى الإنذار إلاّ استكباراً، وعن النصيحة إلاّ نبوّا، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلاّ الغي والضلال، وأنّ إيمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة، أو علم ذلك بوحي من الله -اشتد غضبه عليهم، وأفرط مقته وكراهته لحالهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، كما تقول: لعن الله إبليس، وأخزى الله الكفرة، مع علمك أنه لا يكون غير ذلك، وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلاّ أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال، وليكونوا ضلالاً، وليطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنوا وما عليّ منهم، هم أحقّ بذلك وأحقّ كما يقوله الأب المشفق لولده الشاطر إذا ما لم يقبل منه، حسرة على ما فاته من قبول نصيحته، وحرداً عليه، لا أن يريد خلاعته واتباعه هواه.
ومعنى الشدّ على القلوب: الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان، {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} جواب للدعاء الذي هو «اشدد» أو دعاء بلفظ النهي، وقد حملت اللام في ليضلوا على التعليل، على أنهم جعلوا نعمة الله سبباً في الضلال، فكأنهم أوتوها ليضلّوا...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله تعالى {وقال موسى...}، غضب من موسى على القبط ودعاء عليهم فقدم للدعاء تقرير نعم الله عليهم وكفرهم بها، و {آتيت} معناه أعطيت وملكت، وتكرر قوله {ربنا} استغاثة كما يقول الداعي بالله، وقوله {ليضلوا} يحتمل أن يكون لام كي على بابها على معنى آتيتهم الأموال إملاء لهم واستدراجاً فكان الإيتاء كي يضلوا ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة، كما قال {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزناً} والمعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا، وروي عن الحسن أنه قال: هو دعاء ويحتمل أن يكون المعنى على جهة الاستفهام أي ربنا ليضلوا فعلت ذلك، وفي تقرير الشنعة عليهم...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ختم ببشارة من دل على إيمانهم إسلامهم بفعل ما يدل على هوان أمر العدو، وكان هلاك المشانئ من أعظم البشائر، وكان ضلال فرعون وقومه بالزينة والمال إضلالاً لغيرهم، سأل موسى عليه السلام إزالة ذلك كله للراحة من شره، فقال تعالى حاكياً عنه: {وقال موسى} أي بعد طول دعائه لفرعون وإظهار المعجزات لديه وطول تكبره على أمر الله وتجبره على المستضعفين من عباده، ولما كان من أعظم أهل الاصطفاء، أسقط الأداة تسنناً بهم، وأشار بصفة الإحسان إلى أن هلاك أعدائهم أعظم إحسان إليهم فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {إنك} أكد لما للجهال من إنكار أن يكون عطاء الملك الأعظم سبباً للإهانة {آتيت فرعون وملأه} أي أشراف قومه على ما هم فيه من الكفر والكبر {زينة} أي عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس وغيرهما {وأموالاً} أي كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما {في الحياة الدنيا}... ثم بين غايتها لهم، فقال مفتتحاً بالنداء باسم الرب ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم: {ربنا} أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا والمدبر لأمورنا {ليضلوا} في أنفسهم ويضلوا غيرهم {عن سبيلك} أي الطريق الواسعة التي نهجتها للوصول إلى رحمتك.
ولما بين أن مآلهم الضلال، دعا عليهم فقال مفتتحاً أيضاً بالنداء باسم الرب ثالثاً لأن ذلك من أمارات الإجابة كما أُشير إليه في آخر آل عمران وإشارة إلى أنهم لا صلاح لهم بدون هلاكهم وهلاكها: {ربنا اطمس} أي أوقع الطمس وهو التسوية بين المطموس وبين غيره مما ليس له نفعه {على أموالهم}.
ولما كان قد رأى منهم من التكبر على الله والتكذيب لآياته والتعذيب لأوليائه ما لا يشفي غيظه منه إلا إدامة شقائهم دنيا وأخرى، وكان عالماً بأن قدرة الله على إبقائهم على الكفر مع تحسيرهم بسلب المال كقدرته على ذلك باستدراجهم إليه بالمال، قال: {واشدد} أي شداً ظاهراً لكل أحد -بما أشار إليه الفك مستعلياً {على قلوبهم} قال ابن عباس: اطبع عليها وامنعها من الإيمان، وأجاب الدعاء بقوله: {فلا يؤمنوا} أي ليتسبب عن ذلك الشد عدم إيمانهم إذا رأوا مبادئ العذاب بالطمس {حتى يروا} أي بأعينهم {العذاب الأليم} حيث لا ينفعهم الإيمان فيكونوا جامعين ذل النفوس المطلوب منهم اليوم ليفيدهم العز الدائم إلى شدة الغضب بوضع الشيء في غير موضعه المنتج لدوام ذلهم بالعقاب...
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
وقد استشكل بعض أهل العلم ما في هذه الآية من الدعاء على هؤلاء، وقال: إن الرسل إنما تطلب هداية قومهم وإيمانهم. وأجيب بأنه لا يجوز لنبيّ أن يدعو على قومه إلا بإذن الله سبحانه، وإنما يأذن الله بذلك لعلمه بأنه ليس فيهم من يؤمن، ولهذا لما أعلم الله نوحاً عليه السلام بأنه لا يؤمن من قومه إلا من قد آمن، قال: {رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً}...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وقَالَ مُوسَى} بعد أن أعد بني إسرائيل للخروج من مصر إعدادا دينيا دنيويا، متوجها إلى الله تعالى في إتمام الأمر، بعد قيامه بما يقدر عليه هو وبنو إسرائيل من الأسباب.
{رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأَمْوالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه وكبراءهم دون دهمائهم من الصناع والزراع والجند والخدم زينة من الحلي والحلل والآنية والماعون والأثاث والرياش، وأموالا كثيرة الأنواع والمقادير، يتمتعون وينفقون منها في حظوظ الدنيا من العظمة الباطلة والشهوات البدنية بدون حساب.
{رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} أي لتكون عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق والعدل والعمل الصالح، ذلك بأن الزينة سبب الكبر والخيلاء والطغيان على الناس، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك وتخضع رقاب الناس لهم، كما قال تعالى: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6، 7] وذلك دأب فراعنة مصر، به تشهد آثارهم وركازهم التي لا تزال تستخرج من برابيهم ونواويس قبورهم إلى يومنا هذا الذي أكتب فيه تفسير هذه الآيات، وتحفظ في دار الآثار المصرية، ويوجد مثلها دور أخرى في عواصم بلاد الإفرنج ملأى بأمثالها. فاللام في قوله: {ليضلوا} تسمى لام العاقبة والصيرورة، وهي الدالة على أن ما بعدها أثر وغاية فعلية لمتعلقها، يترتب عليه بالفعل لا بالسببية، ولا بقصد فاعل الفعل الذي تتعلق به، كقوله تعالى في موسى عليه السلام {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وحَزَنًا} [القصص: 8] ويميز بينها وبين لام كي الدالة على علة الفعل بالقرينة. وجعلها بعضهم هنا منها، وحملوها على الاستدراج، أي آتيتهم ذلك لكي يضلوا الناس فيستحقوا العقاب.
وقد يعززه قوله: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوالِهِمْ} يقال طمس الأثر وطمسته الريح إذا زال حتى لا يرى أولا يعرف {ولَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} [يس: 66]، وهو يصدق بالعمى بعدم الانتفاع بها كما سبق قريبا في قوله: {ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} [يونس: 43] واتفقوا على أن المراد بالعمى هنا عمى البصيرة لا البصر، والمعنى هنا ربنا امحق أموالهم بالآفات التي تصيب حرثهم وأنعامهم وتنقص مكاسبهم وثمراتهم وغلاتهم فيذوقوا ذل الحاجة.
{واشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي اطبع عليها، وزدها قساوة وإصرارا وعنادا، حتى يستحقوا تعجيل عقابك فتعاقبهم.
{فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} هذا جواب للدعاء أو دعاء آخر بلفظ النهي متمم له.
وقد روي أن موسى دعا بهذا الدعاء، وأمن هارون عليهما السلام كما هو المعتاد، فاستجاب الله تعالى لهما بقوله.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
قال ذلك، غضبًا عليهم، حيث تجرؤوا على محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربه بأن الله سيعاقبهم على ما فعلوا، بإغلاق باب الإيمان عليهم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
واتجه موسى -عليه السلام- إلى ربه، وقد يئس من فرعون وملئه أن يكون فيهم خير، وأن تكون قد بقيت فيهم بقية، وأن يرجى لهم صلاح. اتجه إليه يدعو على فرعون وملئه، الذين يملكون المال والزينة، تضعف إزاءهما قلوب الكثيرين، فتنتهي إلى التهاوي أمام الجاه والمال، وإلى الضلال.. اتجه موسى إلى ربه يدعوه أن يدمر هذه الأموال، وأن يشد على قلوب أهلها فلا يؤمنوا إلا حيث لا ينفعهم إيمان. فاستجاب اللّه الدعاء... (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا).. ينشأ عنها إضلال الناس عن سبيلك، وإما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين. وإما بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم. ووجود النعمة في أيدي المفسدين لا شك يزعزع كثيراً من القلوب التي لا يبلغ من يقينها باللّه أن تدرك أن هذه النعمة ابتلاء واختبار، وأنها كذلك ليست شيئاً ذا قيمة إلى جانب فضل اللّه في الدنيا والآخرة. وموسى يتحدث هنا عن الواقع المشهود في عامة الناس. ويطلب لوقف هذا الإضلال، ولتجريد القوة الباغية المضلة من وسائل البغي والإغراء، أن يطمس اللّه على هذه الأموال بتدميرها والذهاب بها، بحيث لا ينتفع بها أصحابها. أما دعاؤه بأن يشد اللّه على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فهو دعاء من يئس من صلاح هذه القلوب، ومن أن يكون لها توبة أو إنابة. دعاء بأن يزيدها اللّه قسوة واستغلاقاً حتى يأتيهم العذاب، وعندئذ لن يقبل منهم الإيمان، لأن الإيمان عند حلول العذاب لا يقبل، ولا يدل على توبة حقيقية باختيار الإنسان...
والزينة: هي الأمر الزائد عن ضروريات الحياة ومقوماتها الأولى، فاستبقاء الحياة يكون بالمأكل لأي غذاء يسدُّ الجوع، وبالمشرب الذي يروي العطش.
أما إن كان الطعام منوَّعا فهذا من ترف الحياة، ومن ترف الحياة الملابس التي تستر العورة فقط، بل بالزي يتميز بجودة النسج والتصميم والتفصيل.
وكذلك من ترف الحياة المكان الذي ينام فيه الإنسان، بحيث يتم تأثيثه بفاخر الرياش، ولكن الضرورة في النوم يكفي فيها مكان على الأرض، وأي فراش يقي من برودة الأرض أو حرارتها.
إذن: فالزائد عن الضرورات هو زينة الحياة، والزينة تأتي من الأموال، والرصيد في الأموال هو الذهب، ثم تأخذ الفضة المرتبة الثانية...
وأنت إن نظرت إلى زينة الفراعنة تجد قناع "توت عنخ آمون "آية في الجمال، وكذلك كانت قصورهم في قمة الرفاهية، ويكفي أن ترى الألوان التي صنعت منها دهانات الحوائط في تلك الأيام؛ لتعرف دقة الصنعة ومدى الترف، الذي هو أكثر بكثير من الضرورات...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
وقد نستوحي من ذلك أن الطغاة والظالمين يتوصلون إلى إضلال الناس والسيطرة عليهم من خلال الحالة الاستعراضية التي يحاولون من خلالها التأثير على نفسيّة الناس لإضعافها بمظاهر الزينة والمال والجاه التي تبهر الأبصار وتعشي العقول، ما قد يقتضينا معالجة هذه المؤثّرات الضاغطة بمختلف أساليب التوعية التي تضع القضية في نصابها وحجمها الطبيعيّ، وذلك من جهة تخفيف الضغط على مواقفهم من خلال ذلك...