{ إِنَّمَا جُعِلَ السبت } بمعنى إنما فرض تعظيمه والتخلي للعبادة وترك الصيد فيه تحقيق لذلك النفي الكلي وتوضيح له بإبطال ما عسى يتوهم كونه قادحاً في الكلية فإن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شعائر الإسلام وأن إبراهيم عليه السلام كان محافظاً عليه أي ليس السبت من شرائع إبراهيم وشعائر ملته عليه السلام التي أمرت باتباعها حتى يكون بينه وبين بعض المشركين علاقة في الجملة ، وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة طويلة ، وإيراد الفعل مبنياً للمفعول جرى على سنن الكبرياء وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة الإسناد إلى الغير . وقرأ أبو حيوة { جَعَلَ } بالبناء للفاعل ، وعن ابن مسعود والأعمش أنهما قرءا { إِنَّمَا * أَنزَلْنَا * السبت } وهو على ما قال أبو حيان تفسير معنى لا قراءة لمخالفة ذلك سواد المصحف ، والمستفيض عنهما أنهما قرءا كالجماعة إنما جعل السبت { على الذين اختلفوا فِيهِ } على نبيهم حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت وهم اليهود .
أخرج الشافعي في الأم والشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعني الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد » وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : أمر موسى عليه السلام اليهود بالجمعة وقال : تفرغوا لله تعالى في كل سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئاً من أعمالكم فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله تعالى فيه من الخلق وهو يوم السبت فجعل عليهم وشدد فيه الأمر ثم جاء عيسى عليه السلام بالجمعة فقالت النصارى : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد وكأنهم إنما اختاروه لأنه مبتدأ الخلق ، واختار هذا الإمام وحمل { فِى } على التعليل أي اختلفوا على نبيهم لأجل ذلك اليوم ، وقال الخفاجي : معنى { اختلفوا فِيهِ } خالفوا جميعهم نبيهم فهو اختلاف بينهم وبين نبيهم ، وظاهر الإخبار يقتضي أنه عين لهم أولاً يوم الجمعة ، وقال القاضي عياض : الظاهر أنه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين ووكل إلى اجتهادهم فاختلفت أحبارهم في تعيينه ولم يهدهم الله تعالى له وفرض على هذه الأمة مبيناً ففازوا بفضيلته ولو كان منصوصاً عليه لم يصح أن يقال { اختلفوا } بل يقال خالفوا ، وقال الإمام النووي : يمكن أن يكونوا أمروا صريحاً ونص عليه فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم إبداله فأبدلوه وغلطوا في إبداله ، وقال الواحدي : قد أشكل أمر هذا الاختلاف على كثير من المفسرين حتى قال بعضهم : معنى اختلافهم في السبت أن بعضهم قال هو أعظم الأيام حرمة لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فيه ، وقال الآخرون : أعظمها حرمة الأحد لأن الله سبحانه ابتدأ الخلق فيه ؛ وهذا غلط لأن اليهود لم يكونوا فرقتين في السبت وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان وقيل : المراد اختلفوا فيما بينهم في شأنه ففضلته فرقة منهم على الجمعة ولم ترض بها وفضلت أخرى الجمعة عليه ومالت إليها بناءً على ما روي من أن موسى عليه السلام جاءهم بالجمعة فأبى أكثرهم إلا السبت ورضي شرذمة منهم بها فأذن الله تعالى لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع أمر الله تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله تعالى قردة دون أولئك المطيعين ، والتفسير الأول تفسير رئيس المفسرين وترجمان القرآن وحبر الأمة المروي من طرق صحيحة عن أفضل النبيين وأعلم الخلق بمراد رب العالمين صلى الله عليه وسلم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } أي المختلفين { يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } أي يقضي بينهم بالمجازاة على اختلافهم على نبيهم ومخالفتهم له في ذلك أو يفصل ما بين الفريقين منهم من الخصومة والاختلاف فيجازى كل فريق بما يستحقه من الثواب والعقاب ، وفيه على هذا إيماءً إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحد الفريقين وإنجاء الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيء لا يعتد به ، وعبر عن الفرض بالجعل موصولاً بكلمة { على } للإيذان بتضمنه للتشديد والابتلاء المؤدي إلى العذاب ، وعن اليهود بالاسم الموصول بالاختلاف إشارة إلى علة ذلك ، وقيل : المعنى إنما جعل وبال ترك تعظيم السبت وهو المسخ كائناً أو واقعاً على الذين اختلفوا فيه أي أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى وكان حتماً عليهم أن يتفقوا على تحريمه حسبما أمر الله تعالى به وروي ذلك عن قتادة ، وفسر الحكم بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارة والتحريم أخرى .
ووجه إيراد ذلك ههنا بأنه أريد منه إنذار المشركين وتهديدهم بما في مخالفة الأنبياء عليهم السلام من الوبال كما ذكرت القرية التي كفرت بأنعم الله تعالى تمثيلاً لذلك . واعترض بأن توسيط ذلك لما ذكر بين حكاية أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام وبين أمره صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليها كالفصل بين الشجر ولحائه . وأجيب بأن فيه حثاً على إجابة الدعوة التي تضمنها الكلام السابق وأمر بها في الكلام اللاحق فللمتوسط نسبة إلى الطرفين تخرجه من أن يكون الفصل به كالفصل بين الشجر ولحائه وهو كما ترى .
واعترض أيضاً بأن كلمة { بَيْنَهُمْ } تحكم بأن المراد بالحكم هو فصل ما بين الفريقين من الاختلاف دون المجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارة والتحريم أخرى .
ويرد هذا أيضاً على تفسيره بالقضاء بالمجازاة على اختلافهم جميعهم على نبيهم ومخالفتهم له فيما جاءهم به ، وقد فسر بذلك على التفسير المأثور عن ترجمان القرآن ، ومنهم من فسره عليه بما فسر به على التفسير المروى عن قتادة فيرد عليه أيضاً ما ذكر مع ما في ضمنه من القول باختلاف الاختلافين بمعنى ، والظاهر اتحادهما . وأجاب بعضهم عن الاعتراض بمنع حكم كلمة { بَيْنَهُمْ } بما تقدم فتأمل ، وتفسير السبت باليوم المخصوص هو الظاهر الذي ذهب إليه الكثير ، وجوز كونه مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها ، قيل : ويجوز على هذا أن يكون في الآية استخدام .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ } [ النحل : 124 ] وهم اليهود واختاروه لأنه اليوم الذي انتهت به أيام الخلق فكان بزعمهم أنسب لترك الأعمال الدنيوية وهو على ما قال الشيخ الأكبر قدس سره في الفتوحات يوم الأبد الذي لا انقضاء له فليله في جهنم ونهاره في الجنة واختيار النصارى ليوم الأحد لأنه أول يوم اعتني الله تعالى فيه بخلق الخلق فكان بزعمهم أولى بالتفرع لعبادة الله تعالى وشكره سبحانه ، وقد هدى الله تعالى لما هو أعظم من ذلك وهو يوم الجمعة الذي أكمل الله تعالى به الخلق وظهرت فيه حكمة الاقتدار بخلق الإنسان الذي خلق على صورة الرحمن فكان أولى بأن يتفرغ فيه الإنسان للعبادة والشكر من ذينك اليومين وسبحان من خلق فهدى
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه}... يقول: إنما أمر بالسبت على الذين كان اختلافهم فيه حين قال بعضهم: يوم السبت، وقال بعضهم: اتبعوا أمر نبيكم في الجمعة، ثم قال سبحانه: {وإن ربك ليحكم}، يعني: ليقضي {بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه}، يعني: في يوم السبت، {يختلفون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ما فرض الله أيها الناس تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه:
فقال بعضهم: هو أعظم الأيام؛ لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سَبَتَ يوم السبت!
وقال آخرون: بل أعظم الأيام يوم الأحد؛ لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فَرَض الله عليهم تعظيمه واستحلوه...
(وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد ليحكم بين هؤلاء المختلفين بينهم في استحلال السبت وتحريمه عند مصيرهم إليه يوم القيامة، فيقضي بينهم في ذلك وفي غيره مما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بالحق، ويفصل بالعدل بمجازاة المصيب فيه جزاءه والمخطئ فيه منهم ما هو أهله...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال الحسن وقتادة: {إنما جعل السبت}، أي: إنما لعنوا في السبت، فَمُسِخُوا قردة، {على الذين اختلفوا فيه}، وكان اختلافهم أنه حرمه بعضهم، واستحله بعض...
وقال أبو بكر: اختلافهم كان في تكذيب الرسل والأنبياء؛ فمنهم من صدَّق، ومنهم من كذَّب، فحرم عليهم يوم السبت عقوبة لهم، أو يكون اختلافهم ما سألوا موسى من الآيات العجيبة والأسئلة الوحشية كقولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} (البقرة: 55)، وكقولهم: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} (الأعراف: 138) ونحوهما بعد ما أقام عليهم من الآيات (ما) كانت لهم فيها كفاية. فيشبه أن يكون اختلافهم الذي ذكره ذلك...
وقوله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} يُخَرَّجُ على وجهين: أحدهما: إنما جعل السبت محنة على الذين اختلفوا فيه، أي: على الذين فسقوا فيه حين قال: {بما كانوا يفسقون} (الأعراف: 165). والثاني: إنما جعل عقوبة السبت على الذين اعتدوا فيه دون الذين اختلفوا فيه؛ لأن فريقا منهم، قد نَهوهُم عن ذلك، وفريقا اعتدوا، فأهلك الذين اعتدوا دون الذين نهوهم...
وقوله تعالى: {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}، يحكم بينهم بالجزاء، ويحكم بما بين لهم المحق من المبطل، خَيَبَ فريقا، وأنجى فريقا. فكيف قال: {ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} الآية؟ يشبه أن يكون ذلك بالجزاء على ما ذكرنا...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وجه اتصال هذه الآية بما تقدم، أنه لما أمر باتباع الحق، حذر من الاختلاف فيه، بما ذكره من حال المختلفين في السبت، بما ليس لهم أن يختلفوا فيه، فشدد عليهم فرضه، وضيق عليهم أمره وقال قوم: معنى "اختلفوا فيه"، أي: خالفوا فيه؛ لأنهم نهوا عن الصيد فيه فنصبوا الشباك يوم الجمعة، ودخل فيها السمك يوم السبت، فأخذوه يوم الأحد. ثم قال: "وإن ربك "يا محمد،" ليحكم بينهم"، أي: يفصل بينهم يوم القيامة في الذي كانوا مختلفين فيه، ويبين لهم الصحيح من الفاسد...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
والإشارة من ذلك أنهم حادوا عن موجب الأمر، ومالوا إلى جانب هواهم. ثم إنهم لم يراعوها حق رعايتها فصار سبب عصيانهم...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{السبت}، مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها. إنما جعل وبال السبت وهو المسخ {على الذين اختلفوا فِيهِ}، واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرّموه تارة،، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه. والمعنى في ذكر ذلك، نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلاً، وغير ما ذكر، وهو الإنذار من سخط الله على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته...
ومعنى جعل السبت: فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه...
اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بمتابعة إبراهيم عليه السلام، وكان محمد عليه السلام اختار يوم الجمعة، فهذه المتابعة إنما تحصل إذا قلنا إن إبراهيم عليه السلام كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة، وعند هذا لسائل أن يقول: فلم اختار اليهود يوم السبت؟
فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه}... فاختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم أي لأجله، وليس معنى قوله: {اختلفوا فيه} أن اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به، لأن اليهود اتفقوا على ذلك فلا يمكن تفسير قوله: {اختلفوا فيه} بهذا، بل الصحيح ما قدمناه...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
" إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه"، أي: لم يكن في شرع إبراهيم ولا في دينه، بل كان سمحا لا تغليظ فيه، وكان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسيط في المعاش بسبب اختلافهم فيه، ثم جاء عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقال: تفرغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوما واحدا. فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، فاختاروا الأحد...
ووجه الاتصال بما قبله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتباع الحق، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
لا شك أن الله تعالى شرَع في كل ملة يوما من الأسبوع، يجتمع الناس فيه للعبادة، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة؛ لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، واجتمعت [الناس] فيه وتمت النعمة على عباده. ويقال: إنه تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فعدلوا عنه واختاروا السبت؛ لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئًا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه، مع أمره إياهم بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه. وأخذه مواثيقهم وعهودهم على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ}. قال مجاهد: اتبعوه وتركوا الجمعة. ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به، حتى بعث الله عيسى ابن مريم، فيقال: إنه حوَّلهم إلى يوم الأحد. ويقال إنه: لم [يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها وإنه لم] يزل محافظًا على السبت حتى رفع، وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد، مخالفة لليهود، وتحولوا إلى الصلاة شرقا عن الصخرة، والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين، من حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد". لفظ البخاري. وعن أبي هريرة، وحذيفة، رضي الله عنهما، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، والمقضي بينهم قبل الخلائق". رواه مسلم [والله أعلم]...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما دعا سبحانه فيها إلى معالي الشيم وعدم الاعتراض، وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي هي سهولة الانقياد للدليل، وعدم الكون مع الجامدين، اقتداء بالأب الأعظم، وكان الخلاف والعسر مخالفاً لملته، فكان لا يجر إلى خير، وكان من المعلوم أن كل حكم حدث بعده ليس من ملته، وكان اليهود يزعمون جهلاً أنه كان على دينهم، وكان السبت من أعظم شعائرهم، أنتج ذلك قوله تعالى جواباً لمن قد يدعي من اليهود أنه كان على دينهم، وتحذيراً من العقوبة على الاختلاف في الحق بالتشديد في الأمر. {إنما جعل}، أي: بجعل من لا أمر لغيره، {السبت}، أي: تحريمه واحترامه أو وباله، {على الذين اختلفوا فيه}، حين أمرهم نبيهم بالجمعة فقبل ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون، فبدلوا بالجمعة السبت. وشدد عليهم في أمره انتقاماً منهم بما تفهمه التعدية ب "على"، فكان ذلك وبالاً عليهم، وفي ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا؛ ... ولما كان الإشراك واضحاً في أمر النصارى، استغنى بنفيه عنه عن التصريح بأنه ليس على دينهم؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتاً أمر البعث فقال تعالى: {وإن ربك}، أي: المحسن إليك بطواعية أصحابك لك، {ليحكم بينهم}، أي: هؤلاء المختلفين، (يوم القيامة)، واجتماع جميع الخلائق، (فيما كانوا)، أي: بجبلاتهم، {فيه يختلفون}، من قبول الجمعة وردها، ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ذلك، فيجازي كل فريق منهم بما يستحقه...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
..."وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" وفيه إيماءٌ إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحدِ الفريقين وإنجاءِ الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيءٌ لا يعتدّ به. هذا هو الذي يستدعيه الإعجازُ التنزيليُّ...
ووجهُ إيرادِه هاهنا بأنه أريد به إنذارُ المشركين من سخط الله تعالى على العصاة والمخالفين لأوامره، كضرب المثلِ بالقرية التي كفرت بأنعُم الله تعالى،...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فأما تحريم السبت فهو خاص باليهود الذين اختلفوا فيه، وليس من ديانة إبراهيم، وليس كذلك من دين محمد السائر على نهج إبراهيم: (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه) وأمرهم موكول إلى الله (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
موقع هذه الآية ينادي على أنها تضمّنت معنى يرتبط بملّة إبراهيم وبمجيء الإسلام على أساسها. فلما نفت الآية قبل هذه أن يكون إبراهيم عليه السلام من المشركين ردّاً على مزاعم العرب المشركين أنهم على ملّة إبراهيم، انتقل بهذه المناسبة إلى إبطال ما يشبه تلك المزاعم. وهي مزاعم اليهود أن ملّة اليهودية هي ملّة إبراهيم زعماً ابتدعوه حين ظهور الإسلام جحداً لفضيلةٍ فاتتهم، وهي فضيلة بناء دينهم على أول دين للفطرة الكاملة حسداً من عند أنفسهم. وقد بيّنا ذلك عند قوله تعالى: {يأهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم} في سورة آل عمران (65). فهذه الآية مثل آية آل عمران يا أهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، فذلك دالّ على أن هؤلاء الفرق الثلاث اختلفوا في إبراهيم، فكل واحدة من هؤلاء تدّعِي أنها على ملته، إلا أنه اقتصر في هذه الآية على إبطال مزاعم المشركين بأعظم دليل وهو أن دينهم الإشراك وإبراهيمُ عليه السلام ما كان من المشركين. وعقب ذلك بإبطال مزاعم اليهود لأنها قد تكون أكثر رواجاً، لأن اليهود كانوا مخالطين العرب في بلادهم، فأهل مكة كانوا يتّصلون باليهود في أسفارهم وأسواقهم بخلاف النّصارى. ولما كانت هذه السورة مكّية لم يتعرّض فيها للنّصارى الذين تُعرّض لهم في سورة آل عمران. ولهذا تكون جملة {إنما جعل السبت} استئنافاً بيانياً نشأ عن قوله: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} [سورة النحل: 123] إذ يثير سؤالاً من المخالفين: كيف يكون الإسلام من ملّة إبراهيم؟ وفيه جعل يوم الجمعة اليومَ المقدس. وقد جعلت التوراة لليهود يوم التّقديس يوم السبت. ولعلّ اليهود شغبوا بذلك على المسلمين، فكان قوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} بياناً لجواب هذا السؤال. وقد وقعت هذه الجملة معترضة بين جملة {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} [سورة النحل: 123] وجملة {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} [سورة النحل: 125] الخ. ولذلك افتتحت الجملة بأداة الحصر إشعاراً بأنها لقلب ما ظنّه السائلون المشغبون. وهذا أسلوب معروف في كثير من الأجوبة المورَدة لردّ رأي موهوم، فالضمير في قوله: {فيه} عائد إلى إبراهيم على تقدير مضاف، أي اختلفوا في ملّته، وليس عائداً على السبت، إذ لا طائل من المعنى في ذلك. والذين اختلفوا في إبراهيم، أي في ملّته هم اليهود لأنهم أصحاب السبت. ومعنى {جعل السبت} فرض وعُيّن عليهم، أي فرضت عليهم أحكام السبت: من تحريم العمل فيه، وتحريم استخدام الخدم والدوابّ في يوم السبت. وعدل عن ذكر اسم اليهود أو بني إسرائيل مع كونه أوجزَ إلى التّعبير عنهم بالموصول لأن اشتهارهم بالصّلة كاففٍ في تعريفهم مع ما في الموصول وصلته من الإيماء إلى وجه بناء الخبر. وذلك الإيماء هو المقصود هنا لأن المقصود إثبات أن اليهود لم يكونوا على الحنيفية كما علمت آنفاً. وليس معنى فِعل {اختلفوا} وقُوع خلاف بينهم بأمر السبت بل فعل {اختلفوا} مرادٌ به خالفوا كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم « واختلافهم على أنبيائهم» أي عملهم خلاف ما أمر به أنبياؤهم. فحاصل المعنى هكذا: ما فُرض السبت على أهل السبت إلا لأنهم لم يكونوا على ملّة إبراهيم، إذ مما لا شكّ فيه عندهم أن ملّة إبراهيم ليس منها حرمة السبت ولا هو من شرائعها. ولم يقع التعرّض لليوم المقدّس عند النصارى لعدم الداعي إلى ذلك حين نزول هذه السورة كما علمت. ولا يؤخذ من هذا أن ملّة إبراهيم كان اليومُ المقدّسُ فيها يومَ الجمعة لعدم ما يدلّ على ذلك، والكافي في نفي أن يكون اليهود على ملّة إبراهيم أن يوم حرمة السبت لم تكن من ملّة إبراهيم. ثم الأظهر أن حرمة يوم الجمعة ادخرت للملّة الإسلامية لقول النبي صلى الله عليه وسلم « فهذا اليومُ الذي اختلفوا فيه فَهدانا الله إليه فالناس لنا فيه تبع اليهودُ غداً والنصارى بعد غَد». فقوله: « فهدانا الله إليه» يدلّ على أنه لم يسبق ذلك في ملّة أخرى. فهذا وجه تفسير هذه الآية، ومحمل الفعل والضمير المجرور في قوله: {اختلفوا فيه}. وما ذكره المفسّرون من وجوه لا يخلو من تكلّف وعدم طائل. وقد جعلوا ضمير {فيه} عائداً إلى {السبت}. وتأوّلوا معنى الاختلاف فيه بوجوه. ولا مناسبة بين الخبر وبين ما تُوهّم أنه تعليل له على معنى جعل السبت عليهم لأنهم اختلفُوا على نبيئهم موسى عليه السلام لأجل السبت، لأن نبيّهم أمرهم أن يعظّموا يومَ الجمعة فأبَوا، وطلبوا أن يكون السبت هو المفضّل من الأسبوع بعلّةِ أن الله قضى خلق السماوات والأرضين قبل يوم السبت، ولم يكن في يوم السبت خَلق، فعاقبهم الله بالتّشديد عليهم في حرمة السبت. كذا نقل عن ابن عباس. وهو لا يصحّ عنه، وكيف وقد قال الله تعالى: {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} [سورة النساء: 154]. وكيف يستقيم أن يعدل موسى عليه السلام عن اليوم الذي أمر الله بتعظيمه إلى يوم آخر لشهوة قومه وقد عُرف بالصلابة في الدين. من المفسرين من زعم أن التوراة أمرتهم بيوم غير معيّن فعيّنوه السبت. وهذا لا يستقيم لأن موسى عليه السلام عاش بينهم ثمانين سنة فكيف يصحّ أن يكونوا فعلوا ذلك لسوء فهمهم في التوراة. ولعلّك تلوح لك حيرة المفسّرين في التئام معاني هذه الآية. وإنما} للحصر وهو قصر قلب مقصود به الردّ على اليهود بالاستدلال عليهم بأنهم ليسوا على ملّة إبراهيم، لأن السبت جعله الله لهم شرعاً جديداً بصريح كتابهم إذ لم يكن عليه سلفهم. وتركيب الاستدلال: إن حرمة السبت لم تكن من ملّة إبراهيم فأصحاب تلك الحرمة ليسوا على ملّة إبراهيم. ومعنى {جعل السبت} أنه جعل يوماً معظّماً لا عمل فيه، أي جعل الله السبت معظّماً، فحذف المفعول الثاني لفعل الجعل لأنه نزل منزلة اللازم إيجازاً ليشمل كل أحوال السبت المحكية في قوله تعالى: {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} [سورة النساء: 154] وقوله: {إذ يعدون في السبت} [سورة الأعراف: 163]. وضمن فعل {جعل} معنى فُرض فعدي بحرف {على}. وقد ادّخر الله تعالى لمحمد أن يكون هو الوارث لأصول إبراهيم، فجعل لليهود والنصارى ديناً مخالفاً لملّة إبراهيم، ونصَب على ذلك شعاراً وهو اليوم الذي يعرف به أصل ذلك الدين وتغيير ذلك اليوم عند بعثة المسيح عليه السلام إشارة إلى ذلك، لئلا يكون يوم السبت مسترسلاً في بني إسرائيل، تنبيهاً على أنهم عرضة لنسخ دينهم بدين عيسى عليه السلام وإعداداً لهم لتلّقي نسخ آخر بعد ذلك بدين آخر يكون شعاره يوماً آخر غير السبت وغير الأحد. فهذا هو التفسير الذي به يظهر انتساق الآي بعضها مع بعض...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
بين الله تعالى حال المشركين من كفرهم، وعنادهم وكفرهم بالنعمة يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، أشار سبحانه إلى الذين يماثلونهم في الكفر وإنكار النعمة، وهم يكفرون، وهم اليهود فهم والمشركون أشد الناس بغضا للذين آمنوا، وقد أشار سبحانه إليهم بيوم السبت؛ لأنهم الذين اختصوا بتحريمه وإفراده للعبادة وتحريم الصيد فيه، وفي ذكر المشركين إشارة إلى هذه المماثلة وإلى بيان ما يستقبله النبي صلى الله عليه وسلم وأن له أياما منهم كأيام المشركين معه فلتصطبر لهم كما صبر من قبلك من الرسل حتى اليوم...
هذا اختلافهم في يوم السبت بين صابر لابتلاء الله، ومتمرد عليه، ومتحايل كأنما يخدع الله، وهو معقول في ذاته ومتفق مع طبائع اليهود المادية الذين يأخذون الأحكام بظاهر من القول والعمل، ويكفرون بالحق في لبابه وصميمه...
وإن لله رب الأنبياء ورب محمد، ورب الوجود {ليحكم}، (اللام) في خبر إن، و {ليحكم}، أي يفصل وهو خير الفاصلين، وذكر {ربك} في هذا المقام لدلالة على عالم محيط، فحكمه هو الفيصل لعلمه وقدرته وإحاطته بكل شيء علما، وموضوع الحكم قال سبحانه وتعالى فيه: {فيما كانوا فيه يختلفون}، أي ما كانوا يختلفون فيه بشكل عام...