روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الاسراء

وتسمى الإسراء وسبحان أيضا وهي كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم مكية وكونها كذلك بتمامها قول الجمهور وقال صاحب الغنيان بإجماع وقيل إلا آيتين ( وإن كادوا ليفتنونك ) ( وإن كادوا ليستفزونك ) وقيل إلا أربعا هاتان وقوله تعالى : ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) وقوله سبحانه : ( وقل رب أدخلني مدخل صدق ) وزاد مقاتل قوله سبحانه : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله ) الآية وعن الحسن إلا خمس آيات ( ولا تقتلوا النفس ) الآية ( ولا تقربوا الزنا ) الآية ( أولئك الذين يدعون ) الآية ( أقم الصلاة ) الآية ( وآت ذا القربى حقه ) الآية وقال قتادة : إلا ثماني آيات وهي قوله تعالى : ( وإن كادوا ليفتنونك ) إلى آخرهن وقيل غير ذلك وهي مائة وعشر آيات عند الجمهور وإحدى عشرة عند الكوفيين وكان صلى الله تعالى عليه وسلم كما أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وغيرهم عن عائشة يقرؤها والزمر كل ليلة وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال في هذه السورة والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول وهن من تلادي وهذا وجه في ترتيبها ووجه اتصال هذه بالنحل كما قال الجلال السيوطي أنه سبحانه كما قال في ءاخرها ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) ذكر في هذه شريعة أهل السبت التي شرعها سبحانه لهم في التوراة فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إن التوراة كلها في خمس عشرة ءاية من سورة بني إسرائيل وذكر تعالى فيها عصيانهم وإفسادهم وتخريب مسجدهم واستفزازهم النبي صلى الله عليه وسلم وإرادتهم إخراجه من المدينة وسؤالهم إياه عن الروح ثم ختمها جل شأنه بآيات موسى عليه السلام التسع وخطابه مع فرعون وأخبر تعالى أن فرعون أراد أن يستفزهم من الآرض فأهلك وورث بنو إسرائيل من بعده وفي ذلك تعريض بهم أنهم سينالهم ما نال فرعون حيث أرادوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد هو بموسى عليه السلام وأصحابه ولما كانت هذه السورة مصدرة بقصة تخريب المسجد الأقصى افتتحت بذكر إسراء المصطفى صلى الله عليه وسلم تشريفا له بحلول ركابه الشريف جبرا لما وقع من تخريبه وقال أبو حيان في ذلك : إنه تعالى لما أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر ونهاه عن الحزن على الكفرة وضيق الصدر من مكرهم وكان من مكرهم نسبته صلى الله عليه وسلم إلى الكذب والسحر والشعر وغير ذلك مما رموه وحاشاه به عقب ذلك بذكر شرفه وفضله وعلو منزلته عنده عز شأنه وقيل : وجه ذلك اشتمالها على ذكر نعم منها خاصة ومنها عامة وقد ذكر في سورة النحل من النعم ما سميت لأجله سورة النعم واشتمالها على ذكر شأن القرآن العظيم كما اشتملت تلك وذكر سبحانه هناك في النحل ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) وذكر ههنا في القرآن ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) وذكر سبحانه في تلك أمره بإيتاء ذي القربى وأمر هنا بذلك مع زيادة في قوله سبحانه : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ) وذلك بعد أن أمر جل وعلا بالإحسان بالوالدين اللذين هما منشأ القرابة إلى غير ذلك مما لا يحصى فليتأمل والله تعالى الموفق

{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } سبحان هنا على ما ذهب إليه بعض المحققين مصدر سبح تسبيحاً بمعنى نزه تنزيهاً لا بمعنى قال سبحان الله ؛ نعم جاء التسبيح بمعنى القول المذكور كثيراً حتى ظن بعضهم أنه مخصوص بذلك وإلى هذا ذهب صاحب القاموس في شرح ديباجة الكشاف ، وجعل سبحانمصدر سبح مخففاً وليس بذاك ، وقد يستعمل علماً للتنزيه فيقطع عن الإضافة لأن الأعلام لا تضاف قياساً ويمنع من الصرف للعلمية والزيادة واستدل على ذلك بقول الأعشى :

قد قلت لما جاءني فخره . . . سبحان من علقمة الفاخر

وقال الرضى : لا دليل على علميته لأنه أكثر ما يستعمل مضافاً فلا يكون علماً وإذا قطع فقد جاء منوناً في الشعر كقوله :

سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به . . . وقبلنا سبح الجودى والجمد

وقد جاء باللام كقوله :

سبحانك اللهم ذو السبحان . . . ولا مانع من أن يقال في البيت الذي استدلوا به : حذف المضاف إليه وهو مراد للعلم به وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله أي التجرد عن التنوين كقوله :

خالط من سلمى خياشيم وفا . . . انتهى ، وظااهر كلام الزمخشري أنه علم للتسبيح دائماً وعو على جنس لأن علم الجنس كما يوضع للذوات يوضع للمعاني فلا تفصيل عنده ، وانتصر له صاحب الكشف فقال : إن ما ذهب إليه العلامة هو الوجه لأنه إذا ثبتت العلمية بدليلها فالإضافة لا تنافيها وليست من باب زيد المعارك لتكون شاذة بل من باب حاتم طى وعنترة عبس وذكر أنه يدل على التنزيه البليغ وذلك من حيث الاشتقاق من السبح وهو الذهاب والإبعاد من الآرض ثم ما يعطيه نقله إلى التفعيل ثم العدول عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما وهو علم يشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن وما فيه من قيامه مقام المصدر مع الفعل فإن انتصابه بفعل متروك الإضهار ولهذا لم يجز استعماله إلا فيه تعالى أسماؤه وعظم كبرياؤه ، وكأنه قيل : ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص فلا يكون اصطفاؤه لعبده الخصيص به إلا حكمة وصواباً انتهى .

وأورد على ما ذكره أولا أن منع إضافة العلم قياساً لم يفرق بين إضافة وإضافة فإن ادعى أن بعض الأعلام اشتهرت بمعنى كحاتم بالكرم فيجوز في نحوه الإضافة لقصد التخصيص ودفع العموم الطارىء فما نلأحن فيه ليس من هذا القبيل كما لا يخفى . وما ذكر من دلالته على التنزيه من جميع النقائص هو الذي يشهد له المأثور ، ففي العقد الفريد عن طلحة قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال : تنزيه لله تعالى عن كل سوء .

وقال الطيبي في قول الزمخشري : إنه دل على التنزيه البليغ عن جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله تعالى إن ذلك مما يأباه مقام الإسراء إباء العيوف الورود وهو مزيف بل معناه التعجب كما قال في النور الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى عند رؤية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه وليس بشيء ، ففي الكشف أن التنزيه لا ينافي التعجب كما توهم واعترض ، وجعله مداراً والتعجب تبعاً ههنا هو الوجه بخلاف آية النور ، وذكر بعضهم أن الظاهر من كلام الكشاف في مواضع أنه لا يرتضي الجمع بين التنزيه والتعجب للمنافاة بينهما بل لأن كلا منهما معنى مستقل فالجمع بينهما جمع بين معنى المشترك ، وعلى الجمع فالوجه ما ذكر أنه الوجه فافهم ، وقيل إن سبحان ليس علماً أصلاً بلا تفصيل ففيه ثلاثة مذاهب ، وذكر بعضهم أنه في الآية على معنى الأمر أي نزهو الله تعالى وبرئوه من جميع النقائص ويدخل فيها العجز عما بعد أو من العجز عن ذلك ، والمتبادر اعتبار المضارع ، والإسراء السير بالليل خاصة كالسرى فأسرى وسرى بمعنى( {[548]} ) وليست همزة أسرى للتعدية كما قال أبو عبيدة ، وقال ابن عطية : الهمزة للتعدية والمفعول محذوف أي أسري ملائكته بعبده ، قال في البحر : وإنما احتاج إلى هذه الدعوى لاعتقاد أنه إذا كان أسرى بمعنى سرى لزم من كون الباء للتعدية مشاركة الفاعل للمفعول وهذا شيء ذهب إليه المبرد فإذا قلت : قمت بزيد يلزم منه قيامك وقيام زيد عنده وإذا جعلت الباء كالهمزة لا يلزم ذلك كما لا يخفى ، وقال أيضاً : يحتمل أن يكون أسري بمعنى سرى على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والأصل أسلاي ملائكته وهو مبني على ذلك الاعتقاد أيضاً ، وقال الليث : يقال أسري لأول الليل وسرى لآخره وأما سار فالجمهور على أنه عام لا اختصاص له بليل أو نهار . وقيل إنه مختص بالنهار وليس مقلوباً من سرى ، وإيثار لفظة العبد للإيذان بتمحضه صلى الله عليه وسلم في عبادته سبحانه وبلوغه في ذلك غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية حسبما يلوح مبدأ الإسراء ومنتهاه ، والعبودية على ما نص عليه العارفون أشرف الأوصاف وأعلى المراتب وبها يفتخر المحبون كما قيل :

لا تدعني إلا بيا عبدها . . . فإنه أشرف أسمائي

وقال آخر :

بالله ان سألوك عني قل لهم . . . عبدي وملك يدي وما أعتقته

وعن أبي القاسم سليمان الأنصاري أنه قال : لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة أوحى الله تعالى إليه يا محمد بم ننشرفك ؟ قال : بنسبتي إليك بالعبودية فأنزل الله تعالى { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } وجاء قولوا عبد الله ورسوله ، وقيل إن في التعبير به هنا دون حبيبه مثلا سداً لباب الغلو فيه صلى الله عليه وسلم كما وقع للنصارى في نبيهم عليه السلام ، وذكروا أنه لم يعبر الله تعالى عن أحد بالعبد مضافاً إلى ضمير الغيبة المشار به إلى الهوية إلا النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك من الإشارة ما فيه ، ومن تأمل أدنى تأمل ما بين قوله تعالى : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } وقوله تعالى :

{ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } [ الأعراف : 143 ] ظهر له الفرق التام بين مقام الحبيب ومقام الكليم صلى الله عليه وسلم وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً في هذه السورة ما يفهم منه الفرق أيضاً فلا تغفل ، وإضافة { سبحانه } إلى الموصول المذكور للأشعار بعلية ما حيز الصلة للمضاف فإن ذلك من أدلة كمال قدرته وبالغ حكمته وغاية تنزهه تعالى عن صفات النقص ، وقوله تعالى : { لَيْلاً } ظرف لأسرى ، وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء وأنها بعض من أجزاء الليل ولذلك قرأ عبد الله . وحذيفة { مِّنَ اليل } أي بعضه كقوله تعالى : { وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ } [ الإسراء : 79 ] .

واعترض بأن البعضية المستفادة من من التبعيضية هي البعضية في الأجزاء والبعضية المستفادة من التنكير البعضية في الأفراد والجزئيات فكيف يستفاد من التنكير أن الإسراء كان في بعض من أجزاء الليل فالصواب أن تنكيره لدفع توهم أن الإسراء كان في ليال أو لإفادة تعظيمه كما هو المناسب للسياق والسياق أي ليلا أي ليل دنا فيه المحب إلى المحبوب وفاز مقام الشهود بالمطلوب . وأجاب عن ذلك بعض الكاملين بما لا يخفى نقصه . وقال بعض المحققين : إن ما ذكر قد نص عليه الشيخ عبد القاهر في دلائل الاعجاز ولا يرد عليه الاعتراض ابتداء .

وتحقيقه على ما صرح به الفاضل اليمني نقلاً عن سيبويه . وابن مالك أن الليل والنهار إذا عرفا كانا معياراً للتعميم وظرفاً محدوداً فلا تقول صحبته الليلة وأنت تريد ساعة منها إلا أن تقصد المبالغة كما تقول أتاني أهل الدنيا لناس منهم بخلاف المنكر فإنه لا يفيد ذلك فلما عدل عن تعريفه هنا علم أنه لم يقصد استغراق السرى له وهذا هو المراد من البعضية المذكورة ولا حاجة إلى جعل الليل مجازاً عن بعضه كما إنك إذا قلت جلست في السوق وجلوسك في بعض أماكنه لا يكون فيه السوق مجازاً كما لا يخفى ، وقد أشار إلى هذا المدقق في الكشف ، وقيل : المراد بتنكيره أنه وقع في وسطه ومعظمه كما يقال جاءني فلان بليل أي في معظم ظلمته فيفيد البعضية أيضاً ، وينافيه ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث ، وزعم أن ذكر { لَيْلاً } للتأكيد أو تجريد الإسراء وإرادة مطلق السير منه ناشىء من قلة البضاعة كما لا يخفى .

وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان حكمة كون الإسراء ليلاً { مّنَ المسجد الحرام } .

الظاهر أن المراد به المسجد المشهور بين الخاص والعام بعينه وكان صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الحجر منه ، فقد أخرج الشيخان . والترمذي . والنسائي من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا في الحجر وفي رواية في الحطيم بين النائم واليقظان إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه فاستخرج قلبي فغسله ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق فحملت عليه » الحديث ، وفي بعض الروايات أنه جاءه جبريل وميكائيل عليهما السلام وهو مضطجع في الحجر بين عمه حمزة وابن عمه جعفر فاحتملته الملائكة عليهم السلام وجاؤوا به إلى زمزم فألقوه على ظهره وشق جبريل صدره من ثغرة نحره إلى أسفل بطنه( {[549]} ) بغير آلة ولا سيلان دم ولا وجود ألم ثم قال لميكائيل : ائتني بطست من ماء زمزم فأتاه به فاستخرج قلبه الشريف وغسله ثلاث مرات ثم أعاده إلى مكانه وملأه إيماناً وحكمة وختم عليه ثم خرج به إلى باب المسجد فإذا بالبراق مسرجا ملجماً فركبه الخبر ، ويعلم منه الجمع بين ما ذكر من أنه عليه الصلاة والسلام كان إذ ذاك في الحجر وما قيل إنه كان بين زمزم والمقام ، وقيل : المراد به الحرم وأطلق عليه لإحاطته به فهو مجاز بعلاقة المجاورة الحسية والإحاطة أو لأن الحرم كله محل للسجود ومحرم ليس يحل فهو حقيقة لغوية والنكتة في هذا التعبير مطابقة المبدى المنتهى .

وكان صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في دار فاختة( {[550]} ) أم هانىء( {[551]} ) بنت أبي طالب ؛ فقد أخرج النسائي عن ابن عباس وأبو يعلى في مسنده ، والطبراني في الكبير من حديثها أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيتها بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة عليها ، وقال مثل لي النبيون فصليت بهم ثم خرج إلى المسجد وأخبر به قريشاً فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد أناس ممن آمن به عليه الصلاة والسلام وسعى رجال إلى أبي بكر فقال : إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا تصدقه على ذلك قال : إني أصدقه على أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة فسمى الصديق ، وكان في القوم من يعرف بين المقدس فاستنعتوه إياه فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا : أما النعت فقد أصاب فيه فقالوا : أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا هل لقيت منها شيئاً ؟ قال : نعم مررت بعير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته ووضعته كما كان فاسألوا هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا ؟ قالوا : هذه آية قال : ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان راكبان قعوداً فنفر بعيرهما مني فانكسر فاسألوهما عن ذلك قالوا : هذه آية أخرى ، ثم سألوه عن العدة والاحمال والهيئات فمثلت له العير فاخبرهم عن كل ذلك وقال : تقدم( {[552]} ) يوم كذا مع طلوع الشمس وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان قالوا .

وهذه آية أخرى فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه إذ قال قائل . هذه الشمس قد طلعت وقال آخر : هذه العير قد أقبلت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال فلم يؤمنوا وقالوا هذا سحر مبين قاتلهم الله أني يؤفكون وفي بعض الآثار أن أم هانىء قالت : فقدته صلى الله عليه وسلم وكان نائماً عندي فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش ويقال إنه تفرقت بنو عبد المطلب يلتمسونه ووصل العباس إلى ذي طوى وهو ينادي يا محمد يا محمد فأجابه صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن أخي أعييت قومك أين كنت ؟ قال : ذهبت إلى بيت المقدس قال : من ليلتك قال : نعم قال : هل أصابك الأخير ؟ قال ما أصابني الأخير وقيل : غير ذلك .

وكما اختلف في مبدأ الإسراء اختلف في سنته فذكر النووي في الروضة أنه كان بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ، وفي الفتاوي أنه كان سنة خمس أو ست من النبوة ، ونقل عنه الفاضل الملا أمين العمري في شرح ذات الشفاء الجزم بأنه كان في السنة الثانية عشرة من المبعث . وعن ابن حزم دعوى الإجماع على ذلك ، وضعف ما في الفتاوي بأن خديجة رضي الله تعالى عنها لم تصل الخمس وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين . وقيل كان قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر ، وقيل ثلاثة أشهر ، ووقع في حديث شريك بن أبي نمرة عن أنس أنه كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم وقد خطأه غير واحد في ذلك ، ونقل الحافظ عبد الحق في كتابه الجمع بين الصحيحين حديث شريك الواقع فيه ذلك بطوله ، ثم قال : هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك عن أنس قد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى بألفاظ غير معروفة .

وقد روى حديث الإسراء عن أنس جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب . وثابت البناني . وقتادة فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك ، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث .

وأجاب عن ذلك محيي السنة وغيره بما ستسمعه إن شاء الله تعالى ، وكذا اختلف في شهره وليلته فقال النووي في الفتاوي : كان في شهر ربيع الأول ، وقال في شرح مسلم تبعاً للقاضي عياض : إنه في شهر ربيع الآخر ، وجزم في الروضة بأنه في رجب ، وقيل : في شهر رمضان ، وقيل : في شوال ، وكان على ما قيل الليل السابعة والعشرين من الشهر وكانت ليلة السبت كما نقله ابن الملقن عن رواية الواقدي ، وقيل : كانت ليلة الجمعة لمكان فضلها وفضل الإسراء ، ورد بأن جبرائيل عليه السلام صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم أول يوم بعد الإسراء الظهر ولو كان يوم الجمعة لم يكن فرضها الظهر قاله محمد بن عمر السفري ، وفيه أن العمري ذكر في شرح ذات الشفاء أن الجمعة والجنازة وجبتا بعد الصلوات الخمس ، وفي شرح المنهاج للعلامة ابن حجر إن صلاة الجمعة فرضت بمكة ولم تقم بها لفقد العدد أو لأن شعارها الإظهار وكان صلى الله عليه وسلم بها مستخفياً ، وأول من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة .

ونقل الدميري عن ابن الأثير أنه قال : الصحيح عندي أنها كانت ليلة الاثنين واختاره ابن المنير ، وفي البحر قيل إن الإسراء كان في سبع عشرة من شهر ربيع الأول والرسول صلى الله عليه وسلم ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية ووعشرين يوماً ، وحكى أنها ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عن الجرمى ، وهي على ما نقل السفيري عن الجمهور أفضل الليالي حتى ليلة القدر مطلقاً ، وقيل هي أفضل بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى أمته عليه الصلاة والسلام ، ورد بأن ما كان أفضل بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم فهو أفضل بالنسبة إلى أمته عليه الصلاة والسلام فهي أفضل مطلقاً نعم لم يشرع التعبد فيها والتعبد في ليلة القدر مشروع إلى يوم القيامة والله تعالى أعلم واختلف أيضاً أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه في المنام .

وروى ذلك عن عائشة . ومعاوية رضي الله تعالى عنهما ، ولعله لم يصح عنها كما في البحر ، وكان رضي الله تعالى عنها إذ ذاك صغيرة ولم تكن زوجته عليه الصلاة والسلام ، وكان معاوية كافراً يومئذ ، واحتج لذلك بقوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } [ الإسراء : 60 ] لأن الرؤيا تختص بالنوم لغة ، ووقع في حديث شريك المتقدم ما يؤيده ، وذهب الجمهور إلى أنه في اليقظة ببدنه وروحه صلى الله عليه وسلم والرؤيا تكون بمعنى الرؤية في اليقظة كما في قول الراعي يصف صائداً :

وكبر للرؤيا وهش فؤاده . . . وبشر قلبا كان جماً بلاله

وقال الواحدي : إنها رؤية اليقظة ليلاً فقط وخبر شريك لا يعول عليه على ما نقل عن عبد الحق ، وقال النووي : وأما ما وقع في رواية عن شريك وهو نائم وفي أخرى عنه بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك أول وصول الملك إليه وليس في الحديث ما يدل على كونه صلى الله عليه وسلم نائماً في القصة كلها .

واحتج الجمهور لذلك بأنه لو كان مناماً ما تعجب منه قريش ولا استحالوه لأن النائم قد يرى نفسه في السماء ويذهب من المشرق إلى المغرب ولا يستبعده أحد ، وأيضاً العبد ظاهر في الروح والبدن ، وذهبت طائفة منهم القاضي أبو بكر . والبغوي إلى تصديق القائلين بأنه في المنام والقائلين بأنه في اليقظة وتصحيح الحديثين في ذلك بأنّ الإسراءكان مرتين إحداهما في نومه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة فاسري بروحه توطئة وتيسيراً لما يضعف عنه قوى البشر وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } [ الإسراء : 60 ] ثم أسري بروحه وبدنه بعد النبوة ؛ قال في الكشف : وهذا هو الحق وبه يحصل الجمع بين الأخبار .

وحكى المازري في شرح مسلم قولاً رابعاً جمع به بين القولين فقال : كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم في اليقظة إلى بيت المقدس فكانت رؤية عين ثم أسري بروحه الشريفة عليه الصلاة والسلام منه إلى ما فوقه فكانت رؤيا قلب ولذا شنع الكفار عليه عليه الصلاة والسلام قوله : أتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا عليه قوله فيما سوى ذلك ولم يتعجبوا منه لأن الرؤيا ليست محل التعجب ، وليس معنى الإسراء بالروح الذهاب يقظة كالإنسلاخ الذي ذهب إليه الصوفية والحكماء فإنه وإن كان خارقاً للعادة ومحلاً للتجب أيضاً إلا أنه أمر لا تعرفه العرب ولم يذهب إليه أحد من السلف ، والأكثر على أن المعراج كالإسراء بالروح والبدن ولا استحالة في ذلك فقد ثبت بالهندسة أن مساحة قطر جرم الآرض ألفان وخمسمائة وخمسة وأربعون فرسخاً ونصف فرسخ وأن مساحة قطر كرة الشمس خمسة أمثال ونصف مثل لقطر جرم الآرض وذلك أربعة عشر ألف فرسخ وأن طرف قطرها المتأخر يصل موضع طرفه المتقدم في ثلثي دقيقة فتقطع الشمس بحركة الفلك الأعظم أربعة عشر ألف فرسخ في ثلثي دقيقة من ساعة مستوية .

وذكر الإمام في الأربعين أن الأجسام متساوية في الذوات والحقائق فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على غيره من الأعراض لأن قابلية ذلك العرض إن كان من لوازم تلك الماهية فأينما حصلت حصل لزم حصول تلك القابلية فوجب أن يصح على كل منها ما يصح على الآخر ، وإن لم يكن من لوازمها كان من عوارضعا فيعود الكلام فإن سلم وإلا دار أو تسلسل وذلك محال فلا بد من القول بالصحة المذكورة والله تعالى قادر على جميع الممكنات فيقدر على أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمله ، وقال العلامة البيضاوي : الاستخالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الآرض مائة ونيفاً وستين مرة ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية إلى آخر ما قال ، وما ذكرناه هو الصواب في التعبير فإن المقدمتين اللتين ذكرهما ممنوعتان ، أما الأولى بأن النسبة التي ذكرها إنما هي نسبة جرم الشمس إلى جرم الآرض كما برهنوا عليه في باب مقادير الاجرام والابعاد من كتب الهيئة لكنهم قالوا جرم الشمس مثل جرم الآرض مائة وستة وستين مرة وربع مرة وثمن مرة .

والعلامة جعل ذلك نسبة القطر إلى القطر لأنه المتبادر مما بين الطرفين ، وإرادة الجرم منه خلاف الظاهر جداً ، وكان يكفيه لو أراد ذلك أن يقول : قرص الشمس ضعف كرة الآرض فاي معنى لما زاده ، وأما الثانية فإن أراد بالثانية الثانية من دقيقة الدرجة الفلكية التي هي ستون دقيقة فمنعها بما حرره العلامة القطب الشيرازي في نهاية الإدراك حيث قال : مقدار الدرجة الواحدة من مقعر الفلك الأطلس بالأميال 3953439 ميلا فالفلك الأعلى يقطع فيما مقداره من الزمان جزء واحد من خمسة عشر جزءاً من ساعة مستوية وهو ثلث خمسها هذا المقدار من الأميال فإذا تحرك مقدار دقيقة وهي جزء من تسعمائة جزء من ساعة مستوية كان قدر قطعة من المسافة 817551 ميلا وسدس ميل وخمس ربع أو ربع خمس ميل ، ولأن حين ما يبدو قرن الشمس إلى أن تطلع بالتمام يكون بقدر ما يعد واحد من واحد إلى ثلثمائة فبمقدار ما يعد ثلاثين يتحرك الفلك 817551 ميلا وهو ألف وسبعمائة واثنان وثلاثون فرسخاً من مقعره والله تعالى أعلم بما يتحرك محدبه حينئذ فسبحان الله تعالى ما أعظم شأنه اه .

وحاصل ذلك أن الفلك الأعظم يتحرك من ابتداء طلوع جرم الشمس إلى أن يطلع بتمامه سدس درجة وهو عشر دقائق من ستين دقيقة من درجة فلكية ومقدار مساحة هذه الدقائق 006915 أي خمسمائة ألف وتسعة عشر ألفا وستمائة فرسخ وإذا جعلنا هذه الدقائق ثواني كانت ستمائة ثانية فاين الأقل من ثانية .

وإن أراد بالثانية الثانية من دقيقة الساعة التي هي ربع الدرجة الفلكية فسدس الدرجة ههنا يكون ثلثي دقيقة وإذا جعلنا ثلثي الدقيقة ثواني كانا أربعين ثانية وهذه الثواني هي الثواني الستمائة بعينها إلا أن المنجمين لما جعلوا الساعة ستين دقيقة تسهيلاً للحساب والساعة عبارة عن خمسة عشر درجة فلكية اقتضى أن تكون الدرجة الفلكية وكل ثانية من ثواني دقيقة الساعة بخمسة عشر ثانية من ثواني دقيقة الدرجة الفلكية فالخلاف بين ثواني دقائق الدرجة الفلكية وثواني دقيقة الساعة اعتبار لفظي وأجاب عبد الرحمن الكردي الشهير بالفاضل بأن الثانية جزء من ستين جزأً من دقيقة والدقيقة قد تطلق على جزء من ستين جزأً من درجة وقد تطلق على جزء من ستين جزءاً من ساعة وقد تطلق على جزء من ستين جزأً من يوم بليلته ، ومراد العلامة البيضاوي من الثانية الثانية الثالثة لا الثانية الأولى وهو ظاهر ولا الثانية الثانية كما ذهب إليه سعدي جلبي وتبعه ابن صدر الدين ، وفيه أنه يفهم منه أن الفلكيين قد يقسمون اليوم بليلته إلى ستين دقيقة كما يقسمونها إلى الساعات والدرجات والدقائق قسمة يتميز بها أجزاء الزمان ولم يقل بذلك أحد منهم وإنما ذكر ذلك بعضهم تسهيلاً لمعرفة الكسر الزائد على الأيام التامة من السنة لتعرف منه السنة الكبيسة في ثلاث سنين أو أربع سنين وهو بمعزل عما نحن فيه من قطع المسافة البعيدة بالزمان القليل ولو سلمنا ما زعمه كان ناقصاً من مدة حركة الفلك الأعظم من ابتداء طلوع قرص الشمس إلى انتهائه وهو ثلثا دقيقة هما أربعون ثانية وذلك جزء من تسعين جزأً من ساعة مستوية كما حرره العلامة الشيرازي ، وما ذكره من أن الثانية من دقيقة اليوم بليلته عبارة عن أربعة وعشرين ثانية من ثواني دقيقة الساعة ، وهي أقل من ثلثي دقيقة بستة عشر ثانية خطأ على خطأ تلك إذن قسمة ضيزى ، نعم قد أصاب في الرد على الفاضلين وقد أخطأ الفاضل الأول في غير ذلك في هذا المقام كما لا يخفى على من وقف على كلامه وكان له أدنى اطلاع ، على كتب القوم ، ولتداول هذا المبحث بين الطلبة وعدم وجدانهم من يبل غليلهم تعرضنا له بما نرجو أن يبل به الغليل ، هذا والعلماء درجات والله تعالى الموفق لفهم الدقائق فتأمل مرة وثانية وثالثة فلعل الله سبحانه أن يفتح عليك غير ذلك ، وما ذكر من تساوي الأجسام مبني على ما قيل على تركبها من الجواهر الفردة وفيه خلاف النظام والفلاسفة ، والبحث في ذلك طويل ، ولا يستدل على الاستحالة بلزوم الخرق والالتئام ، وقد برهنوا على استحالة ذلك لأنا نقول : إن برهانهم على ذلك أوهن من بيت العنكبوت كما بين في محله ، ولم تتعرض الآية لأنه صلى الله عليه وسلم كان في الإسراء به محمولاً على شيء لكن صحت الأخبار بأنه عليه الصلاة والسلام أسري به على البراق { إلى المسجد الاقصى } وهو بيت المقدس ، ووصفه بالأقصى أي الأبعد بالنسبة إلى من بالحجاز ، وقال غير واحد : إنه سمي به لأنه أبعد المساجد التي تزار من المسجد الحرام وبينهما نحو من أربعين ليلة ، وقيل : لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها ، وقال ابن عطية : يحتمل أن يراد بالأقصى البعيد دون مفاضلة بينه وبين ما سواه وهو بعيد في نفسه للزائرين ، وقيل المراد بعده عن الأقذار والخبائث .

واختلف في ركوب جبريل عليه السلام معه فقيل : ركب خلفه عليه الصلاة والسلام ، والصحيح أنه لم يركب بل أخذ بركابه وميكائيل يقود البراق . واختلف أيضاً في استمراره عليه عليه الصلاة والسلام في عروجه إلى السماء فقيل : عرج عليه ، والصحيح أنه نصب له معراج فعرج عليه ، وجاء في وصفه وعظمه ما جاء ، ووهم الحافظ ابن كثير كما قال الحلبي القائلين ومنهم صاحب الهمزية إن عروجه صلى الله عليه وسلم على البراق . ومن الأكاذيب المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد العروج صعد على صخرة بيت المقدس وركب البراق فمالت الصخرة وارتفعت لتلحقه فأمسكتها الملائكة ففي طرف منها أثر قدمه الشريف وفي الطرف الآخر أثر أصابع الملائكة عليهم السلام فهي واقفة في الهواء قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الآرض سبحانه وتعالى ، وذكر العلائي في تفسيره أنه كان للنبي عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء خمسة مراكب ، الأول : البراق إلى بيت المقدس ، الثاني : المعراج منه إلى السماء الدنيا ، الثالث : أجنحة الملائكة منها إلى السماء السابعة ، الرابع : جناح جبريل عليه السلام منها إلى سدرة المنتهى ، الخامس : الرفرف منها إلى قاب قوسين ، ولعل الحكمة في الركوب إظهار الكرامة وإلا فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يوصله إلى أي موضع أراد في أقل من طرفة عين ، وقيل لم يكن إلا البراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والمعراج منه إلى حيث شاء الله تعالى وقد كان له عشر مراقي سبعة إلى السموات والثامن إلى السدرة والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام والعاشر إلى العرش والله تعالى أعلم .

ومن العجائب ما سمعته عن الطائفة الكشفية والعهدة على الراوي أن للروح جسدين جسد من عالم الغيب لطيف لا دخل للعناصر فيه وجسد من عالم الشهادة كثيف مركب من العناصر والنبي صلى الله عليه وسلم حين عرج به ألقى كل عنصر من عناصر الجسد العنصري في كرته فما وصل إلى فلك القمر حتى ألقى جميع العناصر ولم يبق معه إلا الجسد اللطيف فرقى به حيث شاء الله تعالى ، ثم لما رجع عليه الصلاة والسلام رجع إليه ما ألقاه واجتمع فيه ما تفرق منه ، ولعمري إنه حديث خرافة لا مستند له شرعاً ولا عقلاً .

وذكر مولانا عبد الرحمن الدشتي ثم الجامي أن المعراج إلى العرش بالروح والجسد وإلى ما وراء ذلك بالروح فقط وأنشد بالفارسية :

جو رفرف شد مشرف ازوجودش . . . كرفت ازدست رفرف عرش زودش

بدست عرش تن جون خرقه بكذاشت . . . علم برلا مكان بي خرقه افراشت

كلى برد ندا زين دهليزه يست . . . بدان دركاه وإلا دست بردست

جهت رامهره ازششدر رهانيد . . . مكانرا مركب ازتنكى جهانيد

مكاني يافت خالي ازمكان نيز . . . كه تن محرم نبودا نجا وجان نيز

ولم أقف على مستند له من الآثار وكأنه لاحظ أن العروج فوق العرش بالجسد يستدعي مكاناً ، وقد تقرر عند الحكماء أن ما وراء العرش لا خلا ولا ملا وبه تنتهي الأمكنة وتنقطع الجهات ، وقال بعضهم : أمر المعراج أجل من أن يكيف وماذا عسى يقال سوى أن المحب القادر الذي لا يعجزه شيء دعا حبيبه الذي خلقه من نوره إلى زيارته وأرسل إليه من أرسل من خواص ملائكته فكان جبريل هو الآخذ بركابه وميكائيل الآخذ بزمام دابته إلى أن وصل إلى ما وصل ثم تولى أمره سبحانه بما شاء حتى حصل فأي مسافة تطول على ذلك الحبيب الرباني وأي جسم يمتنع عن الخرق لذلك الجسد النوراني :

جز بحزوى فثم عالم لطف . . . من بقايا أجساده الأرواح

ومن تأمل في العين وإحساسها بالقريب والبعيد ولو كان فاقدها وذكر له حالها لأنكر ذلك إنكاراً ما عليه مزيد ، وكذا في غير ذلك من آثار قدرة الله تعالى الظاهرة في الأنفس والآفاق والواقع على جلالة قدرها الاتفاق لم يسعه إلا تسليم ما نطقت به الآيات وصحت به الروايات ، ويشبه كلام هذا البعض ما قاله بعض شعراء الفرس إلا أن فيه ميلاً إلى مذهب أهل الوحدة وهو قوله :

قصه بيرنك معراج ازمن بيدل مبرس . . . قطره دريا كشت وبيغمر نميدا نم جه شد

والظاهر أن المسافة التي قطعها عليه الصلاة والسلام في مسيره كانت باقية على امتدادها ، ويؤيد ذلك ما ذكره الثعلبي في تفسيره في وصف البراق أنه إذا أتى وادياً طالت يداه وقصرت رجلاه وإذا أتى عقبة طالت رجلاه وقصرت يداه ؛ وكانت المسافة في غاية الطول ، ففي حقائق الحقائق كانت المسافة من مكة إلى المقام الذي أوحى الله تعالى فيه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام ما أوحى قدر ثلثمائة ألف سنة ، وقيل : خمسين ألفاً ، وقيل غير ذلك ، وأنه ليس هناك طي مسافة على نحو ما يثبته الصوفية وبعض الفقهاء للأولياء كرامة ، وجهل بعض الحنفية مثبتيه لهم وكفرهم آخرون وليس له وجه ظاهر ، وربما يلزم مثبتيه القول بتداخل الجواهر والفلاسفة والمتكلمون سوى النظام يحيلونه ويبرهنون على استحالته ، وادعى بعضهم الضرورة في ذلك وقالوا : المنع مكابرة ، وقد أثبت الصوفية للأولياء نشر الزمان ولهم في ذلك حكايات عجيبة والله تعالى أعلم بصحتها ، ولم أر من تعرض لذلك من المتشرعين وهو أمر وراء عقولنا المشوبة بالأوهام ، ومثله في ذلك قول من قال : الأزل والأبد نقطة واحدة الفرق بينهما بالاعتبار ، وليس لفهم ذلك عندي إلا المتجردون من جلابيب أبدانهم وقليل ما هم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة حكاية إنكار طي المسافة أيضاً وذكر ما فيه والله تعالى الموفق .

وإنما أسرى به صلى الله عليه وسلم ليلاً لمزيد الاحتفال به عليه الصلاة والسلام فإن الليل وقت الحلوة والاختصاص ومجالسة الملوك ولا يكاد يدعو الملك لحضرته ليلاً إلا من هو خاص عنده وقد أكرم الله تعالى فيه قوماً من أنبيائه عليهم السلام بأنواع الكرامات وهو كالأصل للنهار ، وأيضاً الاهتداء فيه للمقصد أبلغ من الاهتداء في النهار ، وأيضاً قالوا : إن المسافر يقطع في الليل ما لا يقطع في النهار ومن هنا جاء عليكم بالدلجة فإن الآرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار ، وأيضاً أسري به ليلاً ليكون ما يعرج إليه من عالم النور المحض أبعد عن الشبه بما يعرج منه من عالم الظلمة وذلك أبلغ في الإعجاب .

وقال ابن الجوزي في ذلك : إن النبي صلى الله عليه وسلم سراج والسراج لا يوقد إلا ليلاً وبدر وكذا مسير البدر في الظلم إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا الله تعالى ، ثم إن الآية ليست نصاً في دخوله عليه الصلاة والسلام المسجد الأقصى إلا أن الأخبار الصحيحة نص في ذلك ، وقوله سبحانه : { الذى *بركنا حَوْلَهُ } صفة مدح وفيها إزالة اشتراك عارض ، وبركته بما خص به من كونه متعبد الأنبياء عليهم السلام وقبلة لهم وكثرة الأنهار والأشجار حوله ، وفي الحديث أنه تعالى بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس ، وقيل : بركته أن جعل سبحانه مياه الآرض كلها تنفجر من تحت صخرته والله تعالى أعلم بصحة ذلك ، وهو أحد المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال ، والأربع التي يمنع من دخولها الدجال فقد أخرج أحمد في المسند أن الدجال يطوف الآرض إلا أربعة مساجد ؛ مسجد المدينة . ومسجد مكة . والأقصى . والطور . والصلاة فيه مضاعفة فقد أخرج أحمد أيضاً . وأبو داود . وابن ماجه عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت : يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس قال : أرض المحشر والمنشر ائتوه وصلوا فيه فإن صلاة فيه بألف صلاة .

وفي رواية لأحمد عن بعض نسائه عليه الصلاة والسلام أنها قالت : يا رسول الله فإن لم تستطع إحدانا أن تأتيه قال : إذا لم تستطع إحداكن أن تأتيه فلتبعث إليه زيتاً يسرج فيه فإن من بعث إليه بزيت يسرج فيه كان كمن صلى فيه ، وروى بعضه أبو داود ، وهو ثاني مسجد وضع في الآرض لخبر أبي ذر قلت : يا رسول الله أي مسجد وضع في الآرض أولاً ؟ قال : المسجد الحرام قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى قلت : كم بينهما قال : أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه ، وقد أسسه يعقوب عليه السلام بعد بناء إبراهيم عليه السلام الكعبة بما ذكر في الحديث وجدده سليمان أو أتم تجديد أبيه عليهما السلام بعد ذلك بكثير ، والكلام فيما يتعلق بذلك مفصل في محله { لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } أي لنرفعه إلى السماء حتى يرى ما يرى من العجائب العظيمة ، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم عرج به من صخرة بيت المقدس كما تقدم واجتمع في كل سماء مع نبي من الأنبياء عليهم السلام كما في «صحيح البخاري » .

وغيره ، واطلع عليه الصلاة والسلام على أحوال الجنة والنار ورأى من الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى .

ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه الصلاة والسلام رأى ليلة المعراج في مملكة الله تعالى خلقاً كهيئة الرجال على خيل بلق شاكين السلاح طول الواحد منهم ألف عام والفرس كذلك يتبع بعضهم بعضاً لا يرى أولهم ولا آخرهم فقال يا جبريل من هؤلاء ؟ فقال : ألم تسمع قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [ المدثر : 31 ] فأنا أهبط وأصعد أراهم هكذا يمرون لا أدري من أين يجيئون ولا إلى أين يذهبون ، وقد صلى صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم السلام في بيت المقدس ، وقال في «العقائق » وكانت صلاته عليه الصلاة والسلام بهم ركعتين قرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص ؛ وقال بعضهم : كانت دعاء ، وذكر أن الأنبياء كانوا سبعة صفوف ثلاثة منهم مرسلون وأن الملائكة عليهم السلام صلت معهم وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام كما قال القاضي زكريا في «شرح الروض » ، والحكمة في ذلك أن يظهر أنه أمام الكل عليه الصلاة والسلام ، وهل صلى بأرواحهم خاصة أو بها مع الأجساد فيه خلاف ، وكذا اختلف في أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم قبل العروج أو بعده فصحح الحافظ ابن كثير أنه بعده وصحح القاضي عياض وغيره أنه قبله ، وجاء في رواية أنه عليه الصلاة والسلام صلى في كل سماء ركعتين يؤم أملاكها ، وكان الإسراء والعروج في بعض ليلة واحدة ، وكان رجوعه صلى الله عليه وسلم على ما كان ذهابه عليه ولم يعين مقدار ذلك البعض ، وكيفما كان فوقوع ما وقع فيه من أعجب الآيات وأغرب الكائنات ، وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع وجد فراشه لم يبرد من أثر النوم ، وقيل : إن غصن شجرة أصابه بعمامته في ذهابه فلما رجع وجده بعد يتحرك ، وزعم بعضهم أن ليلة الإسراء غير ليلة المعراج وظاهر الآية على ما سمعت يقتضي أنهما في ليلة واحدة ؛ وإنما أسري به صلى الله عليه وسلم أولاً إلى بيت المقدس وعرج به ثانياً منه ليكون وصوله إلى الأماكن الشريفة على التدريج فإن شرف بيت المقدس دون شرف الحضرة التي عرج إليها على ما قيل ، وقيل : توطيناً له عليه الصلاة والسلام لما في المعراج من الغرابة العظيمة التي ليست في الإسراء وإن كان غريباً أيضاً ، وقيل : لتتشرف به أرض المحشر ذهاباً وإياباً ، وقيل : لأن باب السماء الذي يقال مصعد الملائكة عليهم السلام على مقابلة صخرة بيت المقدس فقد نقل عن كعب الأحبار أنه قال : إن لله تعالى باباً مفتوحاً من سماء الدنيا إلى بيت المقدس ينزل منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن أتى بيت المقدس وصلى فيه فأسريه به صلى الله عليه وسلم إلى هناك أولاً ثم عرج به ليكون صعوده على الاستواء ، وقيل : إن اسطوانات المسجد قالت ربنا حصل لنا من كل نبي حظ وقد اشتقنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأرزقنا لقاءه فبدىء بالإسراء به إلى المسجد تعجيلاً للإجابة ، وقيل : غير ذلك .

وعبر بمن الدالة على التبعيض لأن إراءة جميع آيات الله تعالى لعدم تناهيها مما لا تكاد تقع ولو قيل آياتنا لتبادر الكل ، وربما يستعان بالمقام على إرادته واستشكل بأنه كيف يرى نبينا صلى الله عليه وسلم بعض الآيات ويرى إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات والآرض كما نطق به قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ * السموات والآرض } [ الأنعام : 75 ] وفرق بين الحبيب والخليل ، وأجيب بأن بعض الآيات المضافة إليه تعالى أشرف وأعظم من ملكوت السموات والآرض كما قال تعالى : { لَقَدْ رأى مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى } [ النجم : 18 ] ، وقال الخفاجي : السؤال غير وارد لأن ما رآه إبراهيم عليه السلام ما فيها من الدلائل والحجج وليس ذلك مقاوماً للمعراج فتأمل .

وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون معنى الآية لنرى محمداً صلى الله عليه وسلم للناس آية من آياتنا أي ليكون عليه الصلاة والسلام آية في أنه يصنع الله تعالى ببشر هذا الصنع ، ويندفع بهذا السؤال المذكور إلا أنه احتمال في غاية البعد ، ثم لا يخفى أنه ليس في الآية إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء إذ لا يصدق عليه تعالى أنه من آياته بل لا يصدق سبحانه أنه آية ، نعم مثبتو الرؤية يحتجون بغير ذلك ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ، وكذا ليست الآية نصاً في المعراج بل هي نص في الإسراء دونه إذ يجوز حمل بعض الآيات على ما حصل له صلى الله عليه وسلم في الإسراء فقط بل قال بعضهم : ليس في الآيات مطلقاً ما هو نص في ذلك ، من هنا قالوا : الإسراء إلى بيت المقدس قطعي ثبت بالكتاب فمن أنكره فهو كافر والمعراج ليس كذلك فمن أنكره فليس بكافر بل مبتدع ؛ وكأنه سبحانه إنما لم يصرح به كما صرح بالإسراء رحمة بالقاصرين على ما قيل ، وفي التفسير الخازني أن فائدة ذكر المسجد الأقصى فقط دون السماء أنه لو ذكر صعوده عليه الصلاة والسلام لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسري به إلى بيت المقدس وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بمعراجه إلى السماء فكان الإسراء كالتوطئة للمعراج اه ، وهذا ظاهر في الخبر الوارد في هذا الباب لا في الآية لأنه لم يخبر فيها بالمعراج كما أخبر فيها بالإسراء دلالة ، وقيل : إن الإشارة بعد ذلك التصريح كافية فتدبر ، وصرف الكلام من الغيبة التي في قوله سبحانه : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } إلى صيغة المتكلم المعظم في { بَارَكْنَا حوله لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } لتعظيم البركات والآيات لأنها كما تدل على تعظيم مدلول الضمير تدل على عظم ما أضيف إليه وصدر عنه كما قيل إنما يفعل العظيم العظيم ، وقد ذكروا لهذا التلوين نكتة خاصة وهي أن قوله تعالى : { الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } يدل على مسيره عليه الصلاة والسلام من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فهو بالغيبة أنسب وقوله تعالى : { بَارَكْنَا حَوْلَهُ } دل على إنزال البركات فيناسب تعظيم المنزل والتعبير بضمير العظمة متكفل بذلك ، وقوله سبحانه : { لِنُرِيَهُ } على معنى بعد الاتصال وعز الحضور فيناسب التكلم معه ، وأما الغيبة فلكونه صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ليس من عالم الشهادة ولذا قيل إن فيه إعادة إلى مقام السر والغيبوبة من هذا العالم والغيبة بذلك اليق وقوله تعالى : { مِنْ ءاياتنا } عود إلى التعظيم كما سبقت الإشارة إليه ، وأما الغيبة في قوله عز وجل : { إِنَّهُ هُوَ السميع البصير } على تقدير كون الضمير له تعالى كما هو الأظهر وعليه الأكثر فليطابق قوله تعالى : { بِعَبْدِهِ } ويرشح ذلك الاختصاص بما يوقع هذا الالتفات أحسن مواقعه وينطبق عليه التعليل أتم انطباق إذ المعنى قربه وخصه بهذه الكرامة لأنه سبحانه مطلع على أحواله عالم باستحقاقه لهذا المقام ، قال الطيبي : أنه هو السميع لأقوال ذلك العبد البصير بأفعاله بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفا مستأهلة للقرب والزلفى ، وأما على تقدير كون الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم كما نقله أبو البقاء عن بعضهم وقال : أي السميع لكلامنا البصير لذاتنا ، وقال الجلبي : إنه لا يبعد ، والمعنى عليه إن عبدي الذي شرفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه السميع لأوامري ونواهي العامل بهما البصير الذي ينظر بنظرة العبرة في مخلوقاتي فيعتبر أو البصير بالآيات التي أريناه إياها كقوله تعالى :

{ مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى } [ النجم : 17 ] فقيل لمطابقة الضمائر العائدة عليه وكذا لما عبر به عنه من قوله سبحانه : { عَبْدِهِ } ، وقيل : للإشارة إلى اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالمنح والزلفى وغيبوبة شهوده في عين بي يسمع وبي يبصر ، ولا يمتنع إطلاق السميع والبصير على غيره تعالى كما توهم لا مطلقاً ولا هنا ، قال الطيبي : ولعل السر في مجىء الضمير محتملاً للأمرين الإشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به سبحانه كما في الحديث المشار إليه آنفاً فافهم تسمع وتبصر ، وتوسيط ضمير الفصل إما لأن سماعه تعالى بلا إذن وبصره بلا عين على نحو لا يشاركه فيه تعالى أحد وإما للإشعار باختصاصه صلى الله عليه وسلم بتلك الكرامة .

وزعم ابن عطية أن قوله تعالى : { إِنَّهُ هُوَ السميع البصير } وعيد للكفار على تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الإسراء أي إنه هو السميع لما تقولون أيها المكذبون البصير بما تفعلون فيعاقبكم على ذلك .

وقرأ الحسن { لِيُرِيَهُ } بياء الغيبة ففي الآية حينئذٍ أربع التفاتات .

( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } [ الإسراء : 1 ] . فيه أربع إشارات . إشارة التقديس سبحان فهو تنزيه له تعالى عن اللواحق المادية والنقائص التشبيهية وعن جميع ما يرتسم في الأذهان . وإشارة الغيرة بعدم ذكر الاسم الظاهر من أسمائه الحسنى عزت أسمائه وكذا بعدم ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم . وإشارة الغيب بذكر ضمير الغائب . وإشارة السر بذكر الليل فإنه محل السر والنجوى ، وعن بعض الأكابر لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ، وذكر غير واحد أن في اختيار عنوان العبودية إشارة إلى أنها أعلى المقامات وقد أشير إلى ذلك فيما سلف ، وأصلها الذل والخضوع وحيث أن الذل لشيء لا يكون إلا بعد معرفته دلت العبودية لله تعالى على معرفته سبحانه وكمالها على كمالها ، ومن هنا فسر ابن عباس قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] بقوله : إلا ليعرفون وهي تسعة وتسعون سهماً بعدد الأسماء الإلهية التي من أحصاها دخل الجنة لكل اسم إلهي عبودية مختصة به يتعبد له من يتعبد من المخلوقين ولم يتحقق بهذا المقام على كمال مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عبداً محضاً زاهداً في جميع الأحوال التي تخرجه عن مرتبة العبودية وشهد الله تعالى له بأنه عبد مضاف إليه من حيث هويته هنا واسمه الجامع في قوله سبحانه : { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله } [ الجن : 19 ] ولما أمر صلى الله عليه وسلم بتعريف مقامه يوم القيامة قيد ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " بالراء أو الزاي على اختلاف الروايتين وهي لما علمت من معناها لا يمكن أن تكون نعتاً إلهياً أصلاً بل هي صفة خاصة لا اشتراك فيها فقد قال أبو يزيد البسطاني : ما وجدت شيئاً يتقرب به إليه تعالى إذ رأيت كل نعت يتقرب به للألوهية فيه مدخل فقلت : يا رب بماذا أتقرب إليه ؟ قال : تقرب إلى بما ليس لي قلت : يا رب وما الذي ليس لك ؟ قال : الذلة والافتقار .

وذكر أن العبد مع الحق في حال عبوديته كالظل مع الشخص في مقابلة السراج كلما قرب إلى السراج عظم الظل ولا قرب من الله تعالى إلا بما هو لك وصف أخص لإله سبحانه وكلما بعد عن السراج صغر الظل فإنه ما يبعدك عن الحق إلا خروجك عن صفتك التي تستحقها وطمعك في صفته تعالى ، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وهما صفتان لله تعالى و { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] وهما كذلك وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله : ( أَعُوذُ بِكَ مِنكَ ) وأول بعضهم الليل بظلمة الغواشي البدنية والتعلقات الطبيعية وقال : إن الترقي والعروج لا يكون إلا بواسطة البدن وقد صرحوا بأنه صلى الله عليه وسلم أسرى به وكذا عرج يقظة لم يفارق بدنه إلا أن العارف الجامي قال : إن ذلك إلى المحدد ثم ألقى البدن هناك وقد تقدم ذلك ، وفي أسرار القرآن أن عليه الصلاة والسلام أسرى به من رؤية أفعاله إلى رؤية صفاته ومن رؤية صفاته إلى رؤية ذاته فرأى الحق بالحق وكانت صورته روحه وروحه عقله وعقله قلبه وقلبه سره وكأنه أراد أنه صلى الله عليه وسلم حصل له هذا الإسراء وإلا فإرادة أن الإسراء الذي في الآية هو هذا مما لا ينبغي .

ولا يخفى أن الإسراء غير المعراج نعم قد يطلقون الإسراء على المعراج بل قيل إنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا ، وقد ذكروا أن الجميع الوارثين معراجاً إلا أنه معراج أرواح لا أشباح وإسراء أسرار لا أسوار ورؤية جنات لا عيان وسلوك ذوق وتحقيق لا سلوك مسافة وطريق إلى سموات معنى لا مغنى ، وهذا المعراج متفاوت حسب تفاوت مراتب الرجال ، وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في معراجه ما يحير الألباب ويقضي منه العجب العجاب ولم يستبعد ذلك منه بناء على أنه ختم الولاية المحمدية عندهم ، ومن عجائب ما اتفق في زماننا أن رجلاً يدعى بعبد السلام نائب القاضي في بغداد وكان جسوراً على الحكم بالباطل شرع في ترجمة معراج الشيخ قدس سره بالتركية مع شرح بعض مغلقاته ولم يكن من خبايا هاتيك الزوايا فقبل أن يتم مرامه ابتلى والعياذ بالله تعالى بآكلة في فمه فأكلته إلى أذنيه فمات وعرج بروحه إلى حيث شاء الله تعالى نسأل الله سبحانه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة ، ونقل عن الشيخ قدس سره أن الإسراء وقع له صلى الله عليه وسلم ثلاثين مرة ، وفي كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن أسراً آته عليه الصلاة والسلام كان أربعاً وثلاثين واحد منها بجسمه والباقي بروحه ، وقد صرحوا أن الأول من خصائصه صلى الله عليه وسلم . وفي الخصائص الصغرى وخص عليه الصلاة والسلام بالإسراء وما تضمنه من خرق السموات السبع والعلو إلى قاب قوسين ووطئه مكاناًما وطئه نبي مرسل ولا ملك مقرب وأن قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير مما يكون كرامة للولي ، والمشهور تسمية ذلك بطي المسافة وهو من أعظم خوارق العادات ؛ وأنكر ثبوته للأولياء الحنفية ومنهم ابن وهبان قال :

ومن لولي قال طي مسافة . . . يجوز جهول ثم بعض يكفر

وهذا منهم مع قولهم إذا ولد لمغربي ولد من امرأته المشرقية مثلاً يلحق به وإن لم يلتقيا ظاهراً غريب ، والكتب ملأى من حكايات الثقات هذه الكرامة لكثير من الصالحين ، وكأن مجهل قائلها بني تجهيله على أن في ذلك قولاً بتداخل الجواهر وقد أحاله المتكلمون خلافاً للنظام وبرهنوا على استحالته بما لا مزيد عليه وادعى بعضهم الضرورة في ذلك ، وأنت تعلم أن قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير لا يتوقف على تداخل الجواهر لجواز أن يكون بالسرعة كما قالوا في الإسراء فليثبت للأولياء على هذا النحو على أن الكرامات كالمعجزات مجهولة الكيفية فنؤمن بما صح منها ونفوض كيفيته إلى من لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى ، ومثل طي المسافة ما يحكمونه من نشر الزمان وأنا مؤمن ولله تعالى الحمد بما يصح نقله من الأمرين والمكفر جهول والمجهول ليس برسول والله تعالى الموفق للصواب إليه المرجع والمآب ؛ وأول المسجد الحرام بمقام القلب المحترم عن أن يطوف به مشركو القوى البدنية ويرتكب فيه فواحشها وخطاياها ، والمسجد الأقصى بمقام الروح الأبعد من العالم الجسماني { لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } [ الإسراء : 1 ] أي آيات صفاتنا من جهة أنها منسوبة إلينا ونحن المشاهدون بها والأفاصل مشاهدة الفات في مقام القلب


[548]:- ويقال أسراه وأسرى به كأخذ الخطام وأخذ به اهـ منه.
[549]:- ذكر السفيري أنه عليه السلام شقه بمنقاره فإنه عليه السلام جاءه في صورة كركري والله تعالى أعلم بصحة الخبر اهـ منه.
[550]:- وقيل: في شعب أبي طالب اهـ منه.
[551]:- وقال ابن اسحق هند اهـ منه.
[552]:- رأيت في بعض الكتب أنه يوم الأربعاء اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

سورة الإسراء، سورة بني إسرائيل، مكية كلها إلا هذه الآيات، فإنهن مدنيات، وهي قوله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق...} [آية:80] الآية. وقوله تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله...} إلى قوله: {...خشوعا} [آية:107-109]. وقوله تعالى: {إن ربك أحاط بالناس...} [آية:60] الآية. وقوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك...} [آية:73] الآية. وقوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك...} [آية:75،74] الآيتين. وقوله تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض...} [آية:76].

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

سورة بني إسرائيل مكية.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثماني آيات من قوله تعالى:"وإن كادوا ليفتنونك" إلى قوله: "سلطانا نصيرا".

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات: قوله عز وجل:"وإن كادوا ليفتنونك"، وقوله: "وإن كادوا ليستفزونك"، نزلت حين جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفدُ ثقيف، وحين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء، وقوله عز وجل: "وقل رب أدخلني مدخل صدق"، وقوله عز وجل:"إن ربك أحاط بالناس "وقال مقاتل: وقوله عز وجل:"إن الذين أوتوا العلم من قبله". قال ابن مسعود في بني إسرائيل والكهف: "إنهن من العِتاق الأُوَل، وهن في تِلاَدِي"، يريد أنهن من قديم كسبه.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

عن أبي لبابة، سمعت عائشة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة "بني إسرائيل"، و "الزمر".

السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :

وتسمى:"سبحان"...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه السورة -سورة الإسراء- مكية، وهي تبدأ بتسبيح الله وتنتهي بحمده؛ وتضم موضوعات شتى معظمها عن العقيدة؛ وبعضها عن قواعد السلوك الفردي والجماعي وآدابه القائمة على العقيدة؛ إلى شيء من القصص عن بني إسرائيل يتعلق بالمسجد الأقصى الذي كان إليه الإسراء. وطرف من قصة آدم وإبليس وتكريم الله للإنسان.

ولكن العنصر البارز في كيان السورة ومحور موضوعاتها الأصيل هو شخص الرسول [صلى الله عليه وسلم] وموقف القوم منه في مكة. وهو القرآن الذي جاء به، وطبيعة هذا القرآن، وما يهدي إليه، واستقبال القوم له. واستطرادا بهذه المناسبة إلى طبيعة الرسالة والرسل، وإلى امتياز الرسالة المحمدية بطابع غير طابع الخوارق الحسية وما يتبعها من هلاك المكذبين بها. وإلى تقرير التبعة الفردية في الهدى والضلال الاعتقادي، والتبعة الجماعية في السلوك العملي في محيط المجتمع.. كل ذلك بعد أن يعذر الله -سبحانه- إلى الناس، فيرسل إليهم الرسل بالتبشير والتحذير والبيان والتفصيل) وكل شيء فصلناه تفصيلا).

ويتكرر في سياق السورة تنزيه الله وتسبيحه وحمده وشكر آلائه. ففي مطلعها: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى...) وفي أمر بني إسرائيل بتوحيد الله يذكرهم بأنهم من ذرية المؤمنين مع نوح) إنه كان عبدا شكورا).. وعند ذكر دعاوي المشركين عن الآلهة يعقب بقوله:) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم).. وفي حكاية قول بعض أهل الكتاب حين يتلى عليهم القرآن:) ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا).. وتختم السورة بالآية) وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا).

في تلك الموضوعات المنوعة حول ذلك المحور الواحد الذي بينا، يمضي سياق السورة في أشواط متتابعة.

يبدأ الشوط الأول بالإشارة إلى الإسراء: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) مع الكشف عن حكمة الإسراء) لنريه من آياتنا).. وبمناسبة المسجد الأقصى يذكر كتاب موسى وما قضى فيه لبني إسرائيل، من نكبة وهلاك وتشريد مرتين، بسبب طغيانهم وإفسادهم مع إنذارهم بثالثة ورابعة) وإن عدتم عدنا).. ثم يقرر أن الكتاب الأخير -القرآن- يهدي للتي هي أقوم، بينما الإنسان عجول مندفع لا يملك زمام انفعالاته. ويقرر قاعدة التبعة الفردية في الهدى والضلال، وقاعدة التبعة الجماعية في التصرفات والسلوك.

ويبدأ الشوط الثاني بقاعدة التوحيد، ليقيم عليها البناء الاجتماعي كله وآداب العمل والسلوك فيه، ويشدها إلى هذا المحور الذي لا يقوم بناء الحياة إلا مستندا إليه.

ويتحدث في الشوط الثالث عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى الله، وعن البعث واستبعادهم لوقوعه، وعن استقبالهم للقرآن وتقولاتهم على الرسول صلى الله عليه وسلم ويأمر المؤمنين أن يقولوا قولا آخر، ويتكلموا بالتي هي أحسن.

وفي الشوط الرابع يبين لماذا لم يرسل الله محمدا [صلى الله عليه وسلم] بالخوارق فقد كذب بها الأولون، فحق عليهم الهلاك اتباعا لسنة الله؛ كما يتناول موقف المشركين من إنذارهم لله في رؤيا الرسول [صلى الله عليه وسلم] وتكذيبهم وطغيانهم. ويجيء في هذا السياق طرف من قصة إبليس، وإعلانه أنه سيكون حربا على ذرية آدم. يجيء هذا الطرف من القصة كأنه كشف لعوامل الضلال الذي يبدو من المشركين. ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب الله، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم في تكريم الإنسان، وما ينتظر الطائعين والعصاة يوم ندعو كل أناس بإمامهم: فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا. ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.

ويستعرض الشوط الأخير كيد المشركين للرسول [صلى الله عليه وسلم] ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل إليه ومحاولة إخراجه من مكة. ولو أخرجوه قسرا -ولم يخرج هو مهاجرا بأمر الله- لحل بهم الهلاك الذي حل بالقرى من قبلهم حين أخرجت رسلها أو قتلتهم. ويأمر الرسول [صلى الله عليه وسلم] أن يمضي في طريقه يقرأ قرآنه ويصلي صلاته، ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه ويعلن مجيء الحق وزهوق الباطل، ويعقب بأن هذا القرآن الذي أرادوا فتنته عن بعضه فيه شفاء وهدى للمؤمنين، بينما الإنسان قليل العلم) وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).

ويستمر في الحديث عن القرآن وإعجازه. بينما هم يطلبون خوارق مادية، ويطلبون نزول الملائكة، ويقترحون أن يكون للرسول بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب، يفجر الأنهار خلالها تفجيرا! أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا. أو أن يرقى هو في السماء ثم يأتيهم بكتاب مادي معه يقرأونه... إلى آخر هذه المقترحات التي يمليها العنت والمكابرة، لا طلب الهدى والاقتناع. ويرد على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول وطبيعة الرسالة، ويكل الأمر إلى الله. ويتهكم على أولئك الذين يقترحون هذه الاقتراحات كلها بأنهم لو كانوا يملكون خزائن رحمة الله -على سعتها وعدم نفادها- لأمسكوها خوفا من الإنفاق! وقد كان حسبهم أن يستشعروا أن الكون وما فيه يسبح لله، وأن الآيات الخارقة قد جاء بها موسى من قبل فلم تؤد إلى إيمان المتعنتين الذين استفزوه من الأرض، فأخذهم الله بالعذاب والنكال.

وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن والحق الأصيل فيه. القرآن الذي نزل مفرقا ليقرأه الرسول على القوم زمنا طويلا بمناسباته ومقتضياته، وليتأثروا به ويستجيبوا له استجابة حية واقعية عملية. والذي يتلقاه الذين أوتوا العلم من قبله بالخشوع والتأثر إلى حد البكاء والسجود. ويختم السورة بحمد الله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل. كما بدأها بتسبيحه وتنزيهه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

سميت في كثير من المصاحف سورة الإسراء... إذ قد ذكر في أولها الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم واختصت بذكره.

وتسمى في عهد الصحابة سورة بني إسرائيل. ففي جامع الترمذي في أبواب الدعاء عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل.

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي. وبذلك ترجم لها البخاري في كتاب التفسير، والترمذي في أبواب التفسير. ووجه ذلك أنها ذكر فيها من أحوال بني إسرائيل ما لم يذكر في غيرها. وهو استيلاء قوم أولى بأس الآشوريين عليهم ثم استيلاء قوم آخرين وهم الروم عليهم.

وتسمى أيضا سورة {سبحان}، لأنها افتتحت بهذه الكلمة. قال في بصائر ذوي التمييز.

وهي مكية عند الجمهور. قيل: إلا آتين منها، وهما {وإن كادوا ليفتنونك إلى قوله قليلا}. وقيل: إلا أربعا، هاتين الآيتين، وقوله {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس}، وقوله {وقل رب أدخلني مدخل صدق} الآية. وقيل: إلا خمسا، هاته الأربع، وقوله {إن الذين أوتوا العلم من قبله} إلى آخر السورة. وقيل: إلا خمس آيات غير ما تقدم، وهي المبتدأة بقوله {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} الآية، وقوله {ولا تقربوا الزنى} الآية، وقوله {أولئك الذين يدعون} الآية، وقوله {أقم الصلاة} الآية، وقوله {وآت ذا القربى حقه} الآية. وقيل إلا ثمانيا من قوله {وإن كادوا ليفتنونك} إلى قوله {سلطانا نصيرا}.

وأحسب أن منشأ هاته الأقوال أن ظاهر الأحكام التي اشتملت عليها تلك الأقوال يقتضي أن تلك الآي لا تناسب حالة المسلمين فيما قبل الهجرة فغلبت على ظن أصحاب تلك الأقوال مدنية. وسيأتي بيان أن ذلك غير متجه عند التعرض لتفسيرها.

ويظهر أنها نزلت في زمن فيه جماعة المسلمين بمكة، وأخذ التشريع المتعلق بمعاملات جماعتهم يتطرق إلى نفوسهم، فقد ذكرت فيها أحكام متتالية لم تذكر أمثال عددها في سورة مكية غيرها عدا سورة الأنعام، وذلك من قوله {وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى قوله {كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها}.

وقد اختلف في وقت الإسراء. والأصح أنه كان قبل الهجرة بنحو سنة وخمسة أشهر، فإذا كانت قد نزلت عقب وقوع الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم تكون قد نزلت في حدود سنة اثنتي عشرة بعد البعثة، وهي سنة اثنتين قبل الهجرة في منتصف السنة.

وليس افتتاحها بذكر الإسراء مقتضيا أنها نزلت عقب وقوع الإسراء. بل يجوز أنها نزلت بعد الإسراء بمدة.

وذكر فيها الإسراء إلى المسجد الأقصى تنويها بالمسجد الأقصى وتذكيرا بحرمته...

أغراضها:

العماد الذي أقيمت عليه أغراض هذه السورة إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإثبات أن القرآن وحي من الله.

وإثبات فضله وفضل من أنزله.

وذكر أنه معجز.

ورد مطاعن المشركين فيه وفي من جاء به، وأنهم لم يفقهوه فلذلك أعرضوا عنه.

وإبطال إحالتهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسري به إلى المسجد الأقصى. فافتتحت بمعجزة الإسراء توطئة للتنظير بين شريعة الإسلام وشريعة موسى عليه السلام على عادة القرآن في ذكر المثل والنظائر الدينية، ورمزا إلهيا إلى أن الله أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم من الفضائل أفضل مما أعطى من قبله.

وأنه أكمل له الفضائل فلم يفته منها فائت، فمن أجل ذلك أحله بالمكان المقدس الذي تداولته الرسل من قبل، فلم يستأثرهم بالحلول بذلك المكان هو مهبط الشريعة الموسوية، ورمز أطوار تأريخ بني إسرائيل وأسلافهم، والذي هو نظير المسجد الحرام في أن أصل تأسيسه في عهد إبراهيم كما سننبه عليه عند تفسير قوله تعالى {إلى المسجد الأقصى}، فأحل الله به محمدا عليه الصلاة والسلام بعد أن هجر وخرب إيماء إلى أن أمته تجدد مجده.

وأن الله مكنه من حرمي النبوة والشريعة، فالمسجد الأقصى لم يكن معمورا حين نزول هذه السورة وإنما عمرت كنائس حوله، وأن بني إسرائيل لم يحفظوا حرمة المسجد الأقصى، فكان إفسادهم سببا في تسلط أعدائهم عليهم وخراب المسجد الأقصى. وفي ذلك رمز إلى أن إعادة المسجد الأقصى ستكون على يد أمة هذا الرسول الذي أنكروا رسالته.

ثم إثبات دلائل تفرد الله بالإلهية، والاستدلال بآية الليل والنهار وما فيهما من المنن على إثبات الوحدانية.

والتذكير بالنعم التي سخرها الله للناس، وما فيها من الدلائل على تفرده بتدبير الخلق، وما تقتضيه من شكر المنعم وترك شكر غيره، وتنزيهه عن اتخاذ بنات له.

وإظهار فضائل من شريعة الإسلام وحكمته، وما علمه الله المسلمين من آداب المعاملة نحو ربهم سبحانه، ومعاملة بعضهم مع بعض، والحكمة في سيرتهم وأقوالهم، ومراقبة الله في ظاهرهم وباطنهم...

وإثبات البعث والجزاء.

والحث على إقامة الصلوات في أوقاتها.

والتحذير من نزغ الشيطان وعداوته لآدم وذريته، وقصة إبايته من السجود.

والإنذار بعذاب الآخرة.

وذكر ما عرض للأمم من أسباب الاستئصال والهلاك.

وتهديد المشركين بأن الله يوشك أن ينصر الإسلام على باطلهم.

وما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين واستعانتهم باليهود. واقتراحهم الآيات، وتحميقهم في جهلهم بآية القرآن وأنه الحق.

وتخلل ذلك من المستطردات والنذر والعظات ما فيه شفاء ورحمة، ومن الأمثال ما هو علم وحكمة.

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

وفصولها مترابطة، وآياتها متوازنة ومتساوقة، مما يمكن أن يلهم أن فصولها نزلت متلاحقة إلى أن تمت... وقد روي أن الآيات [26 و32 و 33 و 57 و 73 80] مدنيات، وليست الروايات وثيقة السند من جهة، وسياقُ الآيات ومضامينها وتوازنها وانسجامها مع ما سبقها ولحق بها يسوغ الشك في الرواية، ويرجّح مكية الآيات...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... وبالإمكان فرز المحاور المهمّة الآتية التي يدور حولها مضمون السورة:

أوّلاً: الإِشارة إلى أدلة النّبوة الخاتمة وبراهينها، وفي مقدمتها معجزة القرآن وقضية المعراج.

ثانياً: ثمّة بحوث في السورة ترتبط بقضية المعاد وما يرتبط به من حديث عن صحيفة الأعمال، وقضية الثواب والعقاب المترتب على نتيجة الجزاء.

ثالثاً: تتحدَّث السورة في بدايتها ونهايتها عن قسم من تاريخ بني إِسرائيل المليء بالأحداث.

رابعاً: تتعرض السورة إلى حرية الاختيار لدى الإِنسان، وأنَّ الإِنسان غير مجبر في أعماله، وبالتالي فإِنّ على الإِنسان أن يتحمل مسؤولية تلك الحرية من خلال تحمله لمسؤولية أعماله، سواء كانت حسنة أم سيئة.

خامساً: تبحث السورة قضية الحساب والكتاب في هذه الدنيا، لكي يعي الإِنسان قضية الحساب والكتاب على أعماله وأقواله في اليوم الآخر.

سادساً: تشير إلى الحقوق في المستويات المختلفة، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق الأقرباء، وبالأخص منهم الأم والأب!

سابعاً: تتعرض السورة إلى حرمة «الإِسراف»، و«التبذير»، و«البخل»، و«قتل الأبناء»، و«الزنا»، و«أكل مال اليتيم»، و«البخس في المكيال»، و«التكبُّر»، و«إِراقة الدماء».

ثامناً: في السورة بحوث حول التوحيد ومعرفة اللّه تعالى.

تاسعاً: تواجه السورة مواقف العناد المكابرة إزاء الحق، وأنّ الذنوب تتحوَّل إلى حُجُب تمنع الإِنسان من رؤية الحق.

عاشراً: تركز السورة على أفضلية الإِنسان على سائر الموجودات.

أحد عشر: تؤكّد السورة على تأثير القرآن الكريم في معالجة الأشكال المختلفة من الأمراض الأخلاقية والاجتماعية.

ثاني عشر: تبحث السّورة في المعجزة القرآنية، وعدم تمكن الخصوم وعجزهم عن مواجهة هذه المعجزة.

ثالث عشر: تحذّر السورة المؤمنين مِن وساوس الشيطان وإِغواءاته، وتنبههم إلى المسالك التي ينفذ من خلالها إلى شخصية المؤمن.

رابع عشر: تتعرض السورة إلى مجموعة مختلفة من القضايا والمفاهيم والتعاليم الأخلاقية.

خامس عشر: أخيراً تتعرض السورة إلى مقاطع من قصص الأنبياء (عليهم السلام) ليتسنى للإِنسان استكناه الدروس والعبر من هذه القصص.

في كل الأحوال تعكس سورة الإِسراء في مضمونها ومحتواها العقائدي والأخلاقي والاجتماعي، لوحة متكاملة ومتناسقة لسمو وتكامل البشر في المجالات المختلفة...

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{سبحان}، يعني: عجب،

{الذي أسرى بعبده} يعني: النبي صلى الله عليه وسلم،

{ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}، يعني: بيت المقدس، قبل الهجرة بسنة...

{الذي باركنا حوله}، يعني: بالبركة الماء، والشجر، والخير،

{لنريه من ءاياتنا}، فكان مما رأى من الآيات: البُراق، والرجال، والملائكة، وصلى بالنبيين تلك.

{إنه هو السميع البصير}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني تعالى ذكره بقوله تعالى:"سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بعَبْدِه لَيْلاً" تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أنّ له من خلقه شريكا، وأن له صاحبة وولدا، وعلوّا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم...

وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها. فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأوّلون قول الله: "فَلَوْلا أنّهُ كانَ مِنَ المُسَبّحِينَ": فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى: "ألَمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبّحُونَ": لولا تستثنون... ومنها النور، وكان بعضهم يتأوّل في الخبر الذي رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلا ذلكَ لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِنْ شَيْء» أنه عنى بقوله: سبحات وجهه: نور وجهه...

والإسراء والسّرى: سير الليل. فمن قال: أَسْرى، قال: يُسري إسراء ومن قال: سرى، قال: يَسري سُرَىً...

ويعني بقوله: "لَيْلاً": من الليل. وكذلك كان حُذيفة بن اليمان يقرأها...

وأما قوله: "مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ "فإنه اختُلف فيه وفي معناه؛ فقال بعضهم: يعني من الحرم، وقال: الحرم كله مسجد. وقد بيّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا. وقال: وقد ذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ليلة أُسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أمّ هانىء ابنة أبي طالب...

وقال آخرون: بل أُسرى به من المسجد، وفيه كان حين أسرى به...

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام، والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه. وقوله: "إلى المَسْجِدِ الأقْصَى" يعني: مسجد بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لأنه أبعد المساجد التي تزار، ويُبتَغى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام. فتأويل الكلام: تنزيها لله، وتبرئة له مما نحله المشركون من الإشراك والأنداد والصاحبة، وما يجلّ عنه جلّ جلاله، الذي سار بعبده ليلاً من بيته الحرام إلى بيته الأقصى.

ثم اختلف أهل العلم في صفة إسراء الله تبارك وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛

فقال بعضهم: أسرى الله بجسده، فسار به ليلاً على البُراق من بيته الحرام إلى بيته الأقصى حتى أتاه، فأراه ما شاء أن يريه من عجائب أمره وعبره وعظيم سُلطانه، فجمعت له به الأنبياء، فصلى بهم هُنالك، وعَرج به إلى السماء حتى صعد به فوق السموات السبع، وأوحى إليه هنالك ما شاء أن يوحي ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته، فصلى به صلاة الصبح....

وقال آخرون: بل أسري بروحه، ولم يسر بجسده... والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلاً على نبوّته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقلّ؟ وبعد، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدّى ما قال الله إلى غيره. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز، إذ كانت العرب تفعل ذلك في كلامها... فإن العرب تفعل ذلك فيما كان مفهوما مراد المتكلم منهم به من الكلام. فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره، ولا يوصل إلى معرفة مراد المتكلّم إلا ببيانه، فإنها لا تحذف ذلك ولا دلالة تدلّ على أن مراد الله من قوله: أسْرَى بِعَبْدِهِ أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أسرى به على دابة يُقال لها البراق ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدوابّ لا تحمل إلا الأجسام. إلا أن يقول قائل: إن معنى قولنا: أسرى بروحه: رأى في المنام أنه أسرى بجسده على البراق، فيكذب حينئذٍ بمعنى الأخبار التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن جبرئيل حمله على البراق، لأن ذلك إذا كان مناما على قول قائل هذا القول، ولم تكن الروح عنده مما تركب الدوابّ، ولم يحمل على البراق جسم النبيّ صلى الله عليه وسلم، لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم على قوله حُمل على البراق لا جسمه، ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين، وذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين.

وقوله: "الّذِي باركْنا حَوْلَهُ" يقول تعالى ذكره: الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم.

وقوله: "لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا" يقول تعالى ذكره: كي نري عبدنا محمدا من آياتنا، يقول: من عبرنا وأدلتنا وحججنا، وذلك هو ما قد ذكرت في الأخبار التي رويتها آنفا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أريه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ...

وقوله: "إنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ" يقول تعالى ذكره: إن الذي أسرى بعبده هو "السميع" لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة في مسرى محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ولغير ذلك من قولهم وقول غيرهم، "البصير" بما يعملون من الأعمال، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا يعزب عنه علم شيء منه، بل هو محيط بجميعه علما، ومحصيه عددا، وهو لهم بالمرصاد، ليجزي جميعهم بما هم أهله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} سبحان كلمة إجلال الله عن الأكفاء وتنزيهه عن الشركاء وتبرئته عما قالت المعطلة فيه، وظنت الملاحدة به من الولد والحاجات والآفات وجميع معاني الخلق...

ومعنى قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} هو، والله أعلم، كأنه ذكر أن من قدر على أن يسري بعبده ليلا مسيرة شهر يقدر على إحياء الموتى بعد الموت، ويملك حفظ رسوله والنصر له وإظهار آيات نبوته ورسالته وقطع حيل المكذبين له والمخالفين...

{الذي باركنا حوله} قيل: سماه مباركا لكثرة أنزاله وخيراته وسعته. وقيل: سماه مباركا لأنه مكان الأنبياء ومقامهم، فبورك فيه ببركتهم ويمنهم، والله أعلم...

{لنريه من آياتنا} أي لنريه من آياتنا الحسية بعد ما أريناه الآيات العقلية؛ لأن الآيات الحسية أكبر في قطع الشبهة ورفع الوساوس من العقلية، إذ لا يشك أحد في ما كان سبيل معرفته الحس والعيان، وقد تعترض الشبه والوساوس في العقليات لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو، فأحب عز وجل أن يري رسوله آيات حسية تضطر المتعنتين إلى قبولها والإيمان والإقرار له أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما يعلمون أن ما كان يخبرهم من أخبار حين قال: إنه رأى عير فلان وأمورا يعلمون أنه لا يقول إلا عن مشاهدة وعيان،...

{إنه هو السميع البصير} أي من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يخفى عليه شيء من قول أو عمل. ثم روي من الأخبار، وأنه عرج إلى السماء حتى رأى إخوانه الأنبياء الماضين قبله وما ذكر فيها. فنحن نقول ما قال الصديق، رضوان الله تعالى عليه، إن كان قال ذلك فأنا أشهد على ذلك، وإلا نقول على مقدار ما في الآية: إنه أسري به إلى البيت المقدس المسجد الأقصى، ولا نزيد عليه، لأنه من أخبار الآحاد فلا تسع الشهادة له...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

فكان ذلك معجزة له باهرة، ودلالة واضحة لولا العناد، وكان نفس الإسراء حجة له صلى الله عليه وسلم لا أنه يحتاج إلى دلالة كغيره، ولذلك قال تعالى "لنريه من آياتنا "فكان الإسراء من جملة الآيات التي تأكد بها يقينه وازدادت به بصيرته، لأنه كان قد علم نبوته بما تقدم له من الآيات، فكان هذا على وجه التأكيد لذلك.

وكان ذلك في يقظته دون منامه، والذي يشهد به القرآن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والباقي يعلم بالخبر.

"الذي باركنا حوله" يعني بالثمار ومجاري الأنهار، وقيل "باركنا" حوله بمن جعلنا حوله من الانبياء والصالحين، ولذلك جعله مقدسا. "لنريه من آياتنا" من العجائب التي فيها اعتبار. وروي أنه كان رأى الأنبياء حتى وصفهم واحدا واحدا.

"إنه هو السميع البصير"...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

افتتح السورةَ بِذِكْرِ الثناء على نَفْسه فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي} [الإسراء:1]: الحقُّ سبَّحَ نَفْسَه بعزيزِ خطابِه، وأخبر عن استحقاقه لجلال قَدْرِه، وعن توحُّده بعلوِّ نُعُوتِه. ولمَّا أراد أَنْ يَعْرفَ العبِادُ [لعله سقط هنا الاسم الموصول "ما"] خَصَّ به رسولَه -صلى الله عليه وسلم- ليلةَ المعراجِ من عُلوٍّ ما رقَّاه إليه، وعِظَمِ ما لَقَّاه به أَزالَ الأعُجوبةَ بقوله: {أَسْرَى}، ونفى عن نبيِّه خَطَرَ الإعجاب بقوله: {بِعَبْدِهِ}؛ لأَنَّ مَنْ عَرَفَ ألوهيته، واستحقاقَه لكمالِ العِزِّ فلا يُتَعَجَّبُ منه أن يفعل ما يفعل، ومَنْ عرف عبوديةَ نَفْسِه، وأَنَّه لا يَمْلِكُ شيئاً من أمره فلا يُعْجَبُ بحاله. فالآية أوضحت شيئين اثنين: نَفي التعجَّبِ من إظهارِ فِعْلِ اللَّهِ عزَّ وجل، ونفي الإعجاب في وصف رسول الله عليه السلام...

ويقال أخبر عن موسى عليه السلام -حين أكرمه بإسماعه كلامه من غير واسطة- فقال: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا} [الأعراف:143]، وأخبر عن نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه {أَسْرَى بِعَبْدِهِ} وليس مَنْ جاءَ بنفْسِه كمنْ أَسْرَى به ربُّه، فهذا مُحتَمَلٌ وهذا محمول... هذا مُرِيدٌ وهذا مُرَادٌ. ويقال جعل المعراجَ بالليل عند غَفْلَةِ الرُّقَبَاءِ وغَيْبَةِ الأجانب، ومن غير ميعاد، ومن غير تقديم أُهْبَةٍ واستعداد، كما قيل: ويقال جعل المعراجَ بالليل ليُظْهرَ تصديقَ مَنْ صَدَّقَ، وتكذيبَ مَنْ تعجَّب وكَذّبَ أو أنكر وجحد. ويقال لما كان تعبُّدهُ صلى الله عليه وسلم وتهجُّدُه بالليل جَعَلَ الحقُّ سبحانه المعراجَ بالليلِ...

{لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَآتِنَا}:... ويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله -سبحانه- شيءٌ في جلالهِ وجماله، وعِزِّه وكبريائه، ومجده وسنائه. ثم أراه من آياته تلك الليلة ما عَرَفَ به صلوات الله عليه -أنه ليس أحدٌ من الخلائق مثْلَه في نبوته ورسالته وعلوِّ حالته وجلال رتبته...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{سُبْحَانَ} علم للتسبيح... دل على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله...

فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله {لَيْلاً} بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشأم مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية. ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: «من الليل»، أي بعض الليل، كقوله {وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً} [الإسراء: 79] يعني الأمر بالقيام في بعض الليل. واختلف في المكان الذي أسرى منه فقيل: هو المسجد الحرام بعينه، وهو الظاهر... والمسجد الأقصى: بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد. {بَارَكْنَا حَوْلَهُ} يريد بركات الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

لفظ الآية يقتضي أن الله عز وجل أسرى بعبده، وهو محمد عليه السلام... ووقع الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاش عمن رواه عشرين صحابياً، فروى جمهور الصحابة وتلقى جل العلماء منهم أن الإسراء كان بشخصه صلى الله عليه وسلم، وأنه ركب البراق من مكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه... وقالت عائشة ومعاوية إنما أسري بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارق شخصه مضجعه وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق من ربه عز وجل، وجوزه الحسن وابن إسحاق، والحديث... مطول في البخاري ومسلم وغيرهما، فلذلك اختصرنا نصه في هذا الباب، وركوب البراق على قول هؤلاء يكون من جملة ما رأى في النوم، قال ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن في كتاب الطبري: البراق هو دابة إبراهيم الذي كان يزور عليه البيت الحرام.

يريد أن يجيء من يومه ويرجع وذلك من مسكنه بالشام، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة ما أمكن قريشاً التشنيع ولا فضل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدث الناس بهذا فيكذبوك إلى غير هذا من الدلائل، واحتج لقول عائشة بقوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60]، ويحتمل القول الآخر لأنه يقال لرؤية العين رؤيا، واحتج أيضاً بأن في بعض الأحاديث: فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام وهذا محتمل أن يريد من الإسراء إلى نوم، واعترض قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدثت عن النبي عليه السلام، وأما معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال صغيراً، ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

{أَسْرَى بِعَبْدِهِ}: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ كَانَ لِلنَّبِيِّ اسْمٌ أَشْرَفَ مِنْهُ لَسَمَّاهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَلِيَّةِ بِهِ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ: لَمَّا رَفَعَهُ إلَى حَضْرَتِهِ السَّنِيَّةِ، وَأَرْقَاهُ فَوْقَ الْكَوَاكِبِ الْعُلْوِيَّةِ، أَلْزَمهُ اسْمَ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ، تَوَاضُعًا لِلْإِلَهِيَّةِ.

لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :

... وفائدة ذكر المسجد الأقصى فقط أنه صلى الله عليه وسلم لو أخبر بصعوده إلى السماء أولاً لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسرى به إلى بيت المقدس، وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بعروجه إلى السماء، فجعل الإسراء إلى المسجد الأقصى كالتوطئة لمعراجه إلى السماء كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة يقال كانت في رجب ويقال في رمضان

الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي 875 هـ :

وكان الإسراء فيما قال مقاتِلٌ وقتادةُ: قبل الهجرة بعامٍ، وقيل: بعام ونصفٍ، والمتحقِّق أن ذلك كان بَعْدَ شَقِّ الصحيفة، وقبل بيعة العقبة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وقصة الإسراء -ومعها قصة المعراج- إذ كانتا في ليلة واحدة -الإسراء من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس. والمعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلى وسدرة المنتهى، وذلك العالم الغيبي المجهول لنا.. هذه القصة جاءت فيها روايات شتى؛ وثار حولها جدل كثير. ولا يزال إلى اليوم يثور...

والراجح من مجموع الروايات أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ترك فراشه في بيت أم هانى ء إلى المسجد فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسري به وعرج. ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد.

على أننا لا نرى محلا لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديما والذي يثور حديثا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] والمسافة بين الإسراء والمعراج بالروح أو بالجسم، وبين أن تكون رؤيا في المنام أو رؤية في اليقظة.. المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة؛ ولا تغير من طبيعة هذه الواقعة شيئا وكونها كشفا وتجلية للرسول [صلى الله عليه وسلم] عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة.. والذين يدركون شيئا من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعية شيئا. فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة، حسب ما اعتاده وما رآه. والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة الله. أما طبيعة النبوة فهي اتصال بالملأ الأعلى- على غير قياس أو عادة لبقية البشر -وهذه التجلية لمكان بعيد، أو عالم بعيد؛ والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه. وقد صدق أبو بكر- رضي الله عنه -وهو يرد المسألة المستغربة المستهولة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها فيقول: إني لأصدقه بأبعد من ذلك. أصدقه بخير السماء!

ومما يلاحظ- بمناسبة هذه الواقعة وتبين صدقها للقوم بالدليل المادي الذي طلبوه يومئذ في قصة العير وصفتها أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] لم يسمع لتخوف أم هانى ء -رضي الله عنها- من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة. فإن ثقة الرسول بالحق الذي جاء به، والحق الذي وقع له جعلته يصارح القوم بما رأى كائنا ما كان رأيهم فيه. وقد ارتد بعضهم فعلا، واتخذها بعضهم مادة للسخرية والتشكيك. ولكن هذا كله لم يكن ليقعد الرسول [صلى الله عليه وسلم] عن الجهر بالحق الذي آمن به.. وفي هذا مثل لأصحاب الدعوة أن يجهروا بالحق لا يخشون وقعه في نفوس الناس، ولا يتملقون به القوم، ولا يتحسسون مواضع الرضى والاستحسان، إذا تعارضت مع كلمة الحق تقال.

كذلك يلاحظ أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] لم يتخذ من الواقعة معجزة لتصديق رسالته، مع إلحاح القوم في طلب الخوارق -وقد قامت البينة عندهم على صدق الإسراء على الأقل- ذلك أن هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق، إنما تعتمد على طبيعة الدعوة ومنهاجها المستمد من الفطرة القويمة، المتفقة مع المدارك بعد تصحيحها وتقويمها. فلم يكن جهر الرسول [صلى الله عليه وسلم] بالواقعة ناشئا عن اعتماده عليها في شيء من رسالته. إنما كان جهرا بالحقيقة المستيقنة له لمجرد أنها حقيقة:

والآن نأخذ في الدرس الأول على وجه التفصيل: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)..

تبدأ السورة بتسبيح الله، أليق حركة نفسية تتسق مع جو الإسراء اللطيف، وأليق صلة بين العبد والرب في ذلك الأفق الوضيء.

وتذكر صفة العبودية: (أسرى بعبده) لتقريرها وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر؛ وذلك كي لا تنسى هذه الصفة، ولا يلتبس مقام العبودية، بمقام الألوهية، كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى عليه السلام، بسبب ما لابس مولده ووفاته، وبسبب الآيات التي أعطيت له، فاتخذها بعضهم سببا للخلط بين مقام العبودية ومقام الألوهية.. وبذلك تبقى للعقيدة الإسلامية بساطتها ونصاعتها وتنزيهها للذات الإلهية عن كل شبهة من شرك أو مشابهة، من قريب أو من بعيد.

والإسراء من السرى: السير ليلا. فكلم (أسرى) تحمل معها زمانها. ولا تحتاج إلى ذكره. ولكن السياق ينص على الليل (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) للتظليل والتصوير -على طريقة القرآن الكريم- فيلقي ظل الليل الساكن، ويخيم جوه الساجي على النفس، وهي تتملى حركة الإسراء اللطيفة وتتابعها.

والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إلى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعا. وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعا. فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان؛ وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من الزمان والمكان؛ وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.

ووصف المسجد الأقصى بأنه (الذي باركنا حوله) وصف يرسم البركة حافة بالمسجد، فائضة عليه. وهو ظل لم يكن ليلقيه تعبير مباشر مثل: باركناه. أو باركنا فيه. وذلك من دقائق التعبير القرآني العجيب.

والإسراء آية صاحبتها آيات: (لنريه من آياتنا) والنقلة العجيبة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في البرهة الوجيزة التي لم يبرد فيها فراش الرسول [صلى الله عليه وسلم] أيا كانت صورتها وكيفيتها.. آية من آيات الله، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود؛ وتكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري، والاستعدادات اللدنية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس، الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه، وأودع فيه هذه الأسرار اللطيفة.. (إنه هو السميع البصير).. يسمع ويرى كل ما لطف ودق، وخفي على الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار.

والسياق يتنقل في آية الافتتاح من صيغة التسبيح لله: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا إلى صيغة التقرير من الله: (لنريه من آياتنا) إلى صيغة الوصف لله: (إنه هو السميع البصير) وفقا لدقائق الدلالات التعبيرية بميزان دقيق حساس. فالتسبيح يرتفع موجها إلى ذات الله سبحانه. وتقرير القصد من الإسراء يجيء منه تعالى نصا. والوصف بالسمع والبصر يجيء في صورة الخبر الثابت لذاته الإلهية. وتجتمع هذه الصيغ المختلفة في الآية الواحدة لتؤدي دلالاتها بدقة كاملة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام مُتضمّنٍ ما يَجب تنزيه الله عنه يؤذن بأن خبراً عجيباً يستقبله السامعون دالاً على عظيم القدرة من المتكلم ورفيع منزلة المتحدث عنه.

فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيهاً أو تنقيصاً لا يليقان بجلال الله تعالى مثل {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} [الصافّات: 180] يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه، وذلك هو التعجيب من الخبر المتحدث به كقوله {قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16]...

ولما كان هذا الكلام من جانب الله تعالى والتسبيح صادراً منه كان المعنى تعجيب السامعين، لأن التعجب مستحيلة حقيقته على الله لا لأن ذلك لا يلتفت إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل، مثل مجيء الرجاء في كلامه تعالى نحو {لعلكم تفلحون} [البقرة: 189]، بل لأنه لا يستقيم تعجب المتكلم من فعل نفسه، فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم أتعجب من قول فلان كيْت وكيْت.

ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ما لا يليق بالله تعالى. ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلاً للشك في قدرة الله وللإشراك به كان من شأنه أن يُنطق المتأمل بتسبيح الله تعالى، أي تنزيهه عن العجز.

وأصل صيغ التسبيح هو كلمة {سبحان الله} التي نُحت منها السبحلة. ووقع التصرف في صيغها بالإضمار نحو سبحانَك وسبحانه، وبالموصول نحو {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} [يس: 36] ومنه هذه الآية.

والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه، وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى. ويفيد أن حديث الإسراء أمر فَشا بين القوم، فقد آمن به المسلمون وأكبَره المشركون.

وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد وإثباتُ أنه رسول من الله، وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قِبل لهم بإنكاره، فقد كان إسراءه إطلاعاً له على غائب من الأرض، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام.

و {أسرى} لغة في سَرَى، بمعنى سار في الليل، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن التعدية حاصلة بالباء، بل أسرى فعل مفتح بالهمزة مرادف سَرى، وهو مثل أبان المرادف بَان، ومثل أنهج الثوبُ بمعنى نَهَجَ أي بلِيَ، ف {أسرى بعبده} بمنزلة {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17].

وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعولَ في الفعل، فأصل (ذهب به) أنه استصحبه، كما قال تعالى: {وسار بأهله} [القصص: 29]. وقالت العرب: أشبعهم شتماً، ورَاحوا بالإبل. وفي هذا لطيفة تناسب المقام هنا إذ قال {أسرى بعبده} دون سرى بعبْدَه، وهي التلويح إلى أن الله تعالى كان مع رسوله في إسرائه بعنايتهِ وتوفيقه، كما قال تعالى {فإنك بأعيننا} [الطور: 48]، وقال: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40].

فالمعنى: الذي جعل عبده مُسرياً، أي سارياً، وهو كقوله تعالى: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81].

وإذ قد كان السُرى خاصاً بسير الليل كان قوله: {ليلاً} إشارة إلى أن السير به إلى المسجد الأقصى كان في جُزء ليلة، وإلا لم يَكن ذكره إلا تأكيداً، على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة.

وفي ذلك إيماء إلى أنه أسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة، وأيضاً ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم.

فتنكير {ليلاً} للتعظيم، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل {أسرى}، وبقرينة عدم تعريفه، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمناً لذلك السرى العظيم، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم. ألا ترى كيف احْتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر} [القدر: 1 2] إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة.

و (عَبْد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد كما هو مصطلح القرآن، فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافاً إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله تعالى إلا مراداً به النبي؛ ولأن خبر الإسراء به إلى بيت المقدس قد شاع بين المسلمين وشاع إنكاره بين المشركين، فصار المراد {بعبده} معلوماً.

والإضافة إضافة تشريف لا إضافة تعريف لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفاً.

والمسجد الحرام هو الكعبة والفِناء المحيط بالكعبة بمكة المتخذ للعبادة المتعلقة بالكعبة من طواف بها واعتكاف عندها وصلاة.

وأصل المسجد: أنه اسم مكان السجود. وأصل الحرام: الأمر الممنوع، لأنه مشتق من الحَرْم بفتح فسكون وهو المنع، وهو يرادف الحرم. فوصف الشيء بالحرام يكون بمعنى أنه ممنوع استعماله استعمالاً يناسبه، نحو {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] أي أكل الميتة...

ويكون بمعنى الممنوع من أن يعمل فيه عمل ما. ويبين بذكر المتعلق الذي يتعلق به. وقد لا يذكر متعلّقة إذا دل عليه العرف، ومنه قولهم: {الشهر الحرام} [البقرة: 194] أي الحرام فيه القتال في عرفهم. وقد يحذف المتعلق لقصد التكثير، فهو من الحذف للتعميم فيَرجع إلى العموم العرفي، ففي نحو {البيت الحرام} [المائدة: 2] يراد الممنوع من عُدوان المعتدين، وغزوِ الملوك والفاتحين، وعملِ الظلم والسوءِ فيه.

والحرام: فَعال بمعنى مفعول، كقولهم: امرأة حَصان، أي ممنوعة بعفافها عن الناس.

فالمسجد الحرام هو المكان المعد للسجود، أي للصلاة، وهو الكعبة والفناء المجعول حرماً لها. وهو يختلف سعة وضيقاً باختلاف العصور من كثرة الناس فيه للطواف والاعتكاف والصلاة.

وقد بنى قريش في زمن الجاهلية بيوتهم حول المسجد الحرام. وجعل قُصي بقربه دارَ الندوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة، فانحصر لما أحاطت به بيوت عشائر قريش. وكانت كل عشيرة تتخذ بيوتها متجاورة. ومجموع البيوت يسمى شِعباً بكسر الشين. وكانت كل عشيرة تسلك إلى المسجد الحرام من منفذ دُورها، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يُحفظ به. وكانت المسالك التي بين دُور العشائر تسمى أبواباً لأنها يسلك منها إلى المسجد الحرام، مثل باب بني شيبة، وباب بني هاشم، وباب بني مخزوم وهو باب الصفا، وباب بني سهم، وباب بني تيم. وربما عُرِف بعض الأبواب بجهة تقرب منه مثل بَاب الصفا ويسمى باب بني مخزوم. وباب الحزورة سمي بمكان كانت به سوق لأهل مكة تسمى الحَزْورة. ولا أدري هل كانت أبواباً تغلق أم كانت منافذ في الفضاء فإن الباب يطلق على ما بين حاجزين.

وأول من جعل للمسجد الحرام جداراً يُحفظ به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبعَ عشرة من الهجرة.

ولُقب بالمسجد لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جعله لإقامة الصلاة في الكعبة كما حكى الله عنه {ربنا ليقيموا الصلاة} [إبراهيم: 37]. ولما انقرضت الحنيفية وترك أهل الجاهلية الصلاة تناسوا وصفهُ بالمسجد الحرام فصاروا يقولون: البيت الحرام. وأما قول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فإنه عبر عنه باسمه في الإسلام.

فغلبَ عليه هذا التعريف التوصيفي فصار له علماً بالغلبة في اصطلاح القرآن. ولا أعرف أنه كان يعرف في الجاهلية بهذا الاسم، ولا على مسجد بيت المقدس في عصر تحريمه عند بَني إسرائيل. وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} في [البقرة: 144]، وعند قوله تعالى: {أن صدوكم عن المسجد الحرام} في أول العقود [المائدة: 2].

وعلميته بمجموع الوصف والموصوف وكلاهما معَرّف باللام. فالجزء الأول مثل النجم والجزء الثاني مثل الصعِق، فحصل التعريف بمجموعهما، ولم يعد النحاةُ هذا النوع في أقسام العلم بالغلبة. ولعلهم اعتبروه راجعاً إلى المعرف باللام. ولا بد من عده لأن علميته صارت بالأمرين.

والمسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيتِ المقدِس الكائن بإيلياء، وهو المسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام.

والأقصى، أي الأبعد. والمراد بعده عن مكة، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المسجد الحرام، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء وكونه خارقاً للعادة لكونه قطْعَ مسافة طويلة في بعض ليلة.

وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علماً بالغلبة على مسجد بيت المقدس كما كان المسجد الحرام علماً بالغلبة على مسجد مكة. وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء. ولم يكن مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذٍ.

وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل باعتبار أصل وضعها معجزةٌ خفية من معجزات القرآن إيماء إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو قَصِيٌ عن المسجد الحرام، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذٍ.

فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية، والتي بينها قول النبي:"لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي".

وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله: {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} أمران:

أحدهما: التنصيص على قطع المسافة العظمية في جزء ليلة، لأن كلا من الظرف وهو {ليلاً} ومن المجرورين {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} قد تعلق بفعل {أسرى}، فهو تعلق يقتضي المقارنة، ليعلم أنه من قبيل المعجزات.

وثانيهما: الإيماء إلى أن الله تعالى يجعل هذا الإسراء رمزاً إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضاً؛ فقد صدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى. ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سُرى يعقبه تأويب. وبذلك حصل رد العجز على الصدر.

ومن هنا يظهر مناسبة نزول التشريع الاجماعي في هذه السورة في الآيات المفتتحة بقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}، ففيها: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}، {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم} [الإسراء: 23 35] إيماء إلى أن هذا الدين سيكون ديناً يحكم في الناس وتنفذ أحكامه.

والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم عليه السلام كما ورد ذلك عن النبي. ففي « الصحيحين» عن أبي ذر قال: قلتُ يا رسول الله أي مسجد وُضع في الأرض أولُ؟ قال المسجدُ الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت كمْ بينهما؟ قال أربعون سنة».

فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم لأنه حُدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم عليه السلام. وقد قُرن ذكره بذكر المسجد الحرام.

وهذا مما أهملَ أهل الكتاب ذكره.

وهو مما خَصّ الله نبيئه بمعرفته...

فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن تسمية قرآنية اعتبر فيها ما كان عليه من قبل لأن، حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد. فالتسمية باعتبار ما كان، وهي إشارة خفية إلى أنه سيكون مسجداً بأكمل حقيقة المساجد.

واستقبله المسلمون في الصلاة من وقت وجوبها المقارن ليلة الإسراء إلى ما بعد الهجرة بستة عشر شهراً. ثم نسخ استقباله وصارت الكعبة هي القبلة الإسلامية...

وقوله {الذي باركنا حوله} صفة للمسجد الأقصى. وجيء في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة عند السامعين. والمقصود إفادة أنه مبارك حوله.

وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل، مثل عافاك الله.

والبركة: نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين فيه. وقد تقدم ذكر البركة عند قوله تعالى: {مباركاً وهدى للعالمين} في [آل عمران: 96].

وقد وصف المسجد الحرام بمثل هذا في قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين} [آل عمران: 96].

ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب؛ وأما المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله، فالعرب لا علم لهم به والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود، واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده إليهم، فاحتيج إلى الإعلام ببركته.

و حولَ يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف (حولَ) إليه.

وكونُ البركة حولَه كنايةٌ عن حصول البركة فيه بالأوْلى، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه؛ ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوَى الخطاب، ولطيفة المبالغة بالتكثير...

وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة {حوله}. منها أن واضعه إبراهيم عليه السلام، ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى عليه السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله، ومنها بركة من دُفن حوله من الأنبياء، فقد ثبت أن قبري داوود وسليمان حول المسجد الأقصى. وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم.

وقوله: {لنريه من آياتنا} تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية، تعليلٌ ببعض الحِكَم التي لأجلها منح الله نبيئه منحة الإسراء، فإن للإسراء حِكماً جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في « الصحيح». وأهمها وأجمعها إراءته من آيات الله تعالى ودلائل قدرته ورحمته، أي لنريه من الآيات فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى.

ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها.

وإنما اقتُصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم المُسرَى به والعناية بشأنه، لأن إراءة الآيات تزيد يقين الرائي بوجودها الحاصل من قبل الرؤية. قال تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75].

فإن فطرة الله جعلت إدراك المحسوسات أثبت من إدراك المدلولات البرهانية. قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]، ولذلك لم يقل الله بعد هذا التعليل أو لم يطمئن قلبك، لأن اطمئنان القلب مُتَّسِعُ المدى لا حد له فقد أنطق الله إبراهيم عن حكمة نبوءة، وقد بادر محمداً بإراءة الآيات قبل أن يسأله إياها توفيراً في الفضل...

واعلم أن تقوية يقين الأنبياء من الحكم الإلهية لأنهم بمقدار قوة اليقين يزيدون ارتقاء على درجة مستوى البشر والتحاقاً بعلوم عالم الحقائق ومساواة في هذا المضمار لمراتب الملائكة.

وفي تغيير الأسلوب من الغيبة التي في اسم الموصول وضميريه إلى التكلم في قوله: باركنا... ولنُريه من آياتنا سلوكٌ لطريقة الالتفات المتبعة كثيراً في كلام البلغاء. وقد مضى الكلام على ذلك في قوله تعالى: {إياك نعبد} في [الفاتحة: 5].

والالتفات هنا امتاز بلطائف:

منها: أنه لما استُحضرت الذات العلية بجملة التسبيح وجملة الموصولية صار مقام الغيبة مقام مشاهدة فناسب أن يغير الإضمار إلى ضمائر المشاهدة وهو مقام التكلم.

ومنها: الإيماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام عند حلوله بالمسجد الأقصى قد انتقل من مقام الاستدلال على عالم الغيب إلى مقام مصيره في عالم المشاهدة.

ومنها: التوطئة والتمهيد إلى محمل معاد الضمير في قوله: {إنه هو السميع البصير}، فيتبادر عود ذلك الضمير إلى غير من عاد إليه ضمير {نريه} لأن الشأن تناسق الضمائر، ولأن العود إلى الالتفات بالقرب ليس من الأحسن.

فقوله: {إنه هو السميع البصير}...