روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا} (47)

{ قَالَ } استئناف كما سلف { سلام عَلَيْكَ } توديع ومتاركة على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة فإن ترك الإساءة للمسيء إحسان أي لا أصيبك بمكروه بعد ولا أشافهك بما يؤذيك ، وهو نظير ما في قوله تعالى : { لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين } في قوله ، وقيل : هو تحية مفارق ، وجوز قائل هذا تحية الكافر وأن يبدأ بالسلام المشروع وهو مذهب سفيان بن عيينة مستدلاً بقوله تعالى : { لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم } [ الممتحنة : 8 ] الآية ، وقوله سبحانه : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم } [ الممتحنة : 4 ] الآية ، وما استدل به متأول وهو محجوج بما ثبت في «صحيح مسلم » : " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام " وقرئ { سَلاَماً } بالنصب على المصدرية والرفع على الابتداء { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } أي استدعيه سبحانه أن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة ويهديك إلى الإيمان كما يلوح به تعليل قوله : { واغفر لأبى } بقوله : { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين } [ الشعراء : 86 ] كذا قيل فيكون استغفاره في قوة قوله : ربي اهده إلى الإيمان وأخرجه من الضلال .

/ والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبين تحتم أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه كما أنه لا رب في عدم جوازه عند تبين ذلك لما فيه من طلب المحال فإن ما أخبر الله تعالى بعدم وقوعه محال وقوعه ولهذا تبين له عليه السلام بالوحي على أحد القولين المذكورين في سورة التوبة أنه لا يؤمن تركه أشد الترك فالوعد والإنجاز كانا قبل التبين وبذلك فارق استغفاره عليه السلام لأبيه استغفار المؤمنين لأولي قرابتهم من المشركين لأنه كان بعد التبين ولذا لم يؤذنوا بالتأسي به عليه السلام في الاستغفار ، قال العلامة الطيبي : إنه تعالى بين للمؤمنين إن أولئك أعداء الله تعالى بقوله سبحانه : { لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } [ الممتحنة : 1 ] وأن لا مجال لإظهار المودة بوجه ما ثم بالغ جل شأنه في تفصيل عداوتهم بقوله عز وجل : { إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } [ الممتحنة : 2 ] ثم حرضهم تعالى على قطيعة الأرحام بقوله سبحانه { لَن تَنفَعَكُمْ أرحامكم وَلاَ أولادكم يَوْمَ القيامة } [ الممتحنة : 3 ] ثم سلاهم عز وجل بالتأسي في القطيعة بإبراهيم عليه السلام وقومه بقوله تبارك وتعالى : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبراهيم والذين مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا برآء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ } إلى قوله تعالى شأنه : { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأبيه لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [ الممتحنة : 4 ] فاستثنى من المذكور ما لم يحتمله المقام كما احتمله ذلك المقام للنص القاطع يعني لكم التأسي بإبراهيم عليه السلام مع هؤلاء الكفار في القطيعة والهجران لا غير فلا تجاملوهم ولا تبدوا لهم الرأفة والرحمة كما أبدى إبراهيم عليه السلام لأبيه في قوله سأستغفر لك لأنه لم يتبين له حينئذ أنه لا يؤمن كما بدا لكم كفر هؤلاء وعداوتهم انتهى .

واعترض بأن ما ذكر ظاهر في أن الاستغفار الذي وقع من المؤمنين لأولى قرابتهم فنهوا عنه لأنه كان بعد التبين كان كاستغفار إبراهيم عليه السلام بمعنى طلب التوفيق للتوبة والهداية للإيمان ، والذي اعتمده كثير من العلماء أن قوله تعالى : { مَا كَانَ لِلنَّبِي والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة : 113 ] الآية نزل في استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب بعد موته وذلك الاستغفار مما لا يكون بمعنى طلب الهداية أصلاً وكيف تعقل الهداية بعد الموت بل لو فرض استغفاره عليه الصلاة والسلام له كان قبل الموت لا يتصور أيضاً أن يكون بهذا المعنى لأن الآية تقتضي أنه كان بعد تبين أنه من أصحاب الجحيم ، وإذا فسر بتحتم الموت على الكفر كان ذلك دعاء بالهداية إلى الإيمان مع العلم بتحتم الموت على الكفر ومحاليته إذا كانت معلومة لنا بما مر فهي أظهر شيء عنده صلى الله عليه وسلم بل وعند المقتبسين من مشكاته عليه الصلاة والسلام ، وهو اعتراض قوي بحسب الظاهر وعليه يجب أن يكون استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه بذلك المعنى في حياته لعدم تصور ذلك بعد الموت وهو ظاهر .

وقد قال الزمخشري في جواب السؤال بأنه كيف جاز له عليه السلام أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك ؟ قالوا : أراد اشتراط التوبة عن الكفر وقالوا إنما استغفر له بقوله : { واغفر لأبى } [ الشعراء : 86 ] لأنه وعده أن يؤمن ، واستشهدوا بقوله تعالى : { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأبيه إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } [ التوبة : 114 ] ثم قال : ولقائل أن يقول : الذي منع من الاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع ويدل على صحته أنه استثنى قول إبراهيم عليه السلام { لاَسْتَغْفِرَنَّ } لك في آية { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبراهيم } [ الممتحنة : 4 ] الخ عما وجبت فيه الاسوة ولو كان بشرط الإيمان والتوبة لما صح الاستثناء ، وأما كون الوعد من أبيه فيخالف الظاهر الذي يشهد له قراءة الحسن وغيره { وَعَدَهَا أَبَاهُ } [ التوبة : 114 ] بالباء الموحدة ، قال في «الكشف » : واعترض الإمام حديث الاستثناء بأن الآية دلت على المنع من التأسي لا أن ذلك كان معصية فجاز أن يكون من خواصه ككثير من المباحات التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم وليس بشيء لأن الزمخشري لم يذهب إلى أن ما ارتكبه إبراهيم عليه السلام كان منكراً بل إنما هو منكر علينا لورود السمع .

واعترض «صاحب التقريب » بأن نفي اللازم ممنوع فإن الاستثناء عما وجبت فيه الأسوة دل على أنه غير واجب لا على أنه غير جائز فكان ينبغي عما جازت في الأسوة بدل عما وجبت الخ والآية لا دلالة فيها على الوجوب .

والجواب أن جعله مستنكراً ومستثنى يدل على أنه منكر لا الاستثناء عما وجبت فيه فقط وإنما أتى الاستنكار لأنه مستثنى عن الأسوة الحسنة فلو اؤتسى به فيه لكان أسوة قبيحة ، وأما الدلالة على الوجوب فبينة من قوله تعالى آخراً : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الاخر } [ الممتحنة : 6 ] كما تقرر في «الأصول » .

والحاصل أن فعل إبراهيم عليه السلام يدل على أنه ليس منكراً في نفسه وقوله تعالى : { مَا كَانَ للنبي والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ } [ التوبة : 113 ] الخ يدل على أنه الآن منكر سمعاً وأنه كان مستنكراً في زمن إبراهيم عليه السلام أيضاً بعدما كان غير منكر ولذا تبرأ منه وهو ظاهر إلا أن الزمخشري جعل مدرك الجواز قبل النهي العقل وهي مسألة خلافية وكم قائل أنه السمع لدخوله تحت بر الوالدين والشفقة على أمة الدعوة بل قيل : إن الأول مذهب المعتزلة وهذا مذهب أهل السنة انتهى مع تغيير يسير .

واعترض القول بأنه استنكر في زمن إبراهيم عليه السلام بعدما كان غير منكر بأنه لو كان كذلك لم يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام فعله لعمه أبي طالب . وأجيب بجواز أنه لم يبلغه إذ فعل عليه الصلاة والسلام ، والتحقيق في هذه المسألة أن الاستغفار للكافر الحي المجهول العاقبة بمعنى طلب هدايته للإيمان مما لا محذور فيه عقلاً ونقلاً وطلب ذلك للكافر المعلوم أنه قد طبع على قلبه وأخبر الله تعالى أنه لا يؤمن وعلم أن لا تعليق في أمره أصلاً مما لا مساغ له عقلاً ونقلاً ، ومثله طلب المغفرة للكافر مع بقائه على الكفر على ما ذكره بعض المحققين ، وكان ذلك على ما قيل لما فيه من إلغاء أمر الكفر الذي لا شيء يعدله من المعاصي وصيرورة التكليف بالإيمان الذي لا شيء يعدله من الطاعات عبثاً مع ما في ذلك مما لا يليق بعظمة الله عز وجل ، ويكاد يلحق بذلك فيما ذكر طلب المغفرة لسائر العصاة مع البقاء على المعصية إلا أن يفرق بين الكفر وسائر المعاصي ، وأما طلب المغفرة للكافر بعد موته على الكفر فلا تأباه قضية العقل وإنما يمنعه السمع وفرق بينه وبين طلبها للكافر مع بقائه على الكفر بعدم جريان التعليل السابق فيه ويحتاج ذلك إلى تأمل .

واستدل على جواز ذلك عقلاً بقوله صلى الله عليه وسلم لعمه : " لا أزال أستغفر لك ما لم أنه " فنزل قوله تعالى : { مَا كَانَ للنبي والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة : 113 ] الآية ، وحمل قوله تعالى : { مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم } [ التوبة : 113 ] على معنى من بعدما ظهر لهم أنهم ماتوا كفاراً والتزم القول بنزول قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] بعد ذلك وإلا فلا يتسنى استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه بعد العلم بموته كافراً وتقدم السماع بأن الله تعالى لا يغفر الكفر ، وقيل لا حاجة إلى التزام ذلك لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام ولوفور شفقته وشدة رأفته قد حمل الآية على أنه تعالى لا يغفر الشرك إذا لم يشفع فيه أو الشرك الذي تواطأ فيه القلب وسائر الجوارح وعلم من عمه أنه لم يكن شركه كذلك فطلب المغفرة حتى نهى صلى الله عليه وسلم ، وقيل غير ذلك فتأمل ، فالمقام محتاج بعد إلى كلام والله تعالى الموفق .

{ إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيّاً } بليغاً في البر والإكرام يقال حفي به إذا اعتنى بإكرامه . والجملة تعليل لمضمون ما قبلها ، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل مع الاهتمام .

ومن باب الإشارة قال : { سلام عليك } [ مريم : 47 ] هذا سلام الأعراض عن الأغيار وتلطف الأبرار مع الجهال ، قال أبو بكر بن طاهر : أنه لما بدا من آزر في خطابه عليه السلام ما لا يبدو إلا من جاهل جعل جوابه السلام لأن الله تعالى قال : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً } [ الفرقان : 63 ]

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا} (47)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه حين توعّده على نصيحته إياه ودعائه إلى الله بالقول السيئ والعقوبة: سلام عليك يا أبت، يقول: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولدعائك إليّ ما توعدتني عليه بالعقوبة، ولكني "سأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّي "يقول: ولكني سأسأل ربي أن يستر عليك ذنوبك بعفوه إياك عن عقوبتك عليها "إنّهُ كانَ بِي حَفِيّا" يقول: إن ربي عهدته بي لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

يحتمل أنه ليس على أن سلم عليه، ولكن كلمه بكلام السداد كقوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] هو أن يقولوا لهم كلام السداد، ليس على أن يسلموا عليهم. ويحتمل {سلام عليك} على حقيقة السلام المعروف، لكنه يخرج على الإضمار، أي سلام عليك إذا أسلمت.

{سأستغفر لك ربي} إذا أسلمت على نحو ما قلنا. ويحتمل قوله: {سأستغفر لك ربي} ليُوفِّقَكَ على السبب الذي تستوجب به الاستغفار، وتكون أهلا للاستغفار. {إنه كان بي حفيا} قال بعضهم: أي برا لطيفا، وقال بعضهم: {حفيا} أي عالما، وقال بعضهم: إنه كان عوَّدَني الإجابة إذا دعوته...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

فقال له إبراهيم "سلام عليك "أي سلامة عليك، أي إكرام وبر بحق الأبوة وشكر التربية. وقال ذلك على وضع التواضع له ولين الجانب لموضعه "سأستغفر لك ربي" قال قوم: إنما وعده بالاستغفار على مقتضى العقل، ولم يكن قد استقر بعد قبح الاستغفار للمشركين. وقال قوم: معناه سأستغفر لك إذا تركت عبادة الأوثان وأخلصت العبادة لله تعالى. ومعنى قوله "إنه كان بي حفيا" إن الله كان عالما بي لطيفا، والحفي: اللطيف بعموم النعمة، يقال: تحفني فلان إذا أكرمني وألطفني، وحفي فلان بفلان حفاوة إذا أبره وألطفه...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

وهذا قبل أن ييأسَ من إيمانه، إذا كانت لديه بعدُ بقيةٌ من الرجاء في شأنه، فلمَّا تحقق أنه مختومٌ له بالشقاوة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك؟ قلت: قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار والمراد اشتراط الإيمان، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط الوضوء والنصاب. وقالوا: إنما استغفر له بقوله: {واغفر لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين} [الشعراء: 86] لأنه وعده أن يؤمن. واستشهدوا عليه بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114] ولقائل أن يقول: إنّ الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمّا القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، والذي يدل على صحته قوله تعالى: {إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] فلو كان شارطاً للإيمان لم يكن مستنكراً ومستثنى عما وجبت فيه الأسوة. وأمّا (عن موعدة وعدها إياه) فالواعد هو إبراهيم لا آزر، أي: ما قال: (واغفر لأبي) إلا عن قوله: (لأستغفرنّ لك) وتشهد له قراءة حماد الراوية: وعدها أباه. والله أعلم..

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله تعالى {سأستغفر} معناه سأدعو الله تعالى في أن يهديك فيغفر لك بإيمانك وهذا أظهر من أن يتأول على إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم أنه لم يعلم أن الله لا يغفر لكافر، وقد يجوز أن يكون إبراهيم عليه السلام أول نبي أوحي إليه أن لا يغفر لكافر، لأن هذه العقيدة إنما طريقها السمع، فكانت هذه المقالة منه لأبيه قبل أن يوحى إليه ذلك، وإبراهيم عليه السلام إنما تبين له في أبيه أنه عدو لله بأحد وجهبن إما بموته على الكفر كما روي، وإما بأن أوحي إليه تعسف الحتم عليه.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{سلام عليك} توادع ومتاركة كقوله تعالى: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين}، {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج، وعلى أنه تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان، ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار، ثم إنه لما ودع أباه بقوله: {سلام عليك} ضم إلى ذلك ما دل به على أنه وإن بعد عنه فإشفاقه باق عليه كما كان وهو قوله: {سأستغفر لك ربي}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{قال} أي إبراهيم عليه السلام مقابلاً لما كان من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العلم: {سلام عليك} أي أنت سالم مني ما لم أومر فيك بشيء؛ ثم استأنف قوله: {سأستغفر} بوعد لا خلف فيه {لك ربي} أي المحسن إليّ بأن أطلب لك منه غفران ذنوبك بأن يوفقك للإسلام الجابّ لما قبله، لأن هذا كان قبل أن يعلم أنه عدو لله محتوم بشقاوته بدليل عدم جزمه بعذابه في قوله: {إني أخاف أن يمسك}. ثم علل إقدامه على ذلك إشارة إلى أنه مقام خطر بما له من الإذلال لما له من مزيد القرب فقال: {إنه كان بي} أي في جميع أحوالي {حفيّاً} أي مبالغاً في إكرامي مرة بعد مرة وكرة إثر كرة.

تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي 911 هـ :

[قال سلام عليك] مني أي لا أصيبك بمكروه [سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا] من حفي أي بارا فيجيب دعائي وقد وفى بوعده المذكور في الشعراء واغفر لأبي وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو لله كما ذكره في براءة...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فأجابه الخليل جواب عباد الرحمن عند خطاب الجاهلين، ولم يشتمه، بل صبر، ولم يقابل أباه بما يكره، وقال: {سَلَامٌ عَلَيْكَ ْ} أي: ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسب وبما تكره، {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ْ} أي: لا أزال أدعو الله لك بالهداية والمغفرة، بأن يهديك للإسلام، الذي تحصل به المغفرة، ف {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ْ} أي: رحيما رءوفا بحالي، معتنيا بي، فلم يزل يستغفر الله له رجاء أن يهديه الله، فلما تبين له أنه عدو لله، وأنه لا يفيد فيه شيئا، ترك الاستغفار له، وتبرأ منه. وقد أمرنا الله باتباع ملة إبراهيم، فمن اتباع ملته، سلوك طريقه في الدعوة إلى الله، بطريق العلم والحكمة واللين والسهولة، والانتقال من مرتبة إلى مرتبة والصبر على ذلك، وعدم السآمة منه، والصبر على ما ينال الداعي من أذى الخلق بالقول والفعل، ومقابلة ذلك بالصفح والعفو، بل بالإحسان القولي والفعلي...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولم يغضب إبراهيم الحليم. ولم يفقد بره وعطفه وأدبه مع أبيه: سلام عليك.. فلا جدال ولا أذى ولا رد للتهديد والوعيد. سأدعو الله أن يغفر لك فلا يعاقبك بالاستمرار في الضلال وتولي الشيطان، بل يرحمك فيرزقك الهدى. وقد عودني ربي أن يكرمني فيجيب دعائي.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

سلام عليك سلام توديع ومتاركة. وبادرهُ به قبل الكلام الذي أعقبه به إشارة إلى أنه لا يسوءه ذلك الهجر في ذات الله تعالى ومرضاته. ومن حلم إبراهيم أن كانت متكارته أباه مثوبة بالإحسان في معاملته في آخر لحظة. والسلام: السلامة. و (على) للاستعلاء المجازي وهو التمكن. وهذه كلمة تحية وإكرام، وتقدمت آنفاً عند قوله {وسلام عليه يوم ولد} [مريم: 15]. وأظهر حرصه على هداه فقال {سأستغفر لك ربي، أي أطلب منه لك المغفرة من هذا الكفر، بأن يهديه الله إلى التوحيد فيغفر له الشرك الماضي، إذ لم يكن إبراهيم تلقى نهياً من الله عن الاستغفار للمشرك. وهذا ظاهر ما في قوله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114]. واستغفاره له هو المحكي في قوله تعالى: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86]. وجملة {سأستغفر لك ربي} مستأنفة، وعلامة الاستقبال والفعل المضارع مؤذنان بأنه يكرر الاستغفار في المستقبل.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وإنه إذ يعلن هذا النفور الجافي يعلن الابن البار الذي هو مثل سام كريم للأبناء يقول كما قال الله تعالى عنه: {سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا 47}. هو يقابل الإساءة الحسنة، ويعذر أباه في إساءته، لأنه في ضلال بعيد وإفك أثيم قد استغرق نفسه وأعمى بصيرته، وأصابه بغشاوة على قلبه {سلام عليك}، معناه أمن يفيض عليك وهو تحية له وهو يفارقه ويريد له السلامة في غيبته، وأن يكون في أمن، فهو يفارقه على مودة، وإن كان يقول مقالة القطيعة، وقد قال بعض المفسرين أن ذلك من قبيل قوله تعالى: {...وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما 63} (الفرقان). وربما نرى نحن أن سياق الآية لا يدل على الابتعاد عنه، وليس كقوله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين 55} (القصص)، لا نرى ذلك لأن لا ينسجم مع وعده باستغفار الله تعالى له، كما قال: {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا}. وقوله تعالى: {سأستغفر} السين لتأكيد الاستغفار في المستقبل، {إنه كان بي حفيا} الضمير يعود إلى {ربي} الذي يكون في موضع عناية واستجابة لي، فمعنى {إنه كان بي حفيا}، أي كنت موضع رحمته وبره، وأنه لهذا يظن أنه سيجيب دعائي، ولكن تبين له من بعد أنه عدو لله فتبرّأ منه.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وعندما يسمع إبراهيم رد والده المطبوع بطابع التعسف والعنف، يجيبه بجواب كله أدب ولطف {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً} أي عودني اللطف بي وإجابة دعائي...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{قَالَ سَلامٌ عَلَيْك} فلن أستخدم الأسلوب الذي استخدمته معي، ولن أهددك كما هددتني، فإذا كنت قد أعلنت الحرب عليّ، فإني أرد عليك بالسلام الذي يعيشه المؤمن تجاه الآخرين، فيعفو عنهم ويصفح إذا أساؤوا إليه، وأجرموا في حقه، ليدفع السيئة بالحسنة، ويفسح لهم المجال للتراجع عن موقفهم السيئ، ولو بعد حين.

{سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّي} فلعله يستجيب لي فيفتح قلبك على الإيمان، ويهديك سواء السبيل، فإن لم أستطع أن أصل إلى هدايتك بطريقتي الخاصة، فإني أطمع أن تهتدي بلطف الله وعنايته، فسأدعوه وأبتهل إليه {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} فلا بد أن يسمع دعائي، وهو الذي يعرف صلاح الأمر كله، ولا أزال أطمع في أن تكون لك فرصة للخير في حياتك.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لكن، ورغم كل ذلك، فقد سيطر إِبراهيم على أعصابه، كبقية الأنبياء والقادة الإِلهيين، ومقابل هذه الغلظة والحدّة وقف بكل سمو وعظمة، و (قال سلام عليك).