{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء } أي من جهة العلو { مَاء } أي ألم تعلم ذلك ، وجوز كون الرؤية بصرية نظراً للماء المنزل ، والاستفهام للتقرير ، وقوله تعالى : { فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً } أي فتصير ، وقيل تصبح على حقيقتها والحكم بالنظر إلى بعض الأماكن تمطر السماء فيها ليلاً فتصبح الأرض مخضرة ، والأول أولى عطف على { أَنَزلَ } والفاء مغنية عن الرابط فلا حاجة إلى تقدير بإنزاله ، والتعقيب عرفي أو حقيقي وهو إما باعتبار الاستعداد التام للاخضرار أو باعتباره نفسه وهو كما ترى ، وجوز أن تكون الفاء لمحض السبب فلا تعقيب فيها ، والعدول عن الماضي إلى المضارع لإفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان كما تقول : أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له ولو قلت : فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع أو لاستحضار الصورة البديعة ولم ينصب الفعل في جواب الاستفهام هنا في شيء من القراءات فيما نعلم وصرح غير واحد بامتناعه ، ففي البحر أنه يمتنع النصب هنا لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب ألا ترى قوله تعالى : { أَلَسْت بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] وكذلك في الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب فإذا قلت : ما تأتينا فتحدثنا بالنصب فالمعنى ما تأتينا محدثاً إنما تأتينا ولا تحدث ، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا تأتينا فكيف تحدثنا فالحديث منتف في الحالتين والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته همزة الاستفهام وينفي الجواب فيلزم من ذلك هنا إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار وهو خلاف المراد ، وأيضاً جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام شرط وجزاء ولا يصح أن يقال هنا إن تر إنزال الماء تصبح الأرض مخضرة لأن اخضرارها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك إنما هو مترتب على الإنزال اه .
وإلى انعكاس المعنى على تقدير النصب ذهب الزمخشري حيث قال : لو نصب الفعل جواباً للاستفهام لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار لكن تعقبه «صاحب الفرائد » حيث قال : لا وجه لما ذكره «صاحب الكشاف » ولا يلزم المعنى الذي ذكر بل يلزم من نصبه أن يكون مشاركاً لقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ } تابعاً له ولم يكن تابعاً لإنزال ويكون مع ناصبه مصدراً معطوفاً على المصدر التي تضمنه { أَلَمْ تَرَ } والتقدير ألم تكن لك رؤية إنزال الماء من السماء وإصباح الأرض مخضرة وهذا غير مراد من الآية بل المراد أن يكون إصباح الأرض مخضرة بإنزال الماء فيكون حصول اخضرار الأرض تابعاً للإنزال معطوفاً عليه اه وفيه بحث .
وقال «صاحب التقريب » في ذلك : إن النصب بتقدير إن وهو علم للاستقبال فيجعل الفعل مترقباً والرفع جزم بأخباره وتلخيصه أن الرفع جزم بإثباته والنصب ليس جزماً بإثباته لا أنه جزم بنفيه ، ولا يخفى أنه إن صح في نفسه لا يطابق مغزى الزمخشري ، وعلل أبو البقاء امتناع النصب بأمرين ، أحدهما انتفاء سببية المستفهم عنه لما بعد الفاء كما تقدم عن البحر ، والثاني أن الاستفهام المذكور بمعنى الخبر فلا يكون له جواب وإلى هذا ذهب الفراء فقال : { أَلَمْ تَرَ } خبر كما تقول في الكلام أعلم أن الله تعالى يفعل كذا فيكون كذا ، وقال سيبويه : وسألته يعني الخليل عن قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً } فقال هذا واجب وهو تنبيه كأنك قلت : أتسمع ؟ وفي النسخة الشرقية من الكتاب انتبه أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا .
وقال بعض المتأخرين : يجوز أن يعتبر تسبب الفعل عن النفي ثم يعتبر دخول الاستفهام التقريري فيكون المعنى حصل منك رؤية إنزال الله تعالى الماء فإصباح الأرض مخضرة لأن الاستفهام المذكور الداخل على النفي يكون في معنى نفي النفي وهو إثبات ، فإن قلت : الرؤية لا تكون سبباً لا نفياً ولا إثباتاً للاخضرار ، قلت : الرؤية مقحمة والمقصود هو الإنزال أو هي كناية عنه لأنها تلزمه مع أنه يكفي التشبيه بالسبب كما نص عليه الرضى في ما تأتينا فتحدثنا في أحد اعتباريه ، واختار هذا في الاستدلال على عدم جواز النصب أن النصب مخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية على ما قرر في علم النحو ولا يمكن ذلك في الآية الكريمة كما ترى .
وبالجملة إن الذي عليه المحققون أن من جوز النصب هنا لم يصب ، وأن المعنى المراد عليه ينقلب . وقرئ { مُخْضَرَّةً } بفتح الميم وتخفيف الضاد مثل مبقلة ومجزرة أي ذات خضرة { إِنَّ الله لَطِيفٌ } أي متفضل على العباد بإيصال منافعهم إليهم برفق ومن ذلك إنزال الماء من السماء واخضرار الأرض بسببه { خَبِيرٌ } أي عليم بدقائق الأمور ومنها مقادير مصالح عباده .
وقال ابن عباس : لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط ، وقال مقاتل : لطيف باستخراج النبات خبير بكيفية خلقه ، وقال الكلبي : لطيف بأفعاله خبير بأعمال عباده ، وقال ابن عطية : اللطيف هو المحكم للأمور برفق ، ونقل الآمدي أنه العالم بالخفيات ، وأنت تعلم أنه المعنى المشهور للخبير ، وفسره بعضهم بالمخبر ولا يناسب المقام كتفسير اللطيف بما لا تدركه الحاسة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء}، يعني: المطر، {فتصبح الأرض مخضرة} من النبات {إن الله لطيف} باستخراج النبت {خبير}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"ألَمْ تَرَ" يا محمد "أنّ اللّهَ أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً "يعني مطرا، "فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرّةً" بما ينبت فيها من النبات.
"إنّ اللّهَ لَطِيفٌ" باستخراج النبات من الأرض بذلك الماء وغير ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعه. "خَبِيرٌ" بما يحدث عن ذلك النبت من الحبّ وبه...
كأنه قيل: أعلم يا محمد أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{ألم تر} اختلف فيه: قال بعضهم: {ألم تر} إنما هو حرف تعجيب؛ يعجب رسول الله جميع ما يفعل من أفعاله. و قال بعضهم: {ألم تر} هو حرف إيضاح الحجج وإنارة براهينه كقوله: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} (الفرقان: 45) ونحوه. ثم في قوله: {أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} وجهان من الاستدلال على منكري البعث: أحدهما يخبر عن قدرته وسلطانه أن من قدر على إنزال الماء من السماء وشق الأرض وإخراج النبات منها مع لينه وضعفه وصلابة الأرض وشدتها قادر على إحياء الخلق بعد الموت، ولا يحتمل أن يعجزه شيء.
والثاني: أن من قدر على إحياء الأرض بعد مواتها ويبسها قادر على البعث والإحياء، وقد عرفوا أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، أو يقدر على الإعادة من يملك القدرة على الابتداء إذا عرف الابتداء.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" إن الله لطيف خبير "فاللطيف معناه أنه المختص بدقيق التدبير الذي لا يخفى عنه شئ ولا يتعذر عليه، فهو لطيف باستخراج النبات من الأرض بالماء، وابتداع ما يشاء."خبير "بما يحدث عنه وما يصلح له...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لَطِيفٌ} واصل علمه أو فضله إلى كل شيء. {خَبِيرٌ} بمصالح الخلق ومنافعهم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{ألم تر} تنبيه وبعده خبر {أن الله} تعالى {أنزل من السماء ماء} فظلت {الأرض} تخضر عنه، وقوله {فتصبح الأرض} بمنزلة قوله فتضحي أو فتصير عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة...
اعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل في النهار ونبه به على نعمه، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته وهي ستة... أولها: قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير}... أن المراد هو الرؤية الحقيقية، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين واخضرار النبات على الأرض مرئي،...
وثانيها: أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام...
وثالثها: المراد ألم تعلم... لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل...
{إن الله لطيف خبير}... أراد أنه رحيم بعباده، ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سببا لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع...
ومعنى {خبير} أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
هذا حث منه تعالى، وترغيب في النظر بآياته الدالات على وحدانيته، وكماله فقال: {أَلَمْ تَرَ} أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك {أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} وهو: المطر، فينزل على أرض خاشعة مجدبة، قد أغبرت أرجاؤها، ويبس ما فيها، من شجر ونبات، فتصبح مخضرة قد اكتست من كل زوج كريم، وصار لها بذلك منظر بهيج، إن الذي أحياها بعد موتها وهمودها لمحيي الموتى بعد أن كانوا رميما...
{إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} اللطيف الذي يدرك بواطن الأشياء، وخفياتها، وسرائرها، الذي يسوق إلى عبده الخير، ويدفع عنه الشر بطرق لطيفة تخفى على العباد، ومن لطفه، أنه يري عبده، عزته في انتقامه وكمال اقتداره، ثم يظهر لطفه بعد أن أشرف العبد على الهلاك، ومن لطفه، أنه يعلم مواقع القطر من الأرض، وبذور الأرض في باطنها، فيسوق ذلك الماء إلى ذلك البذر، الذي خفي على علم الخلائق فينبت منه أنواع النبات، {خَبِيرٌ} بسرائر الأمور، وخبايا الصدور، وخفايا الأمور...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ونزول الماء من السماء، ورؤية الأرض بعده مخضرة بين عشية وصباح.. ظاهرة واقعة مكرورة. قد تذهب الألفة بجدتها في النفوس. فأما حين يتفتح الحس الشاعر، فإن هذا المشهد في الأرض يستجيش في القلب شتى المشاعر والأحاسيس. وإن القلب ليحس أحيانا أن هذا النبت الصغير الطالع من سواد الطين، بخضرته وغضارته، أطفال صغار تبسم في غزارة لهذا الوجود الشائق البهيج، وتكاد من فرحتها بالنور تطير! والذي يحس على هذا النحو يستطيع أن يدرك ما في التعقيب بقوله: (إن الله لطيف خبير).. من لطف وعمق ومشاكلة للون هذا الإحساس، ولحقيقة ذلك المشهد وطبيعته. فمن اللطف الإلهي ذلك الدبيب اللطيف. دبيب النبتة الصغيرة من جوف الثرى، وهي نحيلة ضئيلة، ويد القدرة تمدها في الهواء، وتمدها بالشوق إلى الارتفاع على جاذبية الأرض وثقلة الطين.. وبالخبرة الإلهية يتم تدبير الأمر في إنزال الماء بقدر في الوقت المناسب وبالقدر المطلوب ويتم امتزاج الماء بالتربة، وبخلايا النبات الحية المتطلعة إلى الانطلاق والنور! والماء ينزل من سماء الله إلى أرضه، فينشى ء فيها الحياة، ويوفر فيها الغذاء والثراء...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
انتقال إلى التذكير بنعم الله تعالى على الناس بمناسبة ما جرى من قوله {بأن الله يولج الليل في النهار} [الحج: 62] الآية. والمقصود: التعريض بشكر الله على نعمه وأن لا يعبدوا غيره كما دلّ عليه التذييل عقب تعداد هذه النعم بقوله {إن الإنسان لكفور} [الحج: 66]، أي الإنسان المشرك. وفي ذلك كله إدماج الاستدلال على انفراده بالخلق والتدبير فهو الرب الحق المستحق للعبادة. والمناسبة هي ما جرى من أن الله هو الحق وأن ما يدْعُونه الباطل،... والخطاب لكلّ من تصلح منه الرؤية لأنّ المرئِيّ مشهور. والاستفهام: إنكاري، نزلت غفلة كثير من الناس عن الاعتبار بهذه النعمة والاعتدادِ بها منزلة عدم العلم بها، فأُنكر ذلك العدم على الناس الذين أهملوا الشكر والاعتبار...
واختير في التعبير عن النبات الذي هو مقتضى الشكر لما فيه من إقامة أقوات الناس والبهائم بذكر لونه الأخضر لأنّ ذلك اللون ممتع للأبصار فهو أيضاً مُوجب شكرٍ على ما خلق الله من جمال المصنوعات في المرأى...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
والمعنى لقد رأيت بنظرك وعلمك {أن الله أنزل من السماء ماء}، والسماء هنا ما علاك، فليست أجرام السماء من شمس وقمر وكواكب في أبراجها، وتماسكها، إنما المطر ينزل من سحاب قريبة دانية أو بعيدة قاصية، وذلك بينه قوله تعالى: {ألم تر أن الله يجزي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله... وقد وصف سبحانه الأرض بأنها مخضرة إذ اختفت طينتها، ولم تبد إلا خضرة زرعها، والاخضرار للزرع لا لها، ولكن لأنه فيها سنح أن توصف هي بالاخضرار باعتبار ما فيها، ولأنه صار لها كسوة باهرة زاهرة...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وانتقل كتاب الله مرة أخرى إلى عرض آيات الله البارزة في الأنفس والآفاق، الدالة على وجود الله ووحدانيته، وعظيم قدرته وبالغ حكمته، عسى أن يقلع المشركون عن شركهم وكفرهم، ويتراجعوا عن عدوانهم وظلمهم، ويتوبوا إلى بارئهم توبة نصوحا،... على أن الخطاب في هذه الآية موجه إلى كل إنسان، في أي زمان كان وفي أي مكان، ليتدبر آيات الله في الأنفس والآفاق ويدخل في حظيرة الإيمان...