{ إِن يَشَأْ } إن يرد إذهابكم وإيجاد آخرين { يُذْهِبْكُمْ } يفنكم ويهلككم . { أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِاخَرِينَ } أي يوجد مكانكم دفعة قوماً آخرين من البشر ، فالخطاب لنوع من الناس ، وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه " أنه لما نزل قوله تعالى : { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } [ محمد : 38 ] ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وقال : إنهم قوم هذا " وفيه نوع تأييد لما ذكر في هذه الآية ، وما نقل عن العراقي أن الضرب كان عند نزولها وحينئذ يتعين ما ذكر سهو على ما نص عليه الجلال السيوطي ، وجوز الزمخشري وابن عطية ومقلدوهما أن يكون المراد خلقاً آخرين أي جنساً غير جنس الناس ، وتعقبه أبو حيان بأنه خطأ وكونه من قبيل المجاز كما قيل لا يتم به المراد لمخالفته لاستعمال العرب فإن غيراً تقع على المغاير في جنس أو وصف ، وآخر لا يقع إلا على المغايرة بين أبعاض جنس واحد .
وفي «درّة الغواص في أوهام الخواص » أنهم يقولون : ابتعت عبداً وجارية أخرى فيوهمون فيه لأن العرب لم تصف بلفظي آخر وأخرى وجمعهما إلا ما يجانس المذكور قبله كما قال تعالى : { أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى } [ النجم : 19 ، 20 ] وقوله سبحانه : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [ البقرة : 185 ] فوصف جل اسمه مناة بالأخرى لما جانست العزى اللات ووصف الأيام بالأخر لكونها من جنس الشهر ، والأمة ليست من جنس العبد لكونها مؤنثة وهو مذكر فلم يجز لذلك أن يتصف بلفظ أخرى كما لا يقال : جاءت هند ورجل آخر ، والأصل في ذلك أن آخر من قبيل أفعل الذي يصحبه من ، ويجانس المذكور بعده كما يدل على ذلك أنك إذا قلت : قال : الفند الزماني ، وقال آخر : كان تقدير الكلام ، وقال آخر : من الشعراء وإنما حذفت لفظة من لدلالة الكلام عليها ، وكثرة استعمال آخر في النطق ، وفي «الدر المصون » إن هذا غير متفق عليه ، وإنما ذهب إليه كثير من النحاة وأهل اللغة ؛ وارتضاه نجم الأئمة الرضي إلا أنه يردّ على الزمخشري ومن معه أن آخرين صفة موصوف محذوف ، والصفة لا تقوم مقام موصوفها إلا إذا كانت خاصة نحو مررت بكاتب ، أو إذا دل الدليل على تعيين الموصوف وهنا ليست بخاصة فلا بد أن يكون من جنس الأول لتدل على المحذوف ؛ وقال ابن يسعون والصقلي وجماعة : إن العرب لا تقول : مررت برجلين وآخر لأنه إنما يقابل آخر ما كان من جنسه تثنية وجمعاً وإفراداً ، وقال ابن هشام هذا غير صحيح لقول ربيعة بن يكدم :
ولقد ( شفعتهما بآخر ثالث ) *** وأبى الفرار إلى الغداة تكرمى
وكنت أمشي على ثنتين معتدلا *** فصرت أمشيء على ( أخرى ) من الشجر
وإنما يعنون بكونه من جنس ما قبله أن يكون اسم الموصوف بآخر في اللفظ ، أو التقدير يصح وقوعه على المتقدم الذي قوبل بآخر على جهة التواطؤ ولذلك لو قلت : جاءني زيد وآخر كان سائغاً لأن التقدير ورجل آخر ، وكذا جاءني زيد وأخرى تريد نسمة أخرى ؛ وكذا اشتريت فرساً ومركوباً آخر سائغ ، وإن كان المركوب الآخر جملاً لوقوع المركوب عليهما بالتواطؤ فإن كان وقوع الاسم عليهما على جهة الإشتراك المحض فإن كانت حقيقتهما واحدة جازت المسألة نحو قام أحد الزيدين وقعد الآخر ، وإن لم تكن حقيقتهما واحدة لم تجز لأنه لم يقابل به ما هو من جنسه نحو رأيت المشتري والمشتري الآخر تريد بأحدهما الكوكب ، وبالآخر مقابل البائع ، وهل يشترط مع التواطؤ اتفاقهما في التذكير ؟ فيه خلاف ، فذهب المبرد إلى عدم اشتراطه فيجوز جاءتني جاريتك وإنسان آخر ، واشتراطه ابن جني ، والصحيح ما ذهب إليه المبرد بدليل قول عنترة :
والخيل تقتحم الغبار عوابسا *** من بين منظمة ( وآخر ينظم )
/ وما ذكر من أن آخر يقابل به ما تقدمه من جنسه هو المختار ، وإلا فقد يستعملونه من غير أن يتقدمه شيء من جنسه ، وزعم أبو الحسن أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر ، فلو قلت : جاءني آخر من غير أن تتكلم قبله بشيء من صنفه لم يجز ، ولو قلت : أكلت رغيفاً ، وهذا قميص آخر لم يحسن ، وأما قول الشاعر :
صلى على عزة الرحمن وابنتها *** ليلى وصلى على جاراتها ( الأخر )
فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها لتكون الأخرى من جنسها ، ولولا هذا التقدير لما جاز أن يعقب ذكر البنت بالجارات ، بل كان يقول : وصلى على بناتها الأخر ، وقد قوبل في البيت أيضاً أخر وهو جمع بابنتها وهو مفرد ، وزعم السهيلي أن أخرى في قوله تعالى : { ومناة الثالثة الاخرى } [ النجم : 20 ] استعملت من غير أن يتقدمها شيء من صنفها لأنه غير مناة الطاغية التي كانوا يهلون إليها بقديد ؛ فجعلها ثالثة اللاة والعزى ، وأخرى لمناة التي كان يعبدها عمرو بن الجموح وغيره من قومه مع أنه لم يتقدم لها ذكر ، والصواب أنه جعلها أخرى بالنظر إلى اللات والعزى ، وساغ ذلك لأن الموصوف بالأخرى ، وهو الثالثة يصح وقوعه على اللات والعزى ، ألا ترى أن كل واحدة منهنّ ثالثة بالنظر إلى صاحبتها ؟ وإنما اتجه ذلك لما ذكره أبو الحسن من أن استعمال آخر وأخرى من غير أن يتقدمهما صنفهما لا يجوز إلا في الشعر انتهى .
وهو تحقيق نفيس إلا أنه سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام في الآية الآتي ذكرها ، وفي «المسائل الصغرى » للأخفش في باب عقده لتحقيق هذه المسألة أن العرب لا تستعمل آخر إلا فيما هو من صنف ما قبله ، فلو قلت : أتاني صديق لك وعدو لك آخر لم يحسن لأنه لغو من الكلام ، وهو يشبه سائر وبقية وبعض في أنه لا يستعمل إلا في جنسه ، فلو قلت : ضربت رجلاً وتركت سائر النساء لم يكن كلاماً ، وقد يجوز ما امتنع بتأويل كرأيت فرساً وحماراً آخر نظراً إلى أنه دابة قال امرؤ القيس :
إذا قلت : هذا صاحبي ورضيته *** وقرت به العينان بدلت ( آخرا )
وفي الحديث : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة في مرضه فقال : أنظروا من أتكيء عليه فجاءت بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما " وحاصل هذا أنه لا يوصف بآخر إلا ما كان من جنس ما قبله لتتبين مغايرته في محل يتوهم فيه اتحاده ولو تأويلاً ، وحينئذ لا يكون ما ذكره الزمخشري نصاً في الخطأ ومخالفة استعمال العرب المعول عليه عند الجمهور { وَكَانَ الله على ذلك } أي إفنائكم بالمرة وإيجاد آخرين { قَدِيراً } بليغ القدرة لكنه سبحانه لم يفعل وأبقاكم على ما أنتم عليه من العصيان لعدم تعلق مشيئته لحكمة اقتضت ذلك لا لعجزه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{إن يشأ يذهبكم} بالموت {أيها الناس ويأت بآخرين}: بخلق غيركم أطوع منكم، {وكان الله على ذلك قديرا}: أن يذهبكم ويأت بغيركم إذا عصيتموه...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{إنْ يَشَأْ} الله أيها الناس {يُذْهِبْكُمْ} أي يذهبكم بإهلاككم وإفنائكم. {وَيأْتِ بآخَرِين}: ويأت بناس آخرين غيركم، لمؤازرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته.
{وكانَ اللّهُ على ذَلِكَ قَدِيرا}: وكان الله على إهلاككم وإفنائكم، واستبدال آخرين غيركم بكم قديرا، يعني: ذا قدرة على ذلك. وإنما وبخ جلّ ثناؤه بهذه الآيات الخائنين الذين خانوا الدرع التي وصفنا شأنها، الذين ذكرهم الله في قوله: {وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما} وحذّر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم، وأن يفعلوا فعل المرتدّ منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين، وعرّفهم أن من فعل فعله منهم فلن يضرّ إلا نفسه ولن يوبق بردّته غير نفسه، لأنه المحتاج مع جميع ما في السموات وما في الأرض إلى الله، والله الغنيّ عنهم. ثم توعدهم في قوله: {إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيّها النّاسُ وَيأْتِ بآخَرينَ} بالهلاك والاستئصال إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق طعمة المرتدّ، وباستبدال آخرين غيرهم بهم لنصرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته ومؤازرته على دينه، كما قال في الآية الأخرى: {وَإنْ تَتَوَلّوْا يَسْتَبْدل قَوْما غَيْرَكُمْ ثُمّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ}.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} والله أعلم، أي من له ما في السماوات وما في الأرض يقدر أن يذهبكم أي يهلككم {ويأت بآخرين} أخير منكم وأخوف وأطوع الله منكم. لكنه لا يفعل لأنه غني عن عبادتكم وطاعتكم. لم يخلقكم في الابتداء لحاجته في عبادتكم ولمنفعة له، ولكن لحاجة أنفسكم ومنافعكم...
ثم يحتمل قوله عز وجل {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} في قوم خاص كما في الأمم الخالية من الإهلاك عند المعاندة والمكابرة...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يفنكم ويعدمكم كما أوجدكم وأنشأكم {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} ويوجد إنساً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس {وَكَانَ الله على ذلك} من الإعدام والإيجاد {قَدِيراً} بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده، وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره. وقيل: هو خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب. أي: إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره...
والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} ظاهره أنّ الخطاب لمن تقدم له الخطاب أولاً...
وقد يظهر العموم فيكون خطاباً للعالم الحاضر الذي يتوجه إليه الخطاب والنداء...
أتى بصيغة المبالغة في القدرة، لأنه تعالى لا يمتنع عليه شيء أراده، وهذا غضب عليهم وتخويف، وبيان لاقتداره...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{إن يشأ يذهبكم أيها الناس} إذا علمتم أيها الناس أن لله ما في السماوات وما في الأرض يتصرف فيه كيف شاء فاعلموا أنه إن يشأ أن يذهبكم بعذاب ينزله بكم أو أمة قوية يسلطها عليكم فتسلب استقلالكم حتى تجعلكم عبيدا أو كالعبيد لها لا تستطيعون أن تقوموا بمصالحكم ومنافعكم التي بها وحدتكم فإن يذهبكم {ويأت بآخرين} يحلون محلكم في الوجود أو الحكم والتصرف...
[والآية] تنبيه للناس وتوجيه لأفكارهم إلى التأمل في سننه تعالى بحياة الأمم وموتها وكون هذه السنن إذا تعلقت بها المشيئة لا مرد لها {وكان الله على كل ذلك قديرا} لأن بيده ملكوت كل شيء...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهو قادر على أن يذهب بهم ويستبدل قوما غيرهم، إنما هو يوصيهم بالتقوى لصلاحهم هم، ولصلاح حالهم. وبقدر ما يقرر الإسلام كرامة الإنسان على الله؛ وتكريمه على كل ما في الأرض، وكل من في الكون.. بقدر ما يقرر هو أنه على الله حين يكفر به، ويعتو وتجبر، ويدعي خصائص الألوهية بغير حق.. فهذه كفاء تلك في التصور الإسلامي، وفي حقيقة الأمر والواقع كذلك..
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{وكان الله على ذلك قديرا} أي أن الله سبحانه وتعالى قدير على ذلك التغيير والتبديل الذي تستغربونه وتستبعدونه وقد قدم الجار والمجرور وهو قوله {على ذلك} لموضع الاهتمام وهو التغيير والتبديل الذي يستبعدونه لفرط إحساس المشركين بقوتهم وغرورهم بدولتهم واستضعافهم لشأن المؤمنين الصادقين...