{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } خطاب للمسلمين كافة فمعنى قوله تعالى : { ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذى نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } أثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه ، وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي ، وقيل : الخطاب لهم ، والمراد ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقيناً ، أو : آمنوا بما ذكر مفصلاً بناءاً على أن إيمان بعضهم إجمالي ، وأياً مّا كان فلا يلزم تحصيل الحاصل ، وقيل : الخطاب للمنافقين المؤمنين ظاهراً فمعنى { ءامَنُواْ } أخلصوا الإيمان ، واختاره الزجاج وغيره . وقيل : لمؤمني اليهود خاصة ، ويؤيده ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وابن أخت عبد الله بن سلام ويامين بن يامين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل آمنوا بالله تعالى ومحمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله فقالوا : لا نفعل » فنزلت فآمنوا كلهم ، وقيل : لمؤمني أهل الكتابين ، وروي ذلك عن الضحاك ، وقيل : للمشركين المؤمنين باللات والعزى ، وقيل : لجميع الخلق لإيمانهم يوم أخذ الميثاق حين قال لهم سبحانه : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] والكتاب الأول القرآن ، والمراد من الكتاب الثاني الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية ، ويدل عليه قوله تعالى فيما بعد : { وَكُتُبِهِ } والمراد بالإيمان بها الإيمان بها في ضمن الإيمان بالكتاب المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم على معنى أن الإيمان بكل واحد منها مندرج تحت الإيمان بذلك الكتاب ، وأن أحكام كل منها كانت حقة ثابتة يجب الأخذ بها إلى ورود ما نسخها ، وأن ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه ولا تغيير يعتريه . ومن هنا يعلم أن أمر مؤمني أهل الكتاب بالإيمان بكتابهم بناءاً على أن الخطاب لهم ليس على معنى الثبات لأن هذا النحو من الإيمان غير حاصل لهم وهو المقصود ، ولا حاجة إلى القول بأن متعلق الأمر حقيقة هو الإيمان بما عداه كأنه قيل : آمنوا بالكل ولا تخصوه بالبعض ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو نزل وأنزل على البناء للمفعول ، واستعمال نزل أولاً وأنزل ثانياً لأن القرآن نزل مفرقاً بالإجماع ، وكان تمامه في ثلاث وعشرين سنة على الصحيح ولا كذلك غيره من الكتب فتذكر .
{ وَمَن يَكْفُرْ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الاخر } أي بشيء من ذلك فإن الحكم المتعلق بالأمور المتعاطفة بالواو كما قال العلامة الثاني قد يرجع إلى كل واحد ، وقد يرجع إلى المجموع ، والتعويل على القرائن ، وههنا قد دلت القرينة على الأول لأن الإيمان بالكل واجب والكل ينتفي بانتفاء البعض ومثل هذا ليس من جعل الواو بمعنى أو في شيء ، وجوز بعضهم رجوعه إلى المجموع لوصف الضلال بغاية البعد في قوله تعالى : { فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } ويستفاد منه أن الكفر بأي بعض كان ضلال متصف ببعد والمشهور أن المراد بالضلال البعيد الضلال البعيد عن المقصد بحيث لا يكاد يعود المتصف به إلى طريقه ، ويجوز أن يراد ضلالاً بعيداً عن الوقوع ، والجملة الشرطية تذييل للكلام السابق وتأكيد له ، وزيادة الملائكة واليوم الآخر في جانب الكفر على ما ذكره شيخ الإسلام لما أن بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمان أصلاً ، وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل ، وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلاً عليه ، وتقديم الملائكة والكتب على الرسل لأنهم وسائط بين الله عز وجل وبين الرسل في إنزال الكتب ، وقيل : اختلاف الترتيب في الموضعين من باب التفنن في الأساليب والزيادة في الثاني لمجرد المبالغة ، وقرىء بكتابه على إرادة الجنس .
( هذا ومن باب الإشارة ) : ثم قال جل وعلا : { يا أيها الذين آمنوا } من حيث البرهان { ءامَنُواْ } [ النساء : 136 ] من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث العيان أو : { يا أيها الذين آمنوا } بالإيمان التقليدي { ءامَنُواْ } بالإيمان العيني ، أو المراد يا أيها المدعون تجريد الإيمان لي من غير وساطة لا سبيل لكم إلى الوصول إلى عين التجريد إلا بقبول الوسائط ، فالآية إشارة إلى الفرق بعد الجمع
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يا أيها الذين آمنوا}، نزلت في مؤمني أهل الكتاب، كان بينهم وبين اليهود كلام لما أسلموا، قالوا: نؤمن بكتاب محمد صلى الله عليه وسلم ونكفر بما سواه، فقال تعالى: {آمنوا بالله} وصدقوا بتوحيد الله عز وجل، {ورسوله}، أي وصدقوا برسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، {والكتاب الذي نزل على رسوله}، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم {والكتاب الذي أنزل من قبل} نزول كتاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر كفار أهل الكتاب، فحذرهم الآخرة، يعني البعث، فقال الله تعالى ذكره: {ومن يكفر بالله}: بتوحيد الله، {وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر}: البعث الذي فيه جزاء الأعمال، {فقد ضل} عن الهدى، {ضلالا بعيدا}، وبما أعد الله عز وجل من الثواب والعقاب...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا}: بمن قَبل محمد من الأنبياء والرسل، وصدّقوا بما جاءوهم به من عند الله.
{آمِنُوا باللّهِ وَرَسُولِهِ}: صدّقوا بالله، وبمحمد رسوله، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم.
{والكِتابِ الّذِي نَزّلَ على رَسُولِهِ}: وصدّقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن.
{وَالكِتابِ الّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}: وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزّله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل.
فإن قال قائل: وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه وقد سماهم مؤمنين؟ قيل: إنه جلّ ثناؤه لم يسمهم مؤمنين، وإنما وصفهم بأنهم آمنوا، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق، وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدّقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذّبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما¹، وصنف أهل إنجيل وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان. فقال جلّ ثناؤه لهم: {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا}: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل، {آمِنُوا باللّهِ وَرَسُولِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم، {والكِتابِ الّذِين نَزّلَ على رَسُولِهِ} فإنكم قد علمتم أن محمدا رسول الله تجدون صفته في كتبكم، {وَبالكِتابِ الّذِين أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} الذي تزعمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذّبون، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به، فآمنوا بكتابكم في اتباعكم محمدا، وإلا فأنتم به كافرون. فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله: {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا}.
{وَمَنْ يَكْفُرْ باللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ}: ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيجحد نبوّته، فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاَخر، لأن جحود الشيء من ذلك بمعنى جحوده جميعه¹ وذلك لأنه لا يصحّ إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه، فلذلك قال: {وَمَنْ يَكْفُرْ باللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ} بعقب خطابه أهل الكتاب، وأمره إياهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم تهديدا منه لهم، وهم مقرّون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الاَخر سوى محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الفرقان.
{فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً بَعِيدا}: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهابا وجورا بعيدا، لأن كفر من كفر بذلك خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله: الهلاك الذي فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يحتمل قوله عز وجل: {آمنوا بالله ورسوله} وجوها: يحتمل: {يا أيها الذين آمنوا} في ما مضى من الوقت
{آمنوا} في حادث الوقت. ويحتمل: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} أي اثبتوا عليه. ويحتمل: {يا أيها الذين آمنوا} بألسنتكم {آمنوا} بقلوبكم كقوله تعالى: {قالوا آمنا بأفواههم ولو تؤمن قلوبهم} (المائدة: 41).
ويحتمل: {يا أيها الذين آمنوا} عند ربهم للبأس والعذاب {آمنوا} في الحقيقة كقوله تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} (غافر: 84). ويحتمل وجها آخر قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} ببعض الرسل، (آمِنُوا) بالرسل كلهم كما آمن المؤمنون؛ كقوله تعالى: {لا نفرق بين أحد منهم} (البقرة: 136) وهم كانوا يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض. ويحتمل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن يبعث {آمنوا} به حين بعث لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث، فلما بعث تركوا الإيمان به كقوله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} (البقرة: 89)...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
يقال: يا أيها الذين آمنوا تصديقاً آمنوا تحقيقاً بأن نجاتكم بفضله لا بإيمانكم. ويقال: يا أيها الذين آمنوا في الحال آمنوا باستدامة الإيمان إلى المآل...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{ياأيها الذين ءَامَنُواْ} خطاب للمسلمين. {ءامِنُواْ}: اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه. {والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ} المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب، والدليل عليه قوله: {وَكُتُبِهِ} [و] قرئ: «وكتابه» على إرادة الجنس.
فإن قلت: كيف قيل لأهل الكتاب {والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ} وكانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؟ قلت: كانوا مؤمنين بهما فحسب، وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب، فأمروا أن يؤمنوا بالجنس كله، ولأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيماناً به، لأن طريق الإيمان به هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه علم أنهم لم يعتبروا المعجزة، فلم يكن إيمانهم إيماناً. وهذا الذي أراد عز وجلّ في قوله: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً} [النساء: 150].
فإن قلت: لم قيل (نَزَّل على رسوله) و (أنزل من قبل)؟ قلت: لأن القرآن نزل مفرّقاً منجماً في عشرين سنة، بخلاف الكتب قبله. ومعنى قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بالله...}: ومن يكفر بشيء من ذلك {فَقَدْ ضَلَّ} لأن الكفر ببعضه كفر بكله. ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعاً.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{والكتاب} المذكور أولاً هو القرآن، والمذكور ثانياً هو اسم جنس لكل ما نزل من الكتاب، وقوله تعالى: {ومن يكفر بالله} إلى آخر الآية وعيد وخبر، مضمنة تحذير المؤمنين من حالة الكفر...
في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان:
الأول: أنها متصلة بقوله: {كونوا قوامين بالقسط} وذلك لأن الإنسان لا يكون قائما بالقسط إلا إذا كان راسخ القدم في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية. وثانيهما: أنه تعالى لما بين الأحكام الكثيرة في هذه السورة ذكر عقيبها آية الأمر بالإيمان...
{يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله}... [بمعنى] يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد آمنوا على سبيل الاستدلال... [أو] يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات الجملية آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية...
[و] اعلم أنه أمر في هذه الآية بالإيمان بأربعة أشياء:
وثالثها: بالكتاب الذي نزل على رسوله،
ورابعها: بالكتاب الذي أنزل من قبل.
وخامسها: الكفر باليوم الآخر...
السؤال الأول: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب، وفي مراتب الكفر قلب القضية؟
الجواب: لأن في مرتبة النزول من معرفة الخالق إلى الخلق كان الكتاب مقدما على الرسول وفي مرتبة العروج من الخلق إلى الخالق يكون الرسول مقدما على الكتاب. السؤال الثاني: لم ذكر في مراتب الإيمان أمورا ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسول وبالكتب، وذكر في مراتب الكفر أمورا خمسة: الكفر بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر.
والجواب: أن الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب متى حصل فقد حصل الإيمان بالملائكة واليوم الآخر لا محالة، إذ ربما ادعى الإنسان أنه يؤمن بالله وبالرسل وبالكتب، ثم إنه ينكر الملائكة وينكر اليوم الآخر، ويزعم أنه يجعل الآيات الواردة في الملائكة وفي اليوم الآخر محمولة على التأويل، فلما كان هذا الاحتمال قائما لا جرم نص أن منكر الملائكة ومنكر القيامة كافر بالله...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
لما كان خير الإيمان علق بثلاثة: بالله، والرسول، والكتب، لأن الإيمان بالكتب تضمن الإيمان بالملائكة واليوم الآخر، وبولغ في ذلك لأن الملك مغيب عنا، وكذلك اليوم الآخر لم يقع وهو منتظر، فنص عليهما على سبيل التوكيد، ولئلا يتأولهما متأول على خلاف ما هما عليه...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما أمر بالعدل على هذا الوجه أمر بالحامل على ذلك، وهو الإيمان بالشارع والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه المبين لسرائره الذي افتتح القصة بحقيته وبيان فائدته فقال: {يا أيها الذين ءامنوا} أي أقروا بالإيمان؛ ولما ناداهم بوصف الإيمان أمرهم بما لا يحصل إلا به فقال مفصلاً له: {ءامنوا بالله} أي لأنه أهل لذلك لذاته المستجمع لجميع صفات الكمال كلها. ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا بالإيمان بالوسائط، وكان أقرب الوسائط إلى الإنسان الرسول قال: {ورسوله} أي لأنه المبلغ عنه سواء كان من الملك أو البشر {والكتاب الذي نزل} أي مفرقاً بحسب المصالح تدريجاً تثبيتاً وتفهيماً {على رسوله} أي لأنه المفصل لشريعتكم المتكفل بما تحتاجون إليه من الأحكام والمواعظ وجميع ما يصلحكم، وهو القرآن الواصل إليكم بواسطة أشرف الخلق {والكتاب الذي أنزل} أي أوجد إنزاله ومضى؛ ولما لم يكن إنزاله مستغرقاً للزمان الماضي بين المراد بقوله: {من قبل} من الإنجيل والزبور والتوراة وغيرها لأن رسولكم بلغكم ذلك فلا يحصل الإيمان إلا بتصديقه في كل ما يقوله...
ولما كان التقدير: فمن آمن بذلك فقد اهتدى وآمن قطعاً بالملائكة واليوم الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب والرسول، عطف عليه قوله: {ومن يكفر} أي يوجد الكفر ويجدده وقتاً من الأوقات {بالله وملائكته وكتبه} أي التي أنزلها على أنبيائه بواسطة ملائكته أو بغير واسطة {ورسله} أي من الملائكة والبشر، فكان الإيمان بالترقي للاحتياج إليه، وكان الكفر بالتدلي للاجتراء عليه. ولما كان الإيمان بالبعث -وإن كان أظهر شيء- مما لا تستقل به العقول فلا تصل إليه إلا بالرسل، ذكره بعدهم فقال: {واليوم الآخر} أي الذي أخبرت به رسله، وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستقل بإدراكه قبل تنبيه الرسل لها عليه، وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده، فيه تكشف الحقائق وتجمع الخلائق، ويظهر شمول العلم وتمام القدرة و يبسط ظل العدل وتجتني ثمرات الفضل...
تيسير التفسير لاطفيش 1332 هـ :
خُصَّ القرآن لفضله على غيره، فإنه يذكر الخاص بعد العام، والعام بعد الخاص لمزية في الخاص...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
جمهور المفسرين على أن الخطاب فيها للمؤمنين كافة أمرهم الله أن يجمعوا بين الإيمان به وبرسوله الأعظم خاتم النبيين والقرآن الذي نزله عليه وبين الإيمان بجنس الكتب التي نزلها على رسله من قبل بعثه خاتم النبيين بأن يعلموا أن الله قد بعث قبله رسلا، وأنزل عليهم كتبا، وأنه لم يترك عباده في الزمن الماضي سدى، محرومين من البينات والهدى، ولا يقتضي ذلك أن يعرفوا أعيان تلك الكتب ولا أن تكون موجودة، ولا أن يكون الموجود منها صحيحا غير محرف، وإذا كان المتبادر من الآية هو الأمر بالجمع بين الإيمان بالنبي الخاتم والكتاب الآخر، وبين ما قبله كما قلنا فلا حاجة في جعل {آمنوا} بمعنى أثبتوا وداوموا على الإيمان بذلك كما قالوا، فليس المقام مقام الأمر بالمواظبة والمداومة، سواء أصح ما ورد في سبب النزول أم لم يصح.
ولما أمر بالإيمان بكل ما ذكر توعد على الكفر بأي شيء منه فقال: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} فالإيمان بالله هو الركن الأول والإيمان بجنس الملائكة الذين يحملون الوحي إلى الرسل هو الركن الثاني، والإيمان بجنس الكتب التي نزل بها الملائكة على الرسل هو الركن الثالث، والإيمان بجنس الرسل الذين بلغتهم الملائكة تلك الكتب فبلغوها الناس هو الركن الرابع، والإيمان باليوم الآخر الذي يجزى فيه المكلفون على عملهم بتلك الكتب مع الإيمان بما ذكر كل بحسب كتابه إلا أن ينسخ بما بعده هو الركن الخامس، ومن فرق بين كتب الله ورسله فآمن ببعض وكفر ببعض كاليهود والنصارى لا يعتد بإيمانه لأنه متبع للهوى فيه أو للتقليد الذي هو عين الجهل، وقد وصف الله خاتم رسله وأمته التي هي خير الأمم بقوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة:285].
ولولا التقليد الذي هو جهل وعمى، أو التعصب واتباع الهوى، لما كان يعقل أن يفهم أحد معنى النبوة والرسالة ويؤمن بموسى أو عيسى عن علم وبصيرة بذلك ثم يكفر بمحمد صلى الله عليه وعليهما وسلم، فإن سر الرسالة هو الهداية ولم يكن موسى ولا عيسى أهدى من محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، فمن يكفر بالله أو بملائكته أو ببعض كتبه أو رسله أو اليوم الآخر فقد ضل عن صراط الحق الصحيح الذي ينجي صاحبه في الآخرة من العذاب الأليم، ويمتعه بالنعيم المقيم، لأنه إذا كفر ببعض تلك الأركان بجحود أصله وإنكاره البتة كانت حياته في هذه الدنيا حيوانية محضة، لا يزكي نفسه ولا يعد روحه للحياة الباقية الأبدية، وإن كفر ببعض الكتب والرسل كان كفره بها دليلا على أنه لم يؤمن بشيء منها إيمانا صحيحا مبنيا على فهم معناها والبصيرة بحكمتها كما بينا ذلك آنفا، وكل ذلك من الضلال البعيد عن طريق الهداية ومحجة السلامة، وإنما بعده عنها جهل صاحبه لوجودها، ومن جهل وجود الشيء لا يطلبه بالبحث عن بيناته، وطلب أعلامه وآياته، وأما من ضل عن الشيء وهو يؤمن بوجوده، فإنه يبحث عنه ويستدل عليه حتى يصل إليه، فيكون ضلاله قريبا. ووصف الضلال بالبعيد من أبلغ الوصف وأعلاه. وقد وحد لفظ الكتاب في أول الآية ليناسب لفظ الرسول المفرد، وجمعه في آخرها ليناسب جمع الرسل.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمرا له في الدخول فيه... وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد... ويقتضي أيضا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
بيان لعناصر الإيمان التي يجب أن يؤمن بها الذين آمنوا. بيان للتصور الإسلامي الاعتقادي: فهو إيمان بالله ورسوله. يصل قلوب المؤمنين بربهم الذي خلقهم، وأرسل إليهم من يهديهم إليه، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وإيمان برسالة الرسول وتصديقه في كل ما ينقله لهم عن ربهم الذي أرسله. وهو إيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله. يربطهم بالمنهج الذي اختاره الله لحياتهم وبينه لهم في هذا الكتاب؛ والأخذ بكل ما فيه، بما أن مصدره واحد، وطريقه واحد؛ وليس بعضه بأحق من بعضه بالتلقي والقبول والطاعة والتنفيذ. وهو إيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل. بما أن مصدر الكتب كلها واحد هو الله... والإيمان بالكتاب كله -بوصف أن الكتب كلها كتاب واحد في الحقيقة- هو السمة التي تنفرد بها هذه الأمة المسلمة...
وبعد الأمر بالإيمان، يجيء التهديد على الكفر بعناصر الإيمان، مع التفصيل فيها في موضع البيان قبل العقاب: (ومن يكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فقد ضل ضلالا بعيدًا)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
تذييل عُقّب به أمر المؤمنين بأن يكونوا قوّامين بالقسط شهداء لله، فأمرهم الله عقب ذلك بما هو جامع لمعاني القيام بالقسط والشهادة لله: بأن يؤمنوا بالله ورُسُلِه وكُتبه، ويدُوموا على إيمانهم، ويَحذروا مَساربَ ما يخلّ بذلك...
وجاء في صلة وصف الكتاب {الذي نَزّل على رسوله} بصيغة التفعيل، وفي صلة الكتاب {الذي أنزل من قبل} بصيغة الإفعال تفنّنا، أو لأنّ القرآن حينئذٍ بصدد النزول نجوماً، والتوراة يومئذٍ قد انقضى نزولها...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
هذه الآية تدل على وحدة الرسالة النبوية إلى الخليقة إذ إن لبها هو الإيمان بالله ورسله وملائكته والكتب التي أنزلت على رسله وأن المتأخرين يجب عليهم أن يؤمنوا بما جاء به السابقون لهم، لأن الرسالة الإلهية سلسلة متصلة الحلقات، كل حلقة منها تالية لسابقتها، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن صرح النبوة واحد"، الرسالة المحمدية آخر جزء لذلك الصرح الشامخ، وبها تمامه وكماله...
" يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله "لأن الإنسان إن آمن بالله فقط، فهذا يقتضي أن يبحث المؤمن بالله عن مطلوب الله ومطلوب الله إنما جاء به رسول. لذلك فالإيمان بالله يقضي أن يؤمن الإنسان برسول... إذن فالقمة الإيمانية هي أن تؤمن بالله، ولازمها أن تؤمن برسول الله وأن تؤمن بكتاب مع الرسول وأن تؤمن بما يقوله الله عن خلق لا تستطيع أن تدركهم كالملائكة وهذا الأمر بالإيمان هو مطلوب من أهل الكتاب لأنهم آمنوا برسلهم، ويطلب منهم أن يؤمنوا برسول الله وبما أنزل عليه...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
يتبيّن من سبب النّزول أنّ الكلام في الآية موجه إِلى جمع من مؤمني أهل الكتاب الذين قبلوا الإِسلام، ولكنهم لعصبيات خاصّة أبوا أن يؤمنوا بما جاء قبل الإِسلام من أنبياء وكتب سماوية غير الدين الذي كانوا عليه، فجاءت الآية توصيهم بضرورة الإِيمان والإِقرار والاعتراف بجميع الأنبياء والمرسلين والكتب السماوية، لأنّ هؤلاء جميعاً يسيرون نحو هدف واحد، وهم مبعوثون من مبدأ واحد (علماً بأن لكل واحد منهم مرتبة خاصّة به، فكل واحد منهم جاء ليكمل ما أتى به النّبي أو الرّسول الذي سبقه من شريعة ودين).
ولذلك فلا معنى لقبول البعض وإِنكار البعض الآخر من هؤلاء الأنبياء والرسل، فالحقيقة الواحدة لا يمكن التفريق بين أجزائها، وأنّ العصبيات ليس بإِمكانها الوقوف أمام الحقائق، لذلك تقول الآية الكريمة: (يا أيّها الذين آمنوا آمِنوا باللّه ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل...).
وبغض النظر عن سبب النّزول المذكور، فإِنّنا لدى تفسيرنا لهذه الآية نحتمل أن يكون الخطاب موجهاً فيها لعامّة المؤمنين، اُولئك الذين اعتنقوا الإِسلام إِلاّ أنّه لم يتغلغل بعد في أعماق قلوبهم، ولهذا السبب يطلب منهم أن يكونوا مؤمنين من أعماقهم.
كما يوجد احتمال آخر، وهو أنّ الكلام في هذه الآية موجه لجميع المؤمنين الذين آمنوا بصورة إِجمالية بالله والأنبياء، إِلاّ أنّهم ما زالوا لم يتعرفوا على جزئيات وتفاصيل العقائد الإِسلامية.
ومن هذا المنطلق يبيّن القرآن أنّ المؤمنين الحقيقيين يجب أن يعتقدوا بجميع الأنبياء والكتب السماوية السابقة وملائكة الله، لأن عدم الإِيمان بالمذكورين يعطي مفهوم إِنكار حكمة الله، فهل يمكن أن يترك الله الحكيم الملل السابقة بدون قائد أو زعيم يرشدهم في حياتهم؟!
وهل أنّ الملائكة المعنيين بالآية هم ملائكة الوحي فقط الذين يعد الإِيمان بهم جزءاً لا يتجزأ من الإِيمان الضروري بالأنبياء والكتب السماوية، أو أنّهم جميع الملائكة؟ فكما أن بعض الملائكة مكلّفون بأمر الوحي والتشريع، يلتزم جمع آخر منهم بتدبير وإِرادة عالم الكون والخليقة؛ وإِن الإِيمان بهم في الحقيقة جزء من الإِيمان بالله سبحانه وتعالى وقد بيّنت الآية في آخرها مصير الذين يجهلون هذه الحقائق، حيث قالت: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيداً).
وفي هذه الآية اعتبر الإِيمان واجباً وضرورياً بخمسة مبادئ، فبالإِضافة إِلى ضرورة الإِيمان بالمبدأ والمعاد، فإن الإِيمان لازم وضروري بالنسبة إِلى الكتب السماوية والأنبياء والملائكة.
إِنّ عبارة «ضلال بعيد» عبارة دقيقة، وتعني أنّ الذين لا يؤمنون بالمبادئ الخمسة المارة الذكر، قد انجرفوا خارج الصراط أو الطريق المبدئي، وأن عودتهم إِلى هذا الطريق لا تتحقق بسهولة.