روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

{ فَإِنْ عُثِرَ } أي اطلع يقال عثر الرجل على الشيء عثوراً إذا اطلع عليه . وقال الغوري : تقول عثرت إذا اطلعت على ما كان خفياً وهو مجاز بحسب الأصل من قولهم : عثر إذا كبا وذلك أن العاثر ينظر إلى موضع عثاره فيعرفه ويطلع عليه ، وقال الليث : إن مصدر عثر بمعنى اطلع العثور وبمعنى كبا العثار وحينئذ يخفى القول بالمجاز لأن اختلاف المصدر ينافيه فلا تتأتى تلك الدعوى إلا على ما قاله الراغب من اتحاد المصدرين ، وفي «القاموس » «عثر كضرب ونصر وعِلم وكُرم عَثْراً وعَثِيراً وعِثاراً كبا . والعثور الإطلاع كالعثر » وظاهر هذا أن لا مجاز . ويفهم منه أيضاً الاتحاد في بعض المصادر فافهم ، والمراد فإن عثر بعد التحليف .

{ على أَنَّهُمَا } أي الشاهدين الحالفين { استحقا إِثْماً } أي فعلاً ما يوجبه من تحريف وكتم بأن ظهر بأيديهما شيء من التركة وادعيا استحقاقهما له بوجه من الوجوه ، وقال الجبائي : الكلام على حذف مضاف أي استحقا عقوبة إثم { فَآخَرَانِ } أي فرجلان آخران . وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } والفاء جزائية وهي إحدى مصوغات الابتداء بالنكرة . ولا محذور في الفصل بالخبر بين المبتدأ وصفته وهو قوله سبحانه : { مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الاوليان } ، وقيل : هو خبر مبتدأ محذوف أي فالشاهدان آخران ، وجملة { يِقُومَانُ } صفته والجار والمجرور صفة أخرى ؛ وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من ضمير { يِقُومَانُ } ، وقيل : هو فاعل فعل محذوف أي فليشهد آخران وما بعده صفة له ، وقيل : مبتدأ خبره الجار والمجرور ، والجملة الفعلية صفته وضمير { مَقَامَهُمَا } في جميع هذه الأوجه مستحق للذين استحقا . وليس المراد بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم يؤدياها كما هي بل هو مقام الحبس والتحليف ، و { استحق } بالبناء للفاعل قراءة عاصم في رواية حفص عنه وبها قرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأبي رضي الله تعالى عنهم وفاعله { الاوليان } ، والمراد من الموصول أهل الميت ومن الأوليين الأقربان إليه الوارثان له الأحقان بالشهادة لقربهما واطلاعهما وهما في الحقيقة الآخران القائمان مقام اللذين استحقا إثماً إلا أنه أقيم المظهر مقام ضميرهما للتنبيه على وصفهما بهذا الوصف .

/ ومفعول { استحق } محذوف واختلفوا في تقديره فقدره الزمخشري أن يجردوهما للقيام بالشهادة ليظهروا بهما كذب الكاذبين ، وقدره أبو البقاء وصيتهما ، وقدره ابن عطية ما لهم وتركتهم . وقال الإمام : إن المراد بالأوليان الوصيان اللذان ظهرت خيانتهما . وسبب أولويتهما أن الميت عينهما للوصية فمعنى { استحق عَلَيْهِمُ الاوليان } خان في مالهم وجنى عليهم الوصيان اللذان عثر على خيانتهما . وعلى هذا لا ضرورة إلى القول بحذف المفعول ، وقرأ الجمهور { استحق عَلَيْهِمُ الاوليان } ببناء استحق للمفعول .

واختلفوا في مرجع ضميره والأكثرون أنه الإثم ، والمراد من الموصول الورثة لأن استحقاق الإثم عليهم كناية عن الجناية عليهم ولا شك أن الذين جنى عليهم وارتكب الذنب بالقياس إليهم هم الورثة ، وقيل : إنه الإيصاء ، وقيل : الوصية لتأويلها بما ذكر ، وقيل : المال ، وقيل : إن الفعل مسند إلى الجار والمجرور ، وكذا اختلفوا في توجيه رفع { الاوليان } فقيل : إنه مبتدأ خبره آخران أي الأوليان بأمر بالميت آخران ، وقيل : بالعكس ، واعترض بأن فيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة وهو مما اتفق على منعه في مثله ، وقيل : خبر مبتدأ مقدر أي هما الآخران على الاستئناف البياني ، وقيل : بدل من آخران ، وقيل : عطف بيان عليه ، ويلزمه عدم اتفاق البيان والمبين في التعريف والتنكير مع أنهما شرطوه فيه حتى من جوز تنكيره ، نعم نقل عن نزر عدم الاشتراط ، وقيل : هو بدل من فاعل { يِقُومَانُ } . وكون المبدل منه في حكم الطرح ليس من كل الوجوه حتى يلزم خلو تلك الجملة الواقعة خبراً أو صفة عن الضمير ، على أنه لو طرح وقام هذا مقامه كان من وضع الظاهر موضع الضمير فيكون رابطاً . وقيل : هو صفة آخران ، وفيه وصف النكرة بالمعرفة . والأخفش أجازه هنا لأن النكرة بالوصف قربت من المعرفة . قيل : وهذا على عكس :

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** فإنه يؤول فيه المعرفة بالنكرة وهذا أول فيه النكرة بالمعرفة أو جعلت في حكمها للوصف ، ويمكن كما قال بعض المحققين أن يكون منه بأن يجعل الأوليان لعدم تعينهما كالنكرة . وعن أبي علي الفارسي أنه نائب فاعل { استحق } والمراد على هذا استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة كما قال الزمخشري أو إثم الأوليين كما قيل وهو تثنية الأولى قلبت ألفه ياء عندها ، وفي على في { عَلَيْهِمْ } أوجه الأول : أنها على بابها . والثاني : أنها بمعنى في . والثالث : أنها بمعنى من وفسر { استحق } بطلب الحق وبحق وغلب وقرأ يعقوب وخلف وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر عنه { استحق عَلَيْهِمُ * الاولين } ببناء استحق للمفعول ، والأولين جمع أول المقابل للآخر وهو مجرور على أنه صفة { الذين } أو بدل منه أو من ضمير { عَلَيْهِمْ } أو منصوب على المدح ، ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة . وقيل : التقدم في الذكر لدخولهم في { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } . وقرأ الحسن { *الأولان } بالرفع وهو كما قدمنا في الأوليان ؛ وقرىء «الأولين » بالتثنية والنصب ، وقرأ ابن سيرين { *الأوليين } بياءين تثنية أولى منصوباً ، وقرىء { أساطير الاولين } بسكون الواو وفتح اللام جمع أولى كأعلين وإعراب ذلك ظاهر .

{ فَيُقْسِمَانِ بالله } عطف على { يِقُومَانُ } والسببية ظاهرة . وقوله سبحانه { لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما } جواب القسم .

والمراد بالشهادة عند الكثير ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اليمين كما في قوله عز وجل : { فشهادة أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات بالله } [ النور : 6 ] وسميت اليمين شهادة على ما قاله الطبرسي «لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك » أي ليميننا على أنهما كاذبان فيما ادعيا من الاستحقاق مع كونها حقة صادقة في نفسها أولى بالقبول من يمينهما مع كونها كاذبة في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم ويميننا منزهة عن الريب والريبة وصيغة التفضيل إنما هي لإمكان قبول يمينهما في الجملة باعتبار صدقهما في ادعاء تملكهما لما ظهر في أيديهما ، وقيل : إن الشهادة على معناها المتبادر عند الإطلاق ، وسيأتي إن شاء الله تعالى عن بعض المحققين غير ذلك .

وقوله عز شأنه : { وَمَا اعتدينا } عطف على الجواب أي ما تجاوزنا في شهادتنا الحق وما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما . وقوله تعالى : { إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين } استئناف مقرر لما قبله أي إنا إذا اعتدينا فيما ذكر لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه أو لمن الواضعين الحق في غير موضعه ، ومعنى الآيتين عند غير واحد من المفسرين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي دينه أو نسبه فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ، ثم إن وقع ارتياب في صدقهما أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت فإن اطلع على كذبهما بأمارة حلف آخران من أهل الميت . وادعى أن الحكم منسوخ إذا كان الإثنان شاهدين فإنه لا يحلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث ، وقيل : إن التحليف لم ينسخ لكنه مشروط بالريبة .

وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما ، وفي بعض كتب الحنفية أن الشاهد إن لم يجد من يزكيه يجوز تحليفه احتياطاً وهذا خلاف المفتى به كما بسط في محله . وكذا ادعى البعض النسخ أيضاً على تقدير أن يكون المراد بالشاهدين في السفر غير مسلمين لأن شهادة الكافر على المسلم لا تقبل مطلقاً ، وروى حديث النسخ ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقال بعضهم : لا نسخ وأجاز شهادة الذمي على المسلم في هذه الصورة .

وروي عن أبي موسى الأشعري أنه حكم لما كان والياً على الكوفة بمحضر من الصحابة بشهادة ذميين بعد تحليفهما في وصية مسلم في السفر وإلى ذلك ذهب الإمام أحمد بن حنبل ، وقال آخرون : الإثنان وصيان وحكم تحليفهما إذا ارتاب الورثة غير منسوخ ، وما أفادته الآية من رد اليمين على الورثة ليس من حيث إنهم مدعون وقد ظهرت خيانة الوصيين فردت اليمين عليهما خلافاً للشافعي بل من حيث إنهم صاروا مدعى عليهم لانقلاب الدعوى فإن الوصي المدعى عليه أولاً صار مدعياً للملك والورثة ينكرون ذلك ، ويدل عليه ما أخرجه البخاري في «التاريخ » والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وخلق آخرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ، وقيل : نداء بالنون فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدموا جاما من فضة مخوصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله تعالى ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله سبحانه لشهادتهما أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وأخذ الجام وفيهم نزلت { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ ، هذا وادعى بعض المحققين أن الشهادة ههنا لا يمكن أن تكون بمعناها المتبادر بوجه ولا تتصور لأن شهادتهما إما على الميت ولا وجه لها بعد موته وانتقال الحق إلى الورثة وحضورهم أو على الوارث المخاصم وكيف يشهد الخصم على خصمه فلا بد من التأويل ، وذكر أن الظاهر أن تحمل في قوله سبحانه { شهادة بَيْنِكُمْ } على الحضور أو الإحضار أي إذا حضر الموت المسافر فليحضر من يوصي إليه بإيصال ماله لوارثه مسلماً فإن لم يجد فكافراً ، والاحتياط أن يكونا اثنين فإذا جاءا بما عندهما وحصل ريبة في كتم بعضه فليحلفا لأنهما مودعان مصدقان بيمينهما فإن وجد ما خانا فيه وادعيا أنهما تملكاه منه بشراء ونحوه ولا بينة لهما على ذلك يحلف المدعى عليه على عدم العلم بما ادعياه من التملك وأنه ملك لمورثهما لا نعلم انتقاله عن ملكه ، والشهادة الثانية : بمعنى العلم المشاهد أو ما هو بمنزلته لأن الشهادة المعاينة فالتجوز بها عن العلم صحيح قريب ، والشهادة الثالثة : إما بهذا المعنى أو بمعنى اليمين ، وعلى هذا وهو مما أفاضه الله تعالى عليَّ ببركة كلامه سبحانه فلا نسخ في الآية ولا إشكال ، وما ذكروه كله تكلف لم يصف من الكدر لذوق ذائق ، وسبب النزول وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم مبين لما ذكر انتهى .

ولعل تخصيص الإثنين اللذين يحلفان بأحقية شهادتهما على ما قيل لخصوص الواقعة وإلا فإن كان الوارث واحداً حلف وإن تعدد حلف المتعدد كما بين في الكتب الفقهية ، وما ذكر من أن سبب النزول الخ مبين لما قرره فيه بعض خفاء إذ ليس في الخبر أن الوارثين حلفا على عدم العلم ، وفي غيره ما هو نص في الحلف على الثبات ، فقد روي في خبر أطول مما تقدم أن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميين قاما فحلفا بالله سبحانه بعد العصر أنهما أي تميماً وعديا كذبا وخانا ، نعم قال الترمذي في «الجامع » بعد روايته لذلك الخبر : إنه حديث غريب وليس إسناده بصحيح ، وأيضاً في حمل الشهادة على شيء مما ذكره في قوله سبحانه : { وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله } خفاء ، وادعى هو نفسه أن حمل الشهادة على اليمين بعيد لأنها إذا أطلقت فهي المتعارفة فتأمل ، فقد قال الزجاج : إن هذه الآية من أشكل ما في القرآن ، وقال الواحدي : روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام ، وقال الإمام : اتفق المفسرون على أن هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً ، وقال المحقق التفتازاني : اتفقوا على أن هذه الآية أصعب ما في القرءان حكماً وإعراباً ونظماً .

وقال الشهاب : اعلم أنهم قالوا : ليس في القرآن أعظم إشكالاً وحكماً وإعراباً وتفسيراً من هذه الآية والتي بعدها يعني { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ وقوله تعالى : { فَإِنْ عُثِرَ } الخ حتى صنفوا فيها تصانيف مفردة قالوا : ومع ذلك لم يخرج أحد من عهدتها . وذكر الطبرسي أن الآيتين من أعوص القرآن حكماً ومعنى وإعراباً وافتخر بما أتى فيهما ولم يأت بشيء إلى غير ذلك من أقوالهم وسبحان الخبير بحقائق كلامه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فإن عثر على أنهما استحقا إثما}: فإن اطلع على أنهما، يعني النصرانيين كتما شيئا من المال أو خانا، {فآخران} من أولياء الميت، يعني عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، {يقومان مقامهما}، يعني مقام النصرانيين، {من الذين استحق} الإثم، {عليهم الأوليان فيقسمان بالله}: فيحلفان بالله في دبر صلاة العصر أن الذي في وصية صاحبنا حق، وأن المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه، وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما، فذلك قوله سبحانه: {لشهادتنا}، يعني عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب، {أحق من شهادتهما}، يعني النصرانيين، {وما اعتدينا} بشهادة المسلمين من أولياء الميت، {إنا إذا لمن الظالمين}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"فإنْ عُثِرَ": فإن اطلع منهما، أو ظهر. وأصل العثر: الوقوع على الشيء والسقوط عليه، ومن ذلك قولهم: عثرت إصبع فلان بكذا: إذا صدمته وأصابته، ووقعت عليه، ثم يستعمل ذلك في كلّ واقع على شيء كان عنه خفيا...

"على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما": فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله: لا نشتري بأيماننا ثمنا، ولو كان ذا قُربى، ولا نكتم شهادة الله "على أنهما استحقا إثما"، يقول: على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثما، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خنّا، ولا بدّلنا، ولا غَيّرنا، فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئا، أو غَيّرا وصيته، أو بدّلا، فأثما بذلك من حلفهما بربهما "فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما": يقوم حينئذٍ مقامهما من ورثة الميت الأوليان الموصى إليهما.

عن ابن عباس، في قوله: "أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ "من غير المسلمين تحبسونهما من بعد الصلاة، فإن ارتِيبَ في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلاً فإن اطلع الأولياء على أن الكافِرَين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نَعْتَدِ فذلك قوله: "فإنْ عُثِرَ على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما "يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا، "فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما" يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنّا لم نعتد. فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء...

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حكم الله تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين بعد أن عُثِر عليهما أنهما استحقا إثما؛ فقال بعضهم: إنما ألزمهما اليمين إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى لغير الذي يجوز في حكم الإسلام، وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله، أو أوصى أن يفضّل بعض ولده ببعض ماله.

وقال آخرون: بل إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما ادّعيا أنه أوصى لهما ببعض المال. وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك إذا ارتابوا بدعواهما.

والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذٍ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه، أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادّعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلاّ ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة، فينقل حينئذٍ اليمين إلى أولياء الميت.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكما يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرا لذلك. ولم نجد ذلك كذلك صحّ بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بإجماع من الأمة، لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلاً مسلما. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلاً أو نظيرا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحا فساده. وإذا فسد هذا القول بما ذكرناه، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدّعيا لو ادّعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدّعي في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مدّعي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدّعي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الإيمان عنهم إلى أولياء الميت، إذا عُثِر على أن الشهود استحقوا إثما في أيمانهم فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم... ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا دليل واضح على صحة ما قلنا من أن حكم الله تعالى باليمين على الشاهدين في هذا الموضع، إنما هو من أجل دعوى ورثته على المسنَد إليهما الوصية خيانة فيما دفع الميت من ماله إليهما، أو غير ذلك مما لا يبرأ فيها المدّعي ذلك قبله إلاّ بيمين، وإن نقل اليمين إلى ورثة الميت، بما أوجبه الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين أنهما استحقّا إثما في أيمانهما، ثم ظُهِر على كذبهما فيها، إنّ القوم ادّعوا فيما صحّ أنه كان للميت دعوى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به الأملاك، مما يكون اليمين فيها على ورثة الميت دون المدّعَى، وتكون البينة فيها على المدعي وفساد ما خالف في هذه الآية ما قلنا من التأويل. وفيها أيضا البيان الواضح على أن معنى الشهادة التي ذكرها الله تعالى في أوّل هذه القصة إنما هي اليمين، كما قال الله تعالى في مواضع أخر: "والّذِينَ يَرْمونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يكُنْ لهُمْ شُهَدَاءُ إلاّ أنْفُسُهُمْ فشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ باللّهِ إنّهُ لمِنَ الصّادقينَ"، فالشهادة في هذا الموضع معناها القسم من قول القائل: أشهد بالله إنه لمن الصادقين، وكذلك معنى قوله:"شَهادَةُ بَيْنِكُمْ "إنما هو قَسَم بينكم،" إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ "أن يقسم اثْنان ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ إن كانا ائتمنا على ما قال، فارتيب بهما، أو ائتمن آخران من غير المؤمنين فاتهما. وذلك أن الله تعالى لمّا ذكر نقل اليمين من اللذين ظهر على خيانتهما إلى الاخرين، قال: "فَيُقْسِمانِ باللّهِ لَشَهادَتُنا أحَقّ مِنْ شَهادَتِهِما". ومعلوم أن أولياء الميت المدّعين قِبَل اللذين ظهر على خيانتهما، غير جائز أن يكون شهداء بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حقّ مدّعى عليه لمدّع، لأنه لا يعلم لله تعالى حكم قضى فيه لأحد بدعواه، ويمينه على مدّعًى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدّعى عليه ولا برهان. فإذا كان معلوما أن قوله: "لشَهادَتُنا أحَقّ مِنْ شَهادَتِهِما" إنما معناه: قسمنا أحقّ من قسمهما، وكان قسم اللذين عثر على أنهما أثما هو الشهادة التي ذكر الله تعالى في قوله:"أحَقّ مِنْ شَهادَتِهِما "صح أن معنى قوله:"شَهادَةِ بَيْنِكُمْ "بمعنى الشهادة في قوله:"لَشَهادَتُنا أحَقّ مِنْ شَهادَتِهِما "وأنها بمعنى القسم...

وقد تأوّلت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى: «فإنْ عُثَر على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الّذِينَ اسْتُحِقّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» أنهما رجلان آخران من المسلمين، أو رجلان أعدل من المُقسِمَين الأوّلين...

وأما قوله" الأوْلَيانِ "فإن معناه عندنا: الأولى بالميت من المقسمين الأوّلين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى، ثم حذف «منهما» والعرب تفعل ذلك فتقول: فلان أفضل، وهي تريد أفضل منك، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر، وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام، فعلوا ذلك أيضا إذا كان جوابا لكلام قد مضى، فقالوا: هذا الأفضل، وهذا الأشرف يريدون هو الأشرف منك. وقال ابن زيد: معنى ذلك: الأوليان بالميت.

" فَيُقْسِمانِ باللّهِ لَشَهادَتُنا أحَقّ مِنْ شَهادتِهِم وَما اعْتَدَيْنا إنّا إذَنْ لَمِنَ الظّالِمِينَ": فيُقسم الاخران اللذان يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما بخيانتهما مال الميت الأوليان باليمين والميت من الخائنين:"لَشَهادَتُنا أحَقّ مِنْ شَهادَتِهِما ": لأيماننا أحقّ من أيمان المقسمين المستحقين الإثم وأيمانهما الكاذبة في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميتنا، وكذا في أيمانهما التي حلفا بها. "وَما اعْتَدَيْنا": وما تجاوزنا الحقّ في أيماننا. وقد بينا أن معنى الاعتداء: المجاوزة في الشيء حدّه. "إنّا إذَن لَمِنَ الظّالِمِينَ" يقول: إنا إن كنا اعتدينا في أيماننا، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين، "لمِنَ الظّالِمِينَ ": لَمِنْ عِدَادِ مَن يأخذ ما ليس له أخذه، ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً) يريد، والله أعلم، أن يشهد عليهما شاهدان منا أو منهم بشيء جحداه أنه من تركة الميت، فهذا استحقاق الورثة. فإذا قال المدعي قبلهما: اشتريناه من الميت فعلى الورثة أن يحلفوا. فهذا، والله أعلم، معنى: (فآخران يقومان مقامهما) لأن الورثة صاروا مدعى عليهم، فقاموا في هذه الحال في وجوب اليمين عليهم مقام الأولين لما كانت الدعوى عليهم. فهذا، والله أعلم، أقرب الوجوه في تأويل الآية وأشبهها؛ ...

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

يعني ظهور شيء من مال الميت في أيديهما بعد ذلك، وهو جَامُ الفضة الذي ظهر في أيديهما من مال الميت، فزعما أنهما كانا اشترياه من مال الميت. ثم قال تعالى: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُما} يعني في اليمين، لأنهما صارا في هذه الحال مدعيين للشِّرَى، فصارت اليمين على الورثة، وعلى أنه لم يكن للميت إلاّ وارثان فكانا مُدَّعًى عليهما، فلذلك استُحْلِفا، ألا ترى أنه قال: {مِنَ الّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأُولَيَانِ فَيُقْسِمَانِ باللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} يعني أن هذه اليمين أوْلى من اليمين التي حلف بها الوصيان أنهما ما خانا ولا بدّلا، لأن الوصيين صارا في هذه الحال مُدَّعِيَيْنِ وصار الوارثان مدَّعًى عليهما، وقد كانا برئا في الظاهر بدياً بيمينهما فمضت شهادتهما على الوصية، فلما ظهر في أيديهما شيءٌ من مال الميت صارت أيمان الوارثين أوْلى. وقد اختُلف في تأويل قوله تعالى: {الأُولَيَانِ}، فرُوي عن سعيد بن جبير قال: معنى الأولَيَانِ بالميت يعني الورثة، وقيل: الأوْليان بالشهادة وهي الأيمان في هذا الموضع؛ وليس في الآية دلالة على إيجاب اليمين على الشاهدين فيما شهدا به، وإنما أوجبت اليمين عليهما لما ادّعَى الورثة عليهما الخيانة وأخْذَ شيء من تركة الميت، فصار بعض ما ذكر في هذه الآيات من الشهادات أيماناً...

وقوله بعد ذلك: {فَيُقْسِمَانِ باللّهِ} لا يحتمل غير اليمين، ثم قال: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأُولَيَانِ فَيُقْسِمَانِ باللهِ لَشَهَادَتُنَا} يعني بها اليمين؛ لأن هذه أيمان الوارثين، وقوله: {أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} يحتمل من يمينهما ويحتمل من شهادتهما، لأن الوصيين قد كان منهما شهادة ويمين، وصارت يمين الوارث أحقَّ من شهادة الوصيين ويمينها، لأن شهادتهما لأنفسهما غير جائزة ويميناهما لم توجب تصحيح دعواهما في شراء ما ادّعيا شراه من الميت...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} يعني فإن ظهر على أنهما كَذَبَا وخَانَا، فعبر عن الكذب بالخيانة والإِثم لحدوثه عنهما. وفي الذين: {عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} قولان: أحدهما: أنهما الشاهدان، قاله ابن عباس. والثاني: أنهما الوصيان، قاله سعيد بن جبير. {فَآخَرَان} يعني من الورثة. {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} في اليمين، حين ظهرت الخيانة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَإِنْ عُثِرَ} فإن اطلع {على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً} أي فعلا مّا أوجب إثماً، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين {فَآخَرَانِ} فشاهدان آخران {يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ} أي من الذين استحق عليهم الإثم. معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم...

{الأوليان} الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما... ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

والذي يظهر هنا أن الإثم عل بابه، وهو الحكم اللاحق لهما والنسبة التي يتحصلان فيها بعد مواقعتها لتحريف الشهادة أو لأخذ ما ليس لهما أو نحو ذلك، و {استحقا} معناه استوجباه من الله وكانا أهلاً له فهذا استحقاق على بابه، أنه استيجاب حقيقة، ولو كان الإثم الشيء المأخوذ لم يقل فيه «استحقا» لأنهما ظلما وخانا فيه، فإنما استحقا منزلة السوء وحكم العصيان، وذلك هو الإثم، وقوله تعالى: {فآخران} أي فإذا عثر على فسادهما فالأوليان باليمين وإقامة القضية آخران من القوم الذين هم ولاة الميت واستحق عليهم حظهم أو ظهورهم أو مالهم أو ما شئت من هذه التقديرات...

وسمي المأخوذ إثماً كما يقال لما يؤخذ من المظلوم مظلمة...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فإن} ولما كان المراد مجرد الاطلاع بني للمفعول قوله: {عثر} أي اطلع مطلع بقصد أو بغير قصد؛ قال البغوي: وأصله الوقوع على الشيء أي من عثرة الرجل {على أنهما} أي الشاهدين إن أريد بهما الحقيقة أو الوصيين {استحقا إثماً} أي بسبب شيء خانا فيه من أمر الشهادة {فآخران} أي من الرجال الأقرباء للميت {يقومان مقامهما} أي ليفعلا حيث اشتدت الريبة من الإقسام عند مطلق الريبة ما فعلا {من الذين استحق} أي طلب وقوع الحق بشهادة من شهد {عليهم} هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة حفص بالبناء للفاعل، المعنى: وجد وقوع الحق عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته.

ولما كان كأنه قيل: ما منزلة هذين الآخرين من الميت؟ فقيل: {الأوليان} أي الأحقان بالشهادة الأقربان إليه العارفان بتواطن أمره، وعلى قراءة أبي بكر وحمزة بالجمع، كأنه قيل: هما من الأولين أي في الذكر وهم أهل الميت، فهو نعت للذين استحق {فيقسمان} أي هذان الآخران {بالله} أي الملك الذي لا يقسم إلا به لما له من كمال العلم وشمول القدرة {لشهادتنا} أي بما يخالف شهادة الحاضرين للواقعة {أحق من شهادتهما} أي أثبت، فإن تلك إنما ثباتها في الظاهر، وشهادتنا ثابتة في نفس الأمر وساعدها الظاهر بما عثر عليه من الريبة {وما اعتدينا} أي تعمدنا في يميننا مجاوزة الحق {إنا إذاً} أي إذا وقع منا اعتداء {لمن الظالمين} أي الواضعين الشيء في غير موضعه كمن يمشي في الظلام، وهذا إشارة إلى أنهم على بصيرة ونور مما شهدوا به، وذلك أنه لما وجد الإناء الذي فقده أهل الميت وحلف الداريان بسببه أنهما ما خانا طالبوهما، فقالا: كنا اشتريناه منه، فقالوا: ألم نقل لكما: هل باع صاحبنا شيئاً؟ فقلتما: لا، فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر فقام اثنان من أقارب الميت فحلفا على الإناء، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إليهما، لأن الوصيين ادعيا على الميت البيع فصار اليمين في جانب الورثة لأنهم أنكروا، وسمي أيمان الفريقين شهادة كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة -نبه على ذلك الشافعي، وكان ذلك لما في البابين من مزيد التأكيد.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} قرأ الجمهور «استحق» بضم التاء على البناء للمفعول، وحفص عن عاصم بفتح التاء بالبناء للفاعل وهي مروية عن علي وابن عباس وأبي، وقرأ يعقوب وخلف وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر عنه (الأولين) جمع الأول الذي يقابله آخر، مع قراءتهم استحق بالبناء للمفعول، وقرأه الباقون (الأوليان) مثنى الأولى سواء منهم من قرأ استحق بالبناء للمفعول ومن قرأه بالبناء للفاعل، ورسم الأوليان والأولين في المصحف الإمام واحد وهو هكذا (الأولين). والمعنى فإن اتفق الاطلاع على أن الشهيدين المقسمين استحقا إثما بالكذب أو الكتمان في الشهادة أو بالخيانة وكتمان شيء من التركة في حالة ائتمانهما عليها – كما ظهر في الواقعة التي كانت سبب النزول – فالواجب أو فالذي يعمل لإحقاق الحق هو أن يرد اليمين إلى الورثة بأن يقوم رجلان آخران مقامهما من أولياء الميت الوارثين له الذين استحق ذلك الإثم بالإجرام عليهم والخيانة لهم، وهذان الرجلان الوارثان ينبغي أن يكونا هما الأوليين بالميت أي الأقربين إليه الأحقين بإرثه إن لم يمنع من ذلك مانع – كما تفيده قراءة الجمهور – أو غيرهما منهم كما تفيده قراءة من قرأ (الأولين) وهو صفة للذين استحق عليهم أو منصوب على الاختصاص.

وتحمل القراءة الأولى على طلب الأكمل وهو أن يشهد أقرب الورثة إلى الميت. والقراءة الثانية على ما إذا منع مانع من إقسام أقرب الورثة أو كانت المصلحة في حلف غيره منهم لامتيازه بالسن أو الفضيلة، هذا إذا أريد بالأوليين الأوليان بأمر الميت الموصي، ويجوز أن يراد بهما الأوليان بالقسم في هذه الحالة، أي أجدر الورثة باليمين لقربهما من الميت أو لعلمهما أو لفضلهما. وأما قراءة حفص عن عاصم – وبها يقرأ أهل بلادنا – فقال أكثر المفسرين في توجيهها أن «الأوليان» فيها فاعل استحق والمفعول محذوف والتقدير: من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان بأمر الميت منهم ما أوصى به أو ما تركه – أو ندبهما للشهادة.

وذهب الإمام الرازي إلى أن الأوليين في هذه القراءة هما الوصيان قال: ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما – بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان، وقرأ الحسن الأولان ووجهه ظاهر مما تقدم اهـ.

أقول: الوجه عندي في ذلك أنهما الأوليان باليمين في الأصل لأنهما منكران واليمين على من أنكر، وكان المقام مقام الإضمار – بأن يقال: من الذين استحقا عليهم الإثم – فوضع المظهر وهو الأوليان موضع الضمير لإفادة أن الأصل في الشرع أن تكون اليمين عليهما ولكن استحقاقهما الإثم بما ظهر من حنثهما اقتضى ردها أي اليمين إلى الورثة {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا} أي يحلفان على أن ما يشهدان به من خيانة الشهيدين اللذين شهدا على وصية ميتهما أحق وأصدق من شهادتهما بما كانا شهدا به، وأنهما ما اعتديا عليهما بتهمة باطلة أو ما اعتديا الحق فيما اتهموهما به {إنا إذا لمن الظالمين} أي ويقولان في قسمهما إنا إذا اعتدينا الحق وقلنا الباطل لداخلون في عداد الظالمين لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وانتقامه، والظالمين لمن ائتمنه ميتهم، وظلمهما محرم عليهم.