روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (69)

{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } كلام مستأنف مسوق للترغيب في الإيمان والعمل الصالح . وقد تقدم في آية البقرة ( 62 ) الاختلاف في المراد من الذين آمنوا والمروي عن الثوري أنهم الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون وهو الذي اختاره الزجاج ، واختار القاضي أن المراد بهم المتدينون بدين محمد صلى الله عليه وسلم مخلصين كانوا أو منافقين ، وقيل : غير ذلك { والذين هَادُواْ } أي دخلوا في اليهودية { والصابئون } ، «وهم كما قال حسن جلبي وغيره : قوم خرجوا عن دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة ، وقد تقدم الكلام على ذلك ، «وفي حسن المحاضرة في أخبار مصر القاهرة » للجلال السيوطي ما لفظه : ذكر أئمة التاريخ أن آدم عليه الصلاة والسلام أوصى لابنه شيث وكان فيه وفي بنيه النبوة والدين وأنزل عليه تسع وعشرون صحيفة وأنه جاء إلى أرض مصر ، وكانت تدعى باب لون فنزلها هو وأولاد أخيه ، فسكن شيث فوق الجبل ، وسكن أولاد قابيل أسفل الوادي ، واستخلف شيث ابنه أنوش واستخلف أنوش ابنه قَيْنَان . واستخلف قَيْنَان ابنه مهليائيل ، واستخلف مهليائيل ابنه يرد ، ودفع الوصية إليه وعلمه جميع العلوم وأخبره بما يحدث في العالم ، ونظر في النجوم وفي الكتاب الذي أنزل على آدم عليه الصلاة والسلام ، وولد ليرد أخنوخ وهو إدريس عليه الصلاة والسلام ويقال له : هرمس ، وكان الملك في ذلك الوقت محويل بن أخنوخ بن قابيل ، وتنبأ إدريس عليه الصلاة والسلام وهو ابن أربعين سنة ، وأراد به الملك سوءاً فعصمه الله تعالى وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ، ودفع إليه أبوه وصية جده والعلوم التي عنده وكان قد ولد بمصر وخرج منها ، وطاف الأرض كلها ( ورجع فدعا الخلق إلى الله تعالى فأجابوه حتى عمت ملته الأرض ) ، وكانت ملته الصابئة ، وهي توحيد الله تعالى والطهارة ( والصلاة ) والصوم وغير ذلك من رسوم التعبدات ، وكان في رحلته إلى المشرق قد أطاعه جميع ملوكها ، وابتنى مائة وأربعين مدينة أصغرها الرها ، ثم عاد إلى مصر وأطاعه ملكها وآمن به » إلى آخر ما قاله ونقله عن التيفاشي ، ويفهم منه قول في الصابئة غير الأقوال المتقدمة . وفي «شذرات الذهب » لعبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي في ترجمة أبي إسحق الصابىء ما نصه : «والصابىء بهمز آخره ، قيل : نسبة إلى صابىء بن متوشلخ بن إدريس عليه الصلاة والسلام ، وكان على الحنيفية الأولى ، وقيل : الصابىء بن ماوى ، وكان في عصره الخليل عليه الصلاة والسلام ، وقيل : الصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه » انتهى .

{ اليهود والنصارى } جمع نصران ، وقد مر تفصيله ، ورفع { والصابئون } على الابتداء وخبره محذوف لدلالة خبر إن عليه ، والنية فيه التأخير عما في خبر { حَمِيمٍ ءانٍ } ، والتقدير : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كيت وكيت والصابئون كذلك بناءاً على أن المحذوف في إن زيداً ، وعمرو قائم خبر الثاني لا الأول كما هو مذهب بعض النحاة واستدل عليه بقول صابىء بن الحرث البرجمي :

فمن يك أمسى بالمدينة رحله *** فإني ، وقيار بها ( لغريب )

فإن قوله : «لغريب » خبر إن ، ولذا دخلت عليه اللام لأنها تدخل على خبر ( إن ) لا على خبر المبتدأ إلا شذوذاً ، وقيل : إن «غريب » فيه خبر عن الإسمين جميعاً لأن فعيلاً يستوي فيه الواحد وغيره نحو { وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ } [ التحريم : 4 ] ، ورده الخلخالي بأنه لم يرد للإثنين ، وإن ورد للجمع ، وأجاب عنه ابن هشام بأنهم قالوا في قوله تعالى : { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ } [ ق : 17 ] : إن المراد قعيدان ، وهذا يدل على إطلاقه على الإثنين أيضاً ، فالصواب منع هذا الوجه بأنه يلزم عليه توارد عاملين على معمول واحد ، ومثله لا يصح على الأصح خلافاً للكوفيين ، وبقول بشر بن أبي حازم :

إذا جزت نواصي آل بدر *** فأدوها وأسرى في الوثاق وإلا فاعلموا أنا وأنتم

بغاة ما بقينا في شقاق *** فإن قوله : «بغاة ما بقينا » خبر إن ولو كان خبر أنتم لقال : ما بقيتم ، و بغاة جمع باغ بمعنى طالب ، وقيل : إنه جمع باغي من البغي والتعدي وأنتم بغاة جملة معترضة لأنه لا يقول في قومه إنهم بغاة و ما بقينا في شقاق خبر إن ، وحينئذ لا يصلح البيت شاهداً لما ذكر لأن ضمير المتكلم مع الغير في محله ، وإنما وسطت الجملة هنا بين إن وخبرها مع اعتبار نية التأخير ليسلم الكلام عن الفصل بين الاسم والخبر ، وليعلم أن الخبر ماذا دلالة كما قيل على أن الصابئين مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها حيث قبلت توبتهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فغيرهم أولى بذلك ، ومن هنا قيل : إن الجملة كاعتراض دل به على ما ذكر ، وإنما لم تجعل اعتراضاً حقيقة لأنها معطوفة على جملة { إِنَّ الذين } وخبرها ، وأورد عليه ما قاله ابن هشام من أن فيه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها ، وإنما يتقدم المعطوف على المعطوف عليه في الشعر ، فكذا ينبغي أن يكون تقديمه على بعض المعطوف عليه بل هو أولى منه بالمنع ، وأما ما أجاب به عنه بأن الواو واو الاستئناف التي تدخل على الجمل المعترضة ، كقوله تعالى : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار } [ البقرة : 24 ] الخ ، وهذه الجملة معترضة لا معطوفة ، فلا يتمشى فيما نحن فيه لأنه يفوّت نكتة التقديم من تأخير التي أشير إليها لأنها إذا كانت معترضة لا تكون مقدمة من تأخير ، وبعض المحققين صرف الخبر المذكور إلى قوله تعالى : { والصابئون } وجعل خبر { ءانٍ } محذوفاً ، وهو القول الآخر للنحاة في مثل هذا التركيب ، وهو موافق للاستعمال أيضاً كما في قوله :

نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك ( راض ) والرأي مختلف

فإن قوله : راض خبر أنت وخبر نحن محذوف ، ورجح بأن الإلحاق بالأقرب أقرب ، وبأنه خال عما يلزم على التوجيه الأول ، نعم غاية ما يرد عليه أن الأكثر الحذف من الثاني لدلالة الأول ، وعكسه قليل لكنه جائز ، وعورض بأن الكلام فيما نحن فيه مسوق لبيان حال أهل الكتاب ، فصرف الخبر إليهم أولى ، وفي توسيط بيان حال الصابئين ما علمت من التأكيد ، وأيضاً في صرف الخبر إلى الثاني فصل للنصارى عن اليهود وتفرقة بين أهل الكتاب لأنه حينئذ عطف على قوله سبحانه : { والصابئون } قطعاً ، نعم لو صح أن المنافقين واليهود أوغل المعدودين في الضلال ، والصابئين والنصارى أسهل حسن تعاطفهما وجعل المذكور خبراً عنهما ، وترك كلمة التحقيق المذكورة في الأولين دليلاً على هذا المعنى ، وقيل : إن { *الصابئون } عطف على محل { حَمِيمٍ ءانٍ } واسمها ، وقد أجازه بعضهم مطلقاً ، وبعضهم منعه مطلقاً ، وفصل آخرون فقالوا : يمتنع قبل مضي الخبر ويجوز بعده . وذهب الفراء إلى أنه إن خفى إعراب الاسم جاز لزوال الكراهة اللفظية نحو : إنك وزيد ذاهبان وإلا امتنع ، والمانع عند الجمهور لزوم توارد عاملين ، وهما ( إن ) والإبتداء أو المبتدأ على معمول واحد وهو الخبر ، ولهذا ضعفوا هذا القول في الآية ، وبنوا على مذهب الكوفيين ، وكون خبر المعطوف فيها محذوفاً وحينئذ لا يلزم التوارد ليس بشيء لأن الجملة حينئذ تكون معطوفة على الجملة ، ولم يكن ذلك من العطف على المحل في شيء ، ومن قال : إن خبر { ءانٍ } مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل دخولها لم يلزم عليه حديث التوارد . ونقل عن الكسائي إن العطف على الضمير في { هَادُواْ } وخطأه الزجاج بأنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل ، وبأنه لو عطف على الفاعل لكان التقدير وهاد الصابئون فيقتضي أنهم هود وليس كذلك ولعل الكسائي يرى صحة العطف من غير فاصل فلا يرد عليه الاعتراض الأول ، وقيل : { ءانٍ } بمعنى نعم الجوابية ولا عمل لها حينئذ ، فما بعدها مرفوع المحل على الابتداء والمرفوع معطوف عليه ، وضعفه أبو حيان بأن ثبوت { ءانٍ } بمعنى نعم فيه خلاف بين النحويين . وعلى تقدير ثبوته فيحتاج إلى شيء يتقدمها تكون تصديقاً له ولا يجيىء أول الكلام ، والجواب بأن ثمة سؤالاً مقدراً بعيد ركيك ، وقيل : إن الصابئين عطف على الصلة بحذف الصدر أي الذين هم الصابئون ، ولا يخفى بعده ، وإن عُدّ أحسن الوجوه ، وقيل : إنه منصوب بفتحة مقدرة على الواو والعطف حينئذ مما لا خفاء فيه ، واعترض بأن لغة بلحارث وغيرهم الذين جعلوا المثنى دائماً بالألف نحو رأيت الزيدان ومررت بالزيدان وأعربوه بحركات مقدرة ، إنما هي في المثنى خاصة ، ولم ينقل نحو ذلك عنهم في الجمع خلافاً لما تقتضيه عبارة أبي البقاء ، والمسألة مما لا يجري فيها القياس فلا ينبغي تخريج القرآن العظيم على ذلك ، وقرأ أبي وكذا ابن كثير والصابئين وهو الظاهر والصابيون بقلب الهمزة ياءاً على خلاف القياس والصابون بحذفها من صبا بإبدال الهمزة ألفاً فهو كرامون من رمى .

وقرأ عبد الله يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون .

وقوله سبحانه وتعالى : { مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر وَعَمِلَ صالحا } إما في محل رفع على أنه مبتدأ خبره قوله تعالى : { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول كما أن إفراد ما في صلته باعتبار لفظه ، والجملة خبر { ءانٍ } أو خبر المبتدأ ، وعلى كل لا بدّ من تقدير العائد أي من آمن منهم ، وإما في محل النصب على أنه بدل من اسم { ءانٍ } وما عطف عليه ، أو ما عطف عليه فقط ، وهو بدل بعض ، ولا بدّ فيه من الضمير كما تقرر في العربية فيقدر أيضاً ، وقوله تعالى : { فَلاَ خَوْفٌ } الخ خبر ، والفاء كما في قوله عز وجل : { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } [ البروج : 10 ] الآية ، والمعنى كما قال غير واحد على تقدير كون المراد بالذين آمنوا المؤمنين بألسنتهم وهم المنافقون من أحدث من هؤلاء الطوائف إيماناً خالصاً بالمبدأ والمعاد على الوجه اللائق لا كما يزعمه أهل الكتاب فإنه بمعزل عن ذلك ، وعمل عملاً صالحاً حسبما يقتضيه الإيمان فلا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب ولا هم يحزنون حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب ، والمراد بيان ( دوام ) انتفاء الأمرين لا ( بيان ) ( 1 ) انتفاء دوامهما على ما مرت الإشارة إليه غير مرة ، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا المتدينين بدين النبي صلى الله عليه وسلم مخلصين كانوا أو منافقين ، فالمراد بمن آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص بما ذكر على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام كما في المخلصين أو بطريق الإحداث والإنشاء كما هو حال من عداهم من المنافقين ، وسائر الطوائف وليس هناك الجمع بين الحقيقة والمجاز كما لا يخفى لأن الثبات على الإيمان والإحداث فردان من مطلق الإيمان إلا أن في هذا الوجه ضم المخلصين إلى الكفرة ، وفيه إخلال بتكريمهم ، وربما يقال : إن فائدة ذلك المبالغة في ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين الأعلام ؛ وتمام الكلام قد مر في آية البقرة ( 62 ) فليراجع .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (69)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إن الذين آمنوا}: الذين صدقوا، {والذين هادوا}، يعني اليهود، {والصابئون}، هم قوم من النصارى صبأوا إلى دين نوح وفارقوا هذه الفرق الثلاث، وزعموا أنهم على دين نوح، عليه السلام، وأخطأوا، لأن دين نوح، عليه السلام، كان على دين الإسلام، {والنصارى}، إنما سموا نصارى، لأنهم ابتدعوا هذا الدين بقرية تسمى ناصرة، قال الله عز وجل: {من آمن} من هؤلاء {بالله واليوم الآخر وعمل صالحا}، وأدى الفرائض من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فله الجنة، ومن بقي منهم إلى أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلا إيمان له إلا أن يصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمن صدق بالله عز وجل أنه واحد لا شريك له، وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، {فلا خوف عليهم} من العذاب، {ولا هم يحزنون} من الموت.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام، "والّذين هَادُوا": وهم اليهود، "والصابئون": وقد بينا أمرهم. "والنّصَارى مَنْ آمَنَ باللّه واليَوْمِ الاَخِرِ "فصدّق بالبعث بعد الممات، وعمل من العمل صالحا لمعاده، "فلا خَوْفٌ عليهم" فيما قدّموا عليه من أهوال القيامة، "ولا هُمْ يَحْزَنُونَ" على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{الذين} لفظ عام لكل مؤمن من ملة محمد ومن غيرها من الملل، فكأن ألفاظ الآية حصر بها الناس كلهم، وبينت الطوائف على اختلافها، وهذا تأويل جمهور المفسرين.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا، بين أن هذا الحكم عام في الكل، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، وذلك لأن الإنسان له قوتان: القوة النظرية، والقوة العملية، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير، وأعظم المعارف شرفا معرفة أشرف الموجودات. وهو الله سبحانه وتعالى، وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادرا على الحشر والنشر؛ فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران: المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق كما قال عليه الصلاة والسلام: «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله» ثم بين تعالى أن كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل فإنه يرد القيامة من غير خوف ولا حزن. والفائدة في ذكرهما أن الخوف يتعلق بالمستقبل، والحزن بالماضي، فقال {لا خوف عليهم} بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة {ولا هم يحزنون} بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أمورا أعظم وأشرف وأطيب مما كانت لهم حاصلة في الدنيا، ومن كان كذلك فإنه لا يحزن بسبب طيبات الدنيا.

فإن قيل: كيف يمكن خلو المكلف الذي لا يكون معصوما عن أهوال القيامة؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح، ولا يكون آتيا بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركا لجميع المعاصي، والثاني: أنه إن حصل خوف فذلك عارض قليل لا يعتد به.

المسألة الخامسة: أنه تعالى قال في أول الآية {إن الذين ءامنوا} ثم قال في آخر الآية {من ءامن بالله} وفي هذا التكرير فائدتان، الأولى: أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، فالفائدة في هذا التكرير إخراجهم عن وعد عدم الخوف وعدم الحزن.

الفائدة الثانية: أنه تعالى أطلق لفظ الإيمان، والإيمان يدخل تحته أقسام، وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر، فكانت الفائدة في الإعادة التنبيه على أن هذين القسمين أشرف أقسام الإيمان، وقد ذكرنا وجوها كثيرة في قوله {يا أيها الذين آمنوا} وكلها صالحة لهذا الموضع..

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

ولما كان الانتساب إلى الدين لا يفيد في الآخرة إلا بإقامة كتاب الدين، بين الله تعالى بعد تلك الحجة أصول الدين المقصودة من إقامة الكتب الإلهية كلها التي يترتب عليها الجزاء والثواب فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ والصابئون وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

مناسبة وضع هذه الآية هنا لما قبلها وما بعدها؛ بيان أن أهل الكتاب لم يقيموا دين الله وما كلفهم الله إياه، ولا وسائله و مقاصده، فلا هم حفظوا نصوص الكتب كلها، ولا هم تركوا ما عندهم منها ظواهرها؛ ولا هم آمنوا بالله واليوم الآخر، على الوجه الذي كان عليه سلفهم الصالح، ولا هم عملوا الصالحات كما كانوا يعملون؛ اللهم إلا قليلا منهم كان مخبوءا في طيات الزمان، أو شعاف الجبال وزوايا البلدان، كانوا يعذبون على توحيد الله، ويرمون بالزندقة أو الهرطقة لرفضهم تقاليد الكنائس. وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة البقرة فيراجع تفسيرها المفصل، في جزء التفسير الأول..

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى عن أهل الكتب من أهل القرآن والتوراة والإنجيل، أن سعادتهم ونجاتهم في طريق واحد، وأصل واحد، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر [والعمل الصالح] فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فله النجاة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا منها. وهذا الحكم المذكور يشمل سائر الأزمنة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وينتهي هذا المقطع بالبيان الأخير عن "الدين "الذي يقبله الله من الناس، أيا كان وصفهم وعنوانهم وما كانوا عليه قبل بعثة النبي الأخير؛ والذي يلتقي عليه المتفرقون في الملل والنحل فيما غبر من التاريخ: (إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئون، والنصارى.. من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا.. فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).. والذين آمنوا هم المسلمون. والذين هادوا هم اليهود. والصابئون هم في الغالب تلك الفئة التي تركت عبادة الأوثان قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وعبدت الله وحده على غير نحلة معينة، ومنهم من العرب أفراد معدودون. والنصارى هم أتباع المسيح -عليه السلام. والآية تقرر أنه أيا كانت النحلة، فإن من آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحا- ومفهوم ضمنا في هذا الموضع، وتصريحا في مواضع أخرى أنهم فعلوا ذلك على حساب ما جاء به الرسول الأخير -فقد نجوا: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).. ولا عليهم مما كانوا فيه قبل ذلك؛ ولا مما يحملون من أسماء وعنوانات.. فالمهم هو العنوان الأخير.. وهذا الذي نقرر أنه مفهوم من الآية ضمنا يعتبر من "المعلوم من الدين بالضرورة". فمن بديهيات هذه العقيدة، أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، وأنه أرسل إلى البشر كافة، وأن الناس جميعا- على اختلاف مللهم ونحلهم وأديانهم واعتقاداتهم وأجناسهم وأوطانهم -مدعوون إلى الإيمان بما جاء به، وفق ما جاء به؛ في عمومه وفي تفصيلاته. وأن من لا يؤمن به رسولا، ولا يؤمن بما جاء به إجمالا وتفصيلا، فهو ضال لا يقبل الله منه ما كان عليه من دين قبل هذا الدين، ولا يدخل في مضمون قوله تعالى: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

موقع هذه الآية دقيق، ومعناها أدقّ، وإعرابها تابع لدقّة الأمرين. فموقعها أدقّ من موقع نظيرتها المتقدّمة في سورة البقرة (62)، فلم يكن ما تقدّم من البيان في نظيرتها بمغن عن بيان ما يختصّ بموقع هذه. ومعناها يزيد دقّة على معنى نظيرتها تبعاً لدقّة موقع هذه. وإعرابها يتعقّد إشكاله بوقوع قوله: {والصابون} بحالة رفع بالواو في حين أنّه معطوف على اسم {إنّ} في ظاهر الكلام.

فحقّ علينا أن نخصّها من البيان بما لم يسبق لنا مثله في نظيرتها ولنبدأ بموقعها فإنّه مَعْقَد معناها:

فاعلم أنّ هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً على تقدير سؤال يخطر في نفس السامع لِقوله: {قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتّى تقيموا التّوراة والإنجيل} [المائدة: 68] فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجيء الإسلام: هل هم على شيء أو ليسوا على شيء، وهل نفعهم اتّباع دينهم أيّامئذٍ؛ فوقع قوله: {إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا} الآية جواباً لهذا السؤال المقدّر. والمراد بالّذين آمنوا المؤمنون بالله وبمحمّد صلى الله عليه وسلم أي المسلمون. وإنّما المقصود من الإخبار الّذين هَادوا والصابون والنّصارى، وأمّا التعرّض لذكر الّذين آمنوا فلاهْتمامٍ بهم سنبيّنه قريباً.

ويجوز أن تكون هذه الجملة مؤكِّدة لجملة {ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا واتّقوا} [المائدة: 65] الخ، فبعد أن أُتبعت تلك الجملة بما أُتبعت به من الجُمل عاد الكلام بما يفيد معنى تلك الجملة تأكيداً للوعد، ووصلاً لربط الكلام، وليُلحق بأهل الكتاب الصابئون، وليظهر الاهتمام بذكر حال المسلمين في جنّات النّعيم.

فالتّصدير بذكر الّذين آمنوا في طالعة المعدودين إدماج للتنويه بالمسلمين في هذه المناسبة، لأنّ المسلمين هم المثال الصّالح في كمال الإيمان والتحرّز عن الغرور وعن تسرّب مسارب الشرك إلى عقائدهم (كما بشّر بذلك النّبيء صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع بقوله: « إنّ الشيطان قد يَئس أن يُعبد من دون الله في أرضكم هذه» فكان المسلمون، لأنّهم الأوحدون في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصّالح، أوّلين في هذا الفضل.

وأمّا معنى الآية فافتتاحها بحرف {إنّ} هنا للاهتمام بالخبر لعروّ المقام عن إرادة ردّ إنكار أو تردّد في الحكم أو تنزيل غير المتردّد منزلة المتردّد.

وقد تحيّر النّاظرون في الإخبار عن جميع المذكورين بقوله: {من آمن بالله واليوم الآخر}، إذ من جملة المذكورين المؤمنون، وهل الإيمان إلاّ بالله واليوم الآخر؟ وذهب النّاظرون في تأويله مذاهب: فقيل: أريد بالّذين آمنوا من آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، وهم المنافقون، وقيل: أريد بمن آمن من دام على إيمانه ولم يرتد. وقيل: غير ذلك.

والوجه عندي أنّ المراد بالَّذين آمنوا أصحاب الوصف المعروف بالإيمان واشتهر به المسلمون، ولا يكون إلاّ بالقلب واللّسان لأنّ هذا الكلام وعد بجزاء الله تعالى، فهو راجع إلى علم الله، والله يعلم المؤمن الحقّ والمتظاهر بالإيمان نِفاقاً.

فالّذي أراه أن يجعل خبر (إنّ) محذوفاً. وحذفُ خبر (إنّ) وارد في الكلام الفصيح غير قليل، كما ذكر سيبويه في « كتابه». وقد دلّ على الخبر ما ذكر بعده من قوله: {فلا خوف عليهم} إلخ. ويكون قوله: {والّذين هادوا} عطفَ جملة على جملة، فيجعل {الّذين هادوا} مبتدأ، ولذلك حقّ رفع ما عُطف عليه، وهو {والصابُون}. وهذا أولى من جعل {والصابون} مَبْدأ الجملة وتقدير خبر له، أي والصابون كذلك، كما ذهب إليه الأكثرون لأنّ ذلك يفضي إلى اختلاف المتعاطفات في الحكم وتشتيتها مع إمكان التفصّي عن ذلك، ويكون قوله: {من آمن بالله} مبتدأ ثانياً، وتكون (من) موصولة، والرّابط للجملة بالّتي قبلها محذوفاً، أي من آمن منهم، وجملة {فلا خوف عليهم (1)} خبراً عن (مَن) الموصولة، واقترانها بالفاء لأنّ الموصول شبيه بالشرط. وذلك كثير في الكلام، كقوله تعالى: {إنّ الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم} [البروج: 10] الآية...

...

ومعنى {من آمن بالله واليوم الآخر} من آمن ودَام، وهم الّذين لم يغيّروا أديانهم بالإشراك وإنكارِ البعث؛ فإنّ كثيراً من اليهود خلطوا أمور الشرك بأديانهم وعبدوا الآلهة كما تقول التّوراة. ومنهم من جعل عُزيراً ابناً لله، وإنّ النّصارى ألَّهوا عيسى وعبدوه، والصابئة عبدوا الكواكب بعد أن كانوا على دين له كتاب. وقد مضى بيان دينهم في تفسير نظير هذه الآية من سورة البقرة (62).

ثمّ إنّ اليهود والنّصارى قد أحْدثوا في عقيدتهم من الغرور في نجاتهم من عذاب الآخرة بقولهم: {نحن أبناء الله وأحِبَّاؤه} [المائدة: 18] وقولِهم {لن تمسّنا النّار إلاّ أيَّاماً معدودة} [البقرة: 80]، وقول النّصارى: إنّ عيسى قد كفَّر خطايا البشر بما تحمّله من عذاب الطّعن والإهانة والصّلب والقتل، فصاروا بمنزلة من لا يؤمن باليوم الآخر، لأنّهم عطّلوا الجزاء وهو الحكمة الّتي قُدّر البعث لتحقيقها.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

الآية التّالية تعود لتقرر مرّة أُخرى هذه الحقيقة، وتؤكّد أنّ جميع الأقوام وأتباع كل المذاهب دون استثناء، مسلمين كانوا أم يهوداً أم صابئين أم مسيحيين، لا ينجون ولا يأمنون الخوف من المستقبل والحزن على ما فاتهم إِلاّ إِذا آمنوا بالله وبيوم الحساب وعملوا صالحاً: (إِنّ الذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

هذه الآية، في الحقيقة ردّ قاطع على الذين يظنون النجاة في ظل قومية معينة، ويفضلون تعاليم بعض الأنبياء على بعض، ويتقبلون الدعوة الدينية على أساس من تعصب قومي، فتقول الآية إِن طريق الخلاص ينحصر في نبذ هذه الأقوال.

وكما أشرنا في تفسير الآية (62) من سورة البقرة، التي تقترب في مضمونها من مضمون هذه الآية سعى بعضهم بجد ليثبت أنّ هذه الآية تعتبر دليلا على «السلام العام» وعلى أنّ أتباع جميع الأديان ناجون، وأن يتجاهل فلسفة نزول الكتب السماوية بالتتابع الذي يدل على تقدم الإِنسان في مسيرته التكاملية التدريجية.

ولكن كما قلنا تضع الآية حدّاً فاصلا بقولها (وعمل صالحاً) لكل قول، وتشخص الحقيقة، بخصوص تباين الأديان، فتوجب العمل بآخر شريعة إِلهية، لأنّ العمل بقوانين منسوخة ليس من العمل الصالح، بل العمل الصالح هو العمل بالشرائع الموجودة وبآخرها (لمزيد من الشرح والتوضيح بهذا الشأن انظر المجلد الأوّل ص 217.

ثمّ إِنّ هناك احتمالا مقبولا في تفسير عبارة (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً) وهو إِنّها تختص باليهود والنصارى والصابئين، لأنّ (الذين آمنوا) في البداية لا تحتاج إلى مثل هذا القيد، وعليه، فإن معنى الآية يصبح هكذا:

إِنّ المؤمنين من المسلمين وكذلك اليهود والنصارى والصابئين، بشرط أن يؤمنوا وأن يتقبلوا الإِسلام ويعملوا صالحاً سيكونون جميعاً من الناجين وإِن ماضيهم الديني لن يكون له أي أثر في هذا الجانب، وإِن الطريق مفتوح للجميع (تأمل بدقّة).