{ وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا } عطف على ما سبق من قوله تعالى : { وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ } [ الأعراف : 65 ] موافق له في تقديم المجرور على المنصوب ، وثمود قبيلة من العرب كانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وسميت باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح ، وقيل : ابن عاد بن عوص بن إرم الخ وهو المنقول عن الثعلبي . وقال عمرو بن العلاء : إنما سموا بذلك لقلة مائهم فهو من ثمد الماء إذا قل ، والثمد الماء القليل وورد فيه الصرف وعدمه ، أما الأول : فباعتبار الحي أو لأنه لما كان في الأصل اسماً للجد أو للقليل من الماء كان مصروفاً لأنه علم مذكر أو اسم جنس فبعد النقل حكى أصله ، وأما الثاني : فباعتبار أنه اسم القبيلة ففيه العلمية والتأنيث . وصالح عليه السلام من ثمود فالأخوة نسبية ، وهو على ما قال محيي السنة البغوي ابن عبيد بن آسف بن ماشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود وهو أخو طسم وجديس فيما قيل ، وقال وهب : هو ابن عبيد بن جابر بن ثمود بن جابر بن سام بن نوح بعث إلى قومه حين راهق الحلم وكان رجلاً أحمر إلى البياض سبط الشعر فلبث فيهم أربعين عاماً . وقال الشامي : إنه بعث شاباً فدعا قومه حتى شمط وكبر ، ونقل النووي أنه أقام فيهم عشرين سنة ومات بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة .
{ قَالَ قَوْم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } قد مر الكلام في نظائره { قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ } أي آية ومعجزة ظاهرة الدلالة شاهدة بنبوتي وهي من الألفاظ الجارية مجرى الأبطح والأبرق في الاستغناء عن ذكر موصوفاتها حالة الإفراد والجمع ، والتنوين للتفخيم أي بينة عظيمة { مّن رَّبّكُمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة لبينة على ما مر غير مرة أو بجاءتكم ، و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً أو للتبعيض إن قدر من بينات ربكم ، والمراد بهذه البينة الناقة وليس هذا الكلام منه عليه السلام أول ما خاطبهم به إثر الدعوة إلى التوحيد بل إنما قاله بعدما نصحهم وذكرهم بنعم الله تعالى فلم يقبلوا كلامه وكذبوه كما ينبىء عن ذلك ما في سورة هود ( 16 ) .
وقوله تعالى : { هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً } استئناف نحوي مسوق لبيان البينة والمعجزة . وجوز أن يكون استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال مقدر تقديره أين هي ؟ وعلى التقديرين لا محل للجملة من الإعراب . وجوز أن يكون بدلاً من { بَيّنَةً } بدل جملة من مفرد للتفسير ولا يخفى بعده ، وإضافة الناقة إلى الاسم الجليل لتعظيمها كما يقال : بيت الله للمسجد بيد أن الإضافة فيه لأدنى ملابسة ولا كذلك ما نحن فيه أو لأنها ليست بواسطة نتاج معتاد وأسباب معهودة كما سيتضح إن شاء الله تعالى لك ولذلك كانت آية وأي آية .
وقيل : لأنها لم يملكها أحد سواه سبحانه . وقيل : لأنها كانت حجة الله على قوم صالح . وانتصاب { ءايَةً } على الحالية من { نَاقَةُ } والعامل فيها معنى الإارة وسماه النحاة العامل المعنوي و { لَكُمْ } بيان لمن هي آية له كما في سقيا لك فيتعلق بمقدر . وجوز أن يكون { نَاقَةُ } بدل من { هذه } أو عطف بيان له أو مبتدأ ثانياً و { لَكُمْ } خبراً فآية حينئذٍ حال من الضمير المستتر فيه والعامل هو أو متعلقه .
{ فَذَرُوهَا } تفريع على كونها آية من آيات الله تعالى . وقيل : على كونها ناقة له سبحانه فإن ذلك مما يوجب عدم التعرض لها أي فاتركوها { تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } العشب وحذف للعلم به . والفعل مجزوم لأنه جواب الأمر . وقرأ أبو جعفر في رواية عنه { تَأْكُلُ } بالرفع فالجملة حالية أي آكلة . والجار والمجرور متعلق بما عنده أو بالأمر السابق فهما متنازعان . وأضيفت الأرض إلى الله سبحانه قطعاً لعذرهم في التعرض كأنه قيل : الأرض أرض الله تعالى والناقة ناقة الله تعالى فذروا ناقة الله تأكل في أرضه فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم فأي عذر لكم في منعها . وعدم التعرض للشرب للاكتفاء عنه بذكر الأكل . وقيل : لتعميمه له أيضاً كما في قوله
: علفتها تبناً وماءً بارداً *** وقد ذكر ذلك بقوله سبحانه : { لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } [ الشعراء : 155 ] .
{ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالشر الشامل لأنواع الأذى مبالغة في الزجر فهو كقوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } [ الأنعام : 152 ، والإسراء : 34 ] . والجار والمجرور متعلق بالفعل . والتنكير للتعميم أي لا تتعرضوا لها بشيء مما يسوؤها أصلاً كالطرد والعقر وغير ذلك . وقيل : الجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل الفعل . والمعنى لا تمسوها مع قصد السوء بها فضلاً عن الإصابة فهو كقوله تعالى : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [ النساء : 43 ] . { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } منصوب في جواب النهي . والمعنى لا تجمعوا بين المس وأخذ العذاب إياكم . والأخير وإن لم يكن من صنيعهم حقيقة لكن لتعاطيهم أسبابه كأنه من صنيعهم .
هذا ولم أقف للسادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم على ما هو من باب الإشارة في قصة قوم لوط عليه السلام ، وذكر بعضهم في قصة قوم صالح عليه السلام بعد الإيمان بالظاهر أن الناقة هي مركب النفس الإنسانية لصالح عليه السلام ونسبتها إليه سبحانه لكونها مأمورة بأمره عز وجل مختصة به في طاعته وقربه . وما قيل : إن الماء قسم بينها وبينهم لها شرب يوم ولهم شرب يوم إشارة إلى أن مشربهم من القوة العاقلة العملية ومشربه من القوة العاقلة النظرية . وما روي أنها يوم شربها كانت تتفحج فيحلب منها اللبن حتى تملأ الأواني إشارة إلى أن نفسه تستخرج بالفكر من علومه الكلية الفطرية العلوم النافعة للناقصين من علوم الأخلاق والشرائع . وخروجها من الجبل خروجها من بدن صالح عليه السلام . وقال آخرون : إن الناقة كانت معجزة صالح عليه السلام وذلك أنهم سألوه أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر فخرجت فسقيت سر السر فأعطت بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الإلهية ثم قال لهم : ذروها ترتع في رياض القدس وحياض الأنس { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } من مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ الأعراف : 73 ] وهو عذاب الانقطاع عن الوصول إلى الحقيقة .
وذكر البعض أن الناقة والسقب صورتا الإيمان بالله تعالى والإيمان برسوله عليه الصلاة والسلام وقد ظهرا بالذات وبالواسطة من الحجر الذي تشبهه قلوب القوم وعقرهم للناقة من قبيل ذبح يحيى عليه السلام للموت الظاهر في صورة الكبش يوم القيامة . وفي ذلك دليل على أنهم من أسوأ الناس استعداداً وأتمهم حرماناً . ويدل على سوء حالهم أن الشيخ الأكبر قدس سره لم ينظمهم في «فصوص الحكم » في سلك قوم نوح عليه السلام حيث حكم لهم بالنجاة على الوجه الذي ذكره . وكذا لم ينظم في ذلك السلك قوم لوط عليه السلام وكأن ذلك لمزيد جهلهم وبعدهم عن الحكمة وإتيانهم البيوت من غير أبوابها وقذارتهم ودناءة نفوسهم . والذي عليه المتشرعون أن أولئك الأقوام كلهم حصب جهنم لا ناجي فيهم والله تعالى أحكم الحاكمين .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم ذكر الله ثمود قوم صالح، فقال: {و} أرسلنا {وإلى ثمود أخاهم صالحا}، ليس بأخيهم في الدين، ولكن أخوهم في النسب، {قال يا قوم اعبدوا الله}... {ما لكم من إله غيره}، يقول: ليس لكم رب غيره، {قد جاءتكم بينة من ربكم}، يعني بالبينة الناقة، فقال: {هذه ناقة الله لكم آية}، لتعتبروا فتوحدوا ربكم، وكانت من غير نسل {فذروها تأكل في أرض الله}، يقول: خلوا عنها فلتأكل حيث شاءت، ولا تكلفكم مؤونة، {ولا تمسوها بسوء}، لا تصيبوها بعقر، {فيأخذكم}، يعني فيصيبكم {عذاب أليم} يعني وجيع في الدنيا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا. وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. ومعنى الكلام: وإلى بني ثمود أخاهم صالحا... "قال يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَه غيرُهُ "يقول: قال صالح لثمود: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم إله يجوز أن تعبدوه غيره، وقد جاءتكم حجة وبرهان على صدق ما أقول وحقيقة ما إليه أدعو من إخلاص التوحيد لله وإفراده بالعبادة دون ما سواه وتصديقي على أني له رسول وبينتي على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي، وحجتي عليه هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهضبة دليلاً على نبوتي وصدق مقالتي، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحد إلاّ الله. وإنما استشهد صالح فيما بلغني على صحة نبوّته عند قومه ثمود بالناقة لأنهم سألوه إياها آية ودلالة على حقيقة قوله...
وأما قوله:"وَلا تَمَسّوها بِسُوءٍ" فإنه يقول: ولا تمسوا ناقة الله بعقر ولا نحر، "فيأخذَكُمْ عذابٌ أليمٌ" يعني موجع...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وإلى ثمود أخاهم صالحا} قد ذكرنا أنه تحتمل الأخوّة وجوها أربعة: أخوّة النسب وأخوّة الجوهر والشكل على ما يقال: هذا أخو هذا، إذا كان من جوهره وشكله، وأخوّة المودة والخلّة، وأخوّة الدين. ثم يحتمل أن يكون ذكر من أخوّة صالح [أنه] كان أخاهم في النسب أو في الجوهر على ما ذكر في هود، ولا يحتمل أن يكون في المودة والدين. وأما أخوّة النسب فإنها تحتمل لما ذكرنا أن بني آدم كلهم إخوة، وإن [لم] يعدّوا؛ [هم من أولاده].
{قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} قد ذكرنا أن الرسل بأجمعهم، صلوات الله عليهم، إنما بعثوا ليدعوا الخلق إلى وحدانية الله والعبادة له؛ إذ لا معبود سواه، يستحق العبادة من الخلق.
{قد جاءتكم بيّنة من ربكم} قيل فيه بوجهين: قيل: {بيّنة من ربكم} ما ذكر من الناقة جعلها الله تعالى آية لرسالة صالح، وهو [قوله تعالى]: {هذه ناقة الله لكم آية} وقيل: {بيّنة من ربكم} آيات ظهرت لهم على لسان صالح، وجرت على يديه، تدل على رسالة صالح ونبوّته. لكنهم كابروا تلك الآيات في التكذيب، وعاندوا.
{هذه ناقة الله لكم آية} وجه تخصيص إضافة تلك الناقة إلى الله يحتمل وجوها، وإن كانت النّوق كلها لله في الحقيقة: أحدها: لما خصّت تلك بتذكير عبادته تعالى إياهم ووحدانيته تعظيما لها على ما خصّت المساجد بالإضافة إليه بقوله تعالى: {وأن المساجد لله} [الجن: 18] لما جعلت تلك البقاع لإقامة عبادة الله، خصّت بالإضافة إليه لما جعلها الله آية من آياته خارجة عن غيرها من النوق، مخالفة بنيتها بنية غيرها: إما [في] خلقة، وإما في ابتداء إحداثها وإنشائها، أو في أي شيء كان، فأضافها إليه لذلك، والله أعلم. ثم لا يجب أن يتكلف المعنى الذي له جعل الناقة آية؛ لأنه، جل وعلا، لم يبيّن لنا ذلك المعنى، فلو تكلّف ذكر ذلك فلعله يخرّج على خلاف ما كان في الكتب الماضية؛ فهذه القصص وأخبار الأمم الماضية إنما ذكرت في القرآن لتكون آية لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلو ذكرت على خلاف ما كان لهم في ذلك مقال. ويحتمل معنى الإضافة إليه وجها آخر؛ وهو أنه لم يجعل منافع هذه الناقة لهم، ولا جعل عليهم مؤنتها، بل أخبر أن {فذروها تأكل في أرض الله} جعل مؤنتها في ما يخرج من الأرض، وليس كسائر النوق التي جعل مؤنتها عليهم ومنافعها لهم بإزاء ما جعل عليهم من المؤن. فمعنى التخصيص بالإضافة إليه لما لم يشرك [في مؤنتها] أحدا ولا في منافعها، والله أعلم.
{فذروها تأكل في أرض الله} دلالة أن تلك الناقة كان غذاؤها مثل غذاء سائر النوق، وإن كانت خارجة عن طباع سائر النوق من جهة الآية ليعلم أنها، وإن كانت آية لرسالته ودلالة للنبوة فتشابهها لسائر النوق في هذه الجهة لا يخرجها عن حكم الآية. فعلى ذلك الرسل، وإن كانوا ساووا غيرهم من الناس في المطعم والغذاء، لا يمنع ذلك من أن يكونوا رسلا، والله أعلم بذلك.
{ولا تمسّوها بسوء} يحتمل: لا تتعرضوا لها قتلا ولا قطعا ولا عقرا لما ليست هي لكم {فيأخذكم عذاب أليم} وفي مواضع أخر [كقوله تعالى]: {فيأخذكم عذاب قريب} [هود: 64] فهذا يدل على أنه إنما أراد بالعذاب الأليم عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة؛ لأنه قد يأخذهم عذاب الآخرة بكفرهم؛ فالوعيد بأخذ العذاب لهم في الدنيا، والله أعلم.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وقوله "قد جاءتكم بينة من ربكم "فالبينة: العلامة التي تفصل الحق من الباطل من جهة شهادتها به. والبيان هو إظهار المعنى للنفس الذي يفصله من غيره حتى يدركه على ما يقويه كما يظهر نقيضه، فهذا فرق بين البينة والبيان. وقوله "هذه ناقة الله لكم آية" فالناقة الأنثى من الجمال والأصل فيها التوطئة والتذليل من قولهم بعير منوق أي موطأ مذلل، وتنوق في العمل أي جوده كالموطأ المذلل... وإنما قال "ناقة الله" لأنه لم يكن لها مالك سواه تعالى. والآية هي البينة العجيبة بظهور الشهادة ولطف المنزلة. والآية والعبرة والدلالة والعلامة نظائر.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
..غاير الحقُّ -سبحانه- بين الرسل من حيث الشرائع، وجمع بينهم في التوحيد؛ فالشرائع التي هي العبادات مختلفة، ولكن الكل مأمورون بالتوحيد على وجه واحد. ثم أخبر عن إمضاءِ سُنَّتِه تعالى بإرسال الرسل عليهم السلام، وإمهال أُمَمِهم ريثما ينظرون في معجزات الرسل. ثم أخبر عما دَرَجُوا عليه في مقابلتهم الرسل بالتكذيب تسليةً للمصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله -فيما كان يقاسي من بلاء قومه...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... قيل: سميت ثمود لقلة مائها، من الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الشام والحجاز إلى وادي القرى {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ} آية ظاهرة وشاهد على صحة نبوّتي. وكأنه قيل: ما هذه البينة؟ فقال: {هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً} وآية نصب على الحال، والعامل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل، كأنه قيل: أشير إليها آية. ولكم: بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان خاصة وهم ثمود؛ لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا عنها وليس الخبر كالمعاينة، كأنه قال: لكم خصوصاً، وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها، وأنها جاءت من عنده مكوّنة من غير فحل وطروقة آية من آياته...
{قد جاءتكم بينة من ربكم} وهذه الزيادة مذكورة في هذه القصة، وهي تدل على أن كل من كان قبله من الأنبياء كانوا يذكرون الدلائل على صحة التوحيد والنبوة، لأن التقليد وحده لو كان كافيا لكانت تلك البينة ههنا لغوا، ثم بين أن تلك البينة هي الناقة.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
{ولا تمسّوها بسوء} نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
...قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صَخْر بن جُوَيرية، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا منها القدور. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجينَ الإبلَ، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال:"إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم" وقال [الإمام] أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم "وأصل هذا الحديث مُخَرَّج في الصحيحين من غير وجه.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
... {قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُم} قد علمنا من سنة القرآن وأساليبه في قصص الأنبياء مع أقوامهم أن المراد بها العبرة والموعظة ببيان سنن الله تعالى في البشر وهداية الرسل عليهم الصلاة والسلام لأن حوادث الأمم وضوابط التاريخ مرتبة بحسب الزمان أو أنواع الأعمال.
وقوله:"من ربكم" للإعلام بأنها ليست من فعله ولا مما ينالها كسبه عليه السلام، وكذلك سائر ما يؤيد الله تعالى به الرسل من خوارق العادات، فليعتبر بذلك الجاهلون الذين يظنون أن الخوارق مما يدخل في كسب الصالحين الذين هم دون الأنبياء ولاسيما الذين يسمونهم الأقطاب المتصرفين في الكون، ولو كانت كذلك لم تكن خوارق، ولا آيات من الله تعالى دالة على تصديق الرسل في دعوى النبوة، وعلى كمال اتباع من دونهم لهم فيما جاءوا به من الهداية، إذ كسب العباد ما زال يتفاوت تفاوتا عظيما بتفاوت قوى عضلهم وجوارحهم، وقوى عقولهم وأرواحهم وعزائمهم، وتفاوت علومهم ومعارفهم، ولذلك اشتبهت الآيات على كثير من الناس بالسحر والشعوذة، وما يكون في بعض الناس من التأثر لعلو الهمة وقوة الإرادة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
... (قد جاءتكم بينة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية).. والسياق هنا، لأنه يستهدف الاستعراض السريع للدعوة الواحدة، ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة التكذيب، لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة، بل يعلن وجودها عقب الدعوة. وكذلك لا يذكر تفصيلاً عن الناقة أكثر من أنها بينة من ربهم، وأنها ناقة الله وفيها آية منه، ومن هذا الإسناد نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية، أو أنها أخرجت لهم إخراجاً غير عادي. مما يجعلها بينة من ربهم، ومما يجعل نسبتها إلى الله ذات معنى، ويجعلها آية على صدق نبوته.. ولا نزيد على هذا شيئاً مما لم يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن -وفيما جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل آخر.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
...ذكر في آية سورة هود أنّ قومه لم يغلظوا له القول كما أغلظت قوم نوح وقوم هود لرسولهم، فقد: {قالوا يا صالح قد كنتَ فينا مرجُوّا قبل هذا أتَنْهَانا أن نعبد ما يَعْبُد آباؤُنا وإننا لفي شكّ ممَّا تدعُونا إليه مُريب} [هود: 62]. وتدلّ آيات القرآن وما فُسّرت به من القصص على أنّ صالحاً أجَّلهم مدّة للتّأمّل وجعل النّاقة لهم آية، وأنّهم تَارَكُوها ولم يُهيجوها زمناً طويلاً. فقد أشعرت مجادلتهم صالحاً في أمر الدّين على أنّ التّعقّل في المجادلة أخذ يدبّ في نفوس البشر، وأنّ غُلواءهم في المكابرة أخذت تقصر، وأنّ قناة بأسهم ابتدأت تلين، للفرق الواضح بين جواب قوم نوح وقوم هود، وبين جواب قوم صالح. ومن أجل ذلك أمهلهم الله ومادّهم لينظروا ويفكّروا فيما يدعوهم إليه نبئهم ولِيَزِنوا أمرهم، وجعل لهم الانكفاف عن مسّ النّاقة بسوء علامة على امتداد الإمهال؛ لأنّ انكفافهم ذلك علامة على أنّ نفوسهم لم تحْنق على رسولهم، فرجاؤه إيمانهم مستمرّ، والإمهال لهم أقطعُ لعذرهم، وأنهض بالحجّة عليهم، فلذلك أخّر الله العذاب عنهم إكراماً لنبيّهم الحريص على إيمانهم بقدر الطّاقة،كما قال تعالى لنوح: {أنّه لم يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} [هود: 36].
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
.. كان بعث صالح بعد هود، وكانت ثمود خلائف لعاد، قال الله تعالى:
{وإلى ثمود أخاهم صالحا}، أي أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، كما كان لعاد أخوهم هود، وذكر الأخوة في هذا المقام فيه إشارة إلى أنه واحد منهم قد ربط بينهم برباط الأخوة، وكذلك كان يبعث الله تعالى لكل أمة رسولا منهم، كما بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من أنفسهم.
قال صالح لقومه: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}. هذه دعوة التوحيد، وهي دعوة النبيين أجمعين ودعوة الفطرة، ودعوة المنطق العقلي.
ولقد أردف دعوته إلى الله، بيان أنه مرسل إليهم من الله تعالى، ومعه البينة الدالة على إيمانه؛ ولذا قال لهم: {قد جاءتكم بينة من ربكم}، أي معجزة مبينة من ربكم دالة على رسالته، هذه البينة هي: ناقة آية لكم، أي دليل على الرسالة، ويظهر أنها كانت لها أوصاف خاصة تميزها عن غيرها، قال بعض الناس: إن الله تعالى خلقها من حجر صلد، ولكن لم يثبت ذلك بسند صحيح عمن بين القرآن للناس، ولم يرد بسند صحيح شيء عن أوصاف هذه الناقة، ولكنها على أي حال كانت مميزة عندهم معروفة بشخصها لديهم، ولذا قال لهم: {فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم}، أي: فتركوها تأكل.
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} (من الآية 73 سورة الأعراف): وكلمة "أخاهم "هنا تؤكد أن سيدنا صالحا كان مأنوسا به عند ثمود، ومعروف التاريخ لديهم، وسوابقه في القيم والأخلاق معروفهم لهم تماما وأضيفت ثمود له لأنه أخوهم. وقد جاءت دعوته مطابقة لدعوة نوح وهود.