{ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } أي جيب قميصك وهو مدخل الرأس منه المفتوح إلى الصدر لا ما يوضع فيه الدراهم ونحوها كما هو معروف الآن لأنه مولد ، ولم يقل سبحانه : في كمك لأنه عليه السلام كان لابساً إذ ذاك مدرعة من صوف لا كم لها ، وقيل : الجيب القميص نفسه لأنه يجاب أي يقطع فهو فعل بمعنى مفعول ، وقال السدي : { فِى جَيْبِكَ } أي تحت إبطك .
ولعل مراده أن المعنى أدخلها في جيبك وضعها تحت إبطك ، وكانت مدرعته عليه السلام على ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا أزرار لها ، وقد ورد في بعض الآثار أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان مطلق القميص في بعض الأوقات ، ففي سنن أبي داود باب في حل الأزرار ثم أخرج فيه من طريق معاوية بن قرة قال : حدثني أبي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلق ، وفي رواية البغوي في معجم الصحابة لمطلق الأزرار قال : فبايعته . ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم ، قال عروة فما رأيت معاوية ولا أباه قط إلا مطلقي أزرارهما ، ولا يزرانها أبداً وجاء أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام أمر بزر الأزرار .
فقد أخرج الطبراني عن زيد بن أبي أوفى «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فإذا أزراره محلولة فزرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال : اجمع عطفي ردائك على نحرك » وفي هذين الأثرين ما هو ظاهر في أن جيب القميص كان إذا ذاك على الصدر كما هو اليوم عند العرب . وهو يبطل القول بأنه خلاف السنة وأنه من شعائر اليهود ، وأمره تعالى إياه عليه السلام بإدخال يده في جيبه مع أنه سبحانه قادر على أن يجعلها بيضاء من غير إدخال للامتحان وله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء ، والظاهر أن قوله تعالى :
{ تُخْرِجُ } جواب الأمر لأن خروجها مترتب على إدخالها ، وقيل : في الكلام حذف تقديره وأدخل يدك في جيبك تدخل وأخرجها تخرج فحذف من الأول ما أثبت مقابلة في الثاني ومن الثاني ما أثبت مقابله في الأول فيكون في الكلام صنعة الاحتباك وهو تكلف لا حاجة إليه ، وقوله تعالى : { بَيْضَاء } حال وكذا قوله تعالى : { مِنْ غَيْرِ سُوء } وهو احتراس وقد تقدم الكلام فيه . وكذا قوله سبحانه : { فِى تِسْعِ ءايات } أي آية معدودة من جملة تسع آيات أو معجزة لك معها على أن التسع هي الفلق . والطوفان . والجراد . والقمل . والضفادع .
والدم . والطمسة وهي جعل أسبابهم حجارة . والجدب . في بواديهم . والنقصان في مزارعهم . ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الجدب والنقصان في المزارع واحداً ولا يعد الفلق منها لأنه عليه السلام لم يبعث به إلى فرعون وأن تقدمه بيسير ؛ ومن عده يقول : يكفي معاينته له في البعث به أو هو بعث به لمن آمن من قومه ولمن تخلف من القبط ولم يؤمن ، وفي «التقريب » أن الطمسة . والجدب . والنقصان يرجع إلى شيء واحد فالتسع هذا الواحد . والعصا . واليد . وما بقي من المذكورات .
وذهب «صاحب الفرائد » إلى أن الجراد . القمل واحد ، والجدب . والنقصان واحد ، وجوز أن يكون في تسع منقطعاً عما قبله متعلقاً بمحذوف أي اذهب في تسع آيات . ويدل على ذلك قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا } [ النمل : 13 ] وفي بمعنى مع ، ونظير هذا الحذف ما في قوله :
أوا ناري فقلت منون أنتم *** فقالوا الجن قلت عموا ظلاماً
وقلت إلى الطعام فقال منهم *** فريق يحسد الإنس الطعاما
فإن التقدير هلموا إلى العطام . ويتعلق بهاذ المحذوف قوله تعالى : { إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } وعلى ما تقدم يتعلق بمحذوف وقع حالاً أي مبعوثاً أو مرسلاً إلى فرعون ، وأياً ما كان فقوله تعالى : { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } مستأنف استئنافاً بيانياً كأنه قيل لم أرسلت إليهم بما ذكر ؟ فقيل : إنهم الخ ، والمراد بالفسق إما الخروج عما ألزمهم الشرع إياه إن قلنا بأنهم قد أرسل قبل موسى عليه السلام من يلزمهم اتباعه وهو يوسف عليه السلام ، وإما الخروج عما ألزمه العقل واقتضاء الفطرة إن قلنا بأنه لم يرسل إليهم أحد قبله عليه السلام .
{ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } لا برص ولا نقص ، بل بياض يبهر الناظرين شعاعه . { فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } أي : هاتان الآيتان انقلاب العصا حية تسعى وإخراج اليد من [ ص 602 ] الجيب فتخرج بيضاء في جملة تسع آيات تذهب بها وتدعو فرعون وقومه ، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } فسقوا بشركهم وعتوهم وعلوهم على عباد الله واستكبارهم في الأرض بغير الحق .
فذهب موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه ودعاهم إلى الله تعالى وأراهم الآيات .
ثم أراه الله آية أخرى فقال : { وأدخل يدك في جيبك } والجيب حيث جيب من القميص ، أي : قطع ، قال أهل التفسير : كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار ، فأدخل يده في جيبه وأخرجها ، فإذا هي تبرق مثل البرق ، فذلك قوله : { تخرج بيضاء من غير سوء } من غير برص ، { في تسع آيات } يقول هذه آية من تسع آيات أنت مرسل بهن .
ثم أرشد - سبحانه - موسى - عليه السلام - إلى معجزة أخرى . لتكون دليلاً على صدقه فى رسالته إلى من سيرسله إليهم فقال : { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء } .
والمراد بجيبه : فتحة ثوبه أو قميصه عند مدخل رأسه ، أو عند جانبه الأيمن ، وأصل الجيب : القطع . يقال : جاب الشىء إذا قطعه .
والمعنى : وأدخل يا موسى يدك اليمنى فى فتحة ثوبك ، ثم أخرجها تراها تخرج بيضاء من غير سوء . أى : تخرج منيرة مشرقة واضحة البياض دون أن يكون بها أى سوء من مرض أو برص أو غيرهما . وإنما يكون بياضها بياضاً مشرقاً مصحوباً بالسلامة بقدرة الله - تعالى - وإرادته .
قال الحسن البصرى : أخرجها - والله - كأنها مصباح ، فعلم موسى أنه قد لقى ربه ،
وقوله : { تَخْرُجْ } جواب الأمر فى قوله : { وَأَدْخِلْ } ، و { بَيْضَآءَ } حال من فاعل تخرج ، و { مِنْ غَيْرِ سواء } يجوز أن يكون حالاً أخرى . أو صفة لبيضاء .
والمراد باليد هنا : كف يده اليمنى . والسوء : الردئ والقبيح من كل شىء ، وهو هنا كناية عن البرص لشدة قبحه .
وقوله - تعالى - : { فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } يصح أن يكون حالاً ثالثة من فاعل { تَخْرُجْ } فيكون المعنى : وأدخل يا موسى يدك فى جيبك تخرج حالة كونها بيضاء .
وحالة كونها من غير سوء ، وحالة كونها مندرجة أو معدودة فى ضمن تسع آيات زودناك بها ، لتكون معجزات لك أمام فرعون وقومه ، على أنك صادق فيما تبلغه عن ربك .
قال الجمل " وقوله : { فِي تِسْعِ آيَاتٍ } فيه وجوه : أحدها : أنه حال ثالثة يعنى من فاعل تخرج ، أى : آية فى تسع آيات .
الثانى : أنه متعلق بمحذوف أى : اذهب فى تسع آيات . . . " .
والمراد بالآيات التسع التى أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - : العصا ، واليد ، والسنون ، والبحر ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم . كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم .
وقد جاء الحديث عن هذه الآيات فى مواضع أخرى من القرآن الكريم منها قوله - تعالى - : { فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ } وقوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } وقوله - عز وجل - : { فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم } وقال - تعالى - : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . . . } وتحديد الآيات بالتسع ، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى ، أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - إذ من المعروف عند علماء الأصول أن تحديد العدد بالذكر ، لا يدل على نفى الزائد عنه .
قال ابن كثير : " ولقد أوتى موسى - عليه السلام - آيات أخرى كثيرة ، منها ضربه الحجر بالعصا ، وخروج الماء منه . . . وغير ذلك . مما أوتيه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر . ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التى شاهدها فرعون وقومه ، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفراً وجحوداً .
وقوله - تعالى - : { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ } استئناف مسوق لبيان سبب إرسال موسى إلى فرعون وقومه .
أى : هذه الآيات التسع أرسلناك بها يا موسى إلى فرعون وقومه ، لأنهم كانوا قوما فاسقين عن أمرنا ، وخارجين على شرعنا ، وعابدين لغيرنا من مخلوقاتنا .