روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ} (51)

{ وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } لما جاوز بنو إسرائيل البحر سألوا موسى عليه السلام أن يأتيهم بكتاب من عند الله فوعده سبحانه أن يعطيه التوراة وقبل موسى ذلك ، وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة أو ذا الحجة وعشر المحرم فالمفاعلة على بابها ، وهي من طرف فعل ، ومن آخر قبوله مثل عالجت المريض وإنكار جواز ذلك لا يسمع مع وروده في كلام العرب وتصريح الأئمة به وارتضائهم له ، ويجوز أن يكون { واعدنا } من باب الموافاة وليس من الوعد في شيء وإنما هو من قولك موعدك يوم كذا وموضع كذا ، ويحتمل أن يكون بمعنى وعدنا وبه قرأ أبو عمرو ، أو يقدر الملاقاة ، أو يقال بالتفكيك إلى فعلين فيقدر الوحي في أحدهما ؛ والمجيء في الآخر ولا محذور في شيء كما حققه الدامغاني ، وقول أبي عبيدة : المواعدة لا تكون إلا من البشر غير مسلم ، وقول أبي حاتم : أكثر ما تكون من المخلوقين المتكافئين على تقدير تسليمه لا يضرنا ، و( أربعين ) مفعول به بحذف المضاف بأدنى ملابسة أي إعطاء أربعين أي عند انقضائها ، أو في العشر الأخير منها ، أو في كلها ، أو في أولها على اختلاف الروايات ، أو ظرف مستقر وقع صفة لمفعول محذوف لواعدنا أي واعدنا موسى أمراً كائناً في أربعين ، وقيل : مفعول مطلق أي واعدنا موسى مواعدة أربعين ليلة .

ومن الناس من ذهب إلى أن الأولى أن لا يقدر مفعول لأن المقصود بيان من وعد لا ما وعد وينصب الأربعين على الإجراء مجرى المفعول به توسعاً ، وفيه مبالغة بجعل ميقات الوعد موعوداً وجعل الأربعين ظرفاً لواعدنا على حد جاء زيد يوم الخميس ليس بشيء كما لا يخفى ، و( موسى ) اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة ، ويقال : هو مركب من ( مو ) وهو الماء و( شى ) وهو الشجر وغُيّرَ إلى ( سى ) بالمهملة وكأن من سماه به أراد ماء البحر والتابوت الذي قذف فيه وخاض بعضهم في وزنه فعن سيبويه إن وزنه مفعل( {[162]} ) وقيل : إنه فعل وهو مشتق من ماس يميس فأبدلت الياء واواً لضم ما قبلها كما قالوا طوبى ، وهي من ذوات الياء لأنها من طاب يطيب ، ويبعده أن الإجماع على صرفه نكرة ولو كان فعل لم ينصرف لأن ألف التأنيث وحدها تمنع الصرف في المعرفة والنكرة على أن زيادة الميم أولاً أكثر من زيادة الألف آخراً ، وعبر سبحانه وتعالى عن ذلك الوقت بالليالي دون الأيام لأن افتتاح الميقات كان من الليل ، والليالي غرر شهور العرب لأنها وضعت على سير القمر ، والهلال إنما يهل بالليل ، أو لأن الظلمة أقدم من الضوء بدليل { وَءايَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } [ يس : 37 ] أو إشارة إلى مواصلة الصوم ليلاً ونهاراً ولو كان التفسير باليوم أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي فهم من قوة الكلام أنه واصل أربعين ليلة بأيامها ، والقول بأن ذكر الليلة كان للإشعار بأن وعد موسى عليه السلام كان بقيام الليل ليس بشيء لأن المروي أن المأمور به كان الصيام لا القيام ، وقد يقال من طريق الإشارة : إن ذكر الليلة للرمز إلى أن هذه المواعدة كانت بعد تمام السير إلى الله تعالى ومجاوزة بحر العوائق والعلائق ، وهناك يكون السير في الله تعالى الذي لا تدرك حقيقته ، ولا تعلم هويته ، ولا يرى في بيداء جبروته إلا الدهشة والحيرة ، وهذا السير متفاوت باعتبار الأشخاص والأزمان ولي مع الله تعالى وقت يشير إلى ذلك .

{ ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظالمون } الاتخاذ يجيء بمعنى ابتداءً صنعة فيتعدى لواحد نحو اتخذت سيفاً أي صنعته . وبمعنى اتخاذ وصف فيجري مجرى الجعل ويتعدى/ لاثنين نحو اتخذت زيداً صديقاً والأمران محتملان في الآية ، والمفعول الثاني على الاحتمال الثاني محذوف لشناعته أي : اتخذتم العجل الذي صنعه السامري إلهاً ، والذمّ فيه ظاهر لأنهم كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألفاً ، أو إلا هارون والسبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام ، وعلى الاحتمال الأول لا حاجة إلى المفعول الثاني ويؤيده عدم التصريح به في موضع من آيات هذه القصة ، والذمّ حينئذٍ لما ترتب على الاتخاذ من العبادة أو على نفس الاتخاذ لذلك ، والعرب تذم أو تمدح القبيلة بما صدر عن بعضها ، والعجل ولد البقرة الصغير وجعله الصوفية إشارة إلى عجل النفس الناقصة وشهواتها وكون ما اتخذوه عجلاً ظاهر في أنه صار لحماً ودماً فيكون عجلاً حقيقة ويكون نسبة الخوار إليه فيما يأتي حقيقة أيضاً وهو الذي ذهب إليه الحسن ، وقيل : أراد سبحانه بالعجل ما يشبهه في الصورة والشكل . ونسبة الخوار إليه مجاز وهو الذي ذهب إليه الجمهور ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك .

ومن الغريب أن هذا إنما سمي عجلاً ؛ لأنهم عجلوا به قبل قدوم موسى فاتخذوه إلهاً ، أو لقصر مدته حيث إن موسى عليه السلام بعد الرجوع من الميقات حرقه ونسفه في اليم نسفاً ، والضمير في بعده راجع إلى موسى ، أي : بعد ما رأيتم منه من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه ، وذكر الظرف للإيذان بمزيد شناعة فعلهم ، ولا يقتضي أن يكون موسى متخذاً إلهاً كما وهمَ ؛ لأن مفهوم الكلام أن يكون الاتخاذ بعد موسى ومن أين يفهم اتخاذ موسى سيما في هذا المقام ؟ ويجوز أن يكون في الكلام حذف ، وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه { واعدنا } أي من بعد مواعدته ؛ وقيل : المحذوف الذهاب المدلول عليه بالمواعدة لأنها تقتضيه .

والجملة الاسمية في موضع الحال ، ومتعلق الظلم الإشراك ، ووضع العبادة في غير موضعها ، وقيل : الكف عن الاعتراض على ما فعل السامري وعدم الإنكار عليه وفائدة التقييد بالحال الإشعار بكون الاتخاذ ظلماً بزعمهم أيضاً لو راجعوا عقولهم بأدنى تأمل ، وقيل : الجملة غير حال بل مجرد إخبار أن سجيتهم الظلم وإنما راج فعل السامري عندهم لغاية حمقهم وتسلط الشيطان عليهم كما يدل على ذلك سائر أفعالهم واتخاذ السامري لهم العجل دون سائر الحيوانات ، قيل : لأنهم مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم على صور البقر فقالوا : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] فهجس في نفس السامري أن فتنتهم من هذه الجهة ، فاتخذ لهم ذلك . وقيل : إنه كان هو من قوم يعبدون البقر وكان منافقاً فاتخذ عجلاً من جنس ما يعبده .


[162]:_ وموسى: الحديدة المعلومة مذكر لا غير عند الآمدي. وقال الفراء: هي فعلى ويؤنث، وفي البحر إنه مؤنث عربي مشتق من أسوت الشيء أصلحته ووزنه مفعل وأصله الهمز، وقيل: اشتقاقه من أوسيت حلقت ولا أصل للواو في الهمز اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ} (51)

ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة ، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده ، أي : ذهابه .

{ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } عالمون بظلمكم ، قد قامت عليكم الحجة ، فهو أعظم جرما وأكبر إثما .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ} (51)

قوله تعالى : { وإذ واعدنا } . هو من المفاعلة التي تكون من الواحد كقولهم : عافاك الله ، وعاقبت اللص ، وطارقت النعل . وقال الزجاج : كان من الله الأمر ومن موسى القبول ، فلذلك ذكر بلفظ المواعدة ، وقرأ أبو عمرو وأهل البصرة وإذ وعدنا من الوعد .

قوله تعالى : { موسى } . اسم عربي عرب وهو بالعبرانية الماء والشجر سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر ، ثم قلبت الشين المعجمة سيناً في العربية .

قوله تعالى : { أربعين ليلة } . أي انقضاؤها : ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة ، وقرن بالليل دون النهار لأن شهور العرب وضعت على سير القمر ، والهلال إنما يهل بالليل وقيل : لأن الظلمة أقدم من الضوء ، وخلق الليل قبل النهار ، قال الله تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما ، فوعد الله موسى أن ينزل عليهم التوراة فقال موسى لقومه : إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون ، وواعدهم أربعين ليلة ، ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة ، واستخلف عليهم أخاه هارون فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيئاً إلا حيي ليذهب بموسى إلى ربه ، فلما رآه السامري وكان رجلاً صائغاً من أهل باجرمي واسمه ميخا ، وقال سعيد بن جبير : كان من أهل كرمان ، وقال ابن عباس : اسمه موسى بن ظفر ، وقال قتادة : كان من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ، ورأى مواضع قدم الفرس تخضر من ذلك وكان منافقا أظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر فلما رأى جبرائيل على ذلك الفرس علم أن لهذا شأنا فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرائيل عليه السلام . قال عكرمة : ألقى في روعه أنه إذا ألقى في شيء غيره ، حيي وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لعلة عرس لهم ، فأهلك الله فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل ، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل : إن الحلي التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم ، فاحفروا حفرة وادفنوها فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه . وقال السدي : إن هارون عليه السلام أمرهم أن يلقوها في حفيرة ، حتى يرجع موسى ففعلوا ، فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلاً في ثلاثة أيام ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب أثر فرس جبرائيل عليه السلام ، فخرج عجلاً من ذهب مرصعاً بالجواهر كأحسن ما يكون ، فخار خورة ، وقال السدي : كان يخور ويمشي فقال السامري ( هذا إلهكم وإله موسى فنسي ) أي فتركه هاهنا وخرج يطلبه . وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضت عشرون يوماً ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة . وقيل : كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامري فعكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه وقيل : كلهم عبدوه إلا هارونمع اثني عشر ألف رجل وهذا أصح . وقال الحسن كلهم عبدوه إلا هارون وحده فذلك قوله تعالى : { ثم اتخذتم العجل } . أي إلهاً .

قوله تعالى : { من بعده } . أظهر ابن كثير و حفص الذال من أخذت واتخذت والآخرون يدغمونها .

قوله تعالى : { وأنتم ظالمون } . ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها .