{ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب } مستأنفة مسوقة لبيان قبائح جهلة اليهود إثر بيان شنائع الطوائف السالفة ، وقيل : عطف على { قَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمُ } [ البقرة : 75 ] وعليه الجمع ، وقيل : على { وَإِذَا لَقُواْ } [ البقرة :76 ] واختار بعض المتأخرين أنه وهذا الذي عطف عليه اعتراض وقع في البين لبيان أصناف اليهود استطراداً لأولئك المحرفين ، والأميون جمع أمي وهو كما في «المغرب » مَن لا يكتب ولا يقرأ منسوب إلى أمة العرب الذين كانوا لا يكتبون ولا يقرءون ، أو إلى الأم بمعنى أنه كما ولدته أمه ، أو إلى أم القرى لأن أهلها لا يكتبون غالباً ، والمراد أنهم جهلة ، و( الكتاب ) التوراة كما يقتضيه سباق النظم وسياقه فاللام فيه إما للعهد أو أنه من الأعلام الغالبة ، وجعله مصدر كتب كتاباً واللام للجنس بعيد ، وقرأ ابن أبي عبلة : { أُمّيُّونَ } بالتخفيف .
{ إِلاَّ أَمَانِيّ } جمع أمنية وأصلها أمنونة ، أفعولة وهو في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر ، ولذلك تطلق على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ ، والمروى عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهم أن الأماني هنا الأكاذيب أي إلا أكاذيب أخذوها تقليداً من شياطينهم المحرفين ، وقيل : إلا ما هم عليه من أمانيهم أن الله تعالى يعفو عنهم ويرحمهم ، ولا يؤاخذهم بخطاياهم/ وأن آبائهم الأنبياء يشفعون لهم ، وقيل إلا مواعيد مجردة سمعوها من أحبارهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً ، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة واختاره أبو مسلم والاستثناء على ذلك منقطع لأن ما هم عليه من الأباطيل ، أو سمعوه من الأكاذيب ليس من الكتاب ، وقيل : إلا ما يقرؤون قراءة عادية عن معرفة المعنى وتدبره ، فالاستثناء حينئذٍ متصل بحسب الظاهر ، وقيل : منقطع أيضاً إذ ليس ما يتلى من جنس علم الكتاب ، واعترض هذا الوجه بأنه لا يناسب تفسير الآتي بما في «المغرب » ، وأجيب بأن معناه أنه لا يقرأ من الكتاب ولا يعلم الخط ، وإما على سبيل الأخذ من الغير فكثيراً ما يقرؤون من غير علم بالمعاني ، ولا بصور الحروف ، وفيه تكلف إذ لا يقال للحافظ الأعمى : إنه أمي ، نعم إذا فسر الأمي بمن لا يحسن الكتابة والقراءة على ما ذهب إليه جمع لا ينافي أن يكتب ويقرأ في الجملة واستدل على ذلك بما روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية أخذ الكتاب وليس يحسن الكتب فكتب : «هذا ما قضى عليه محمد بن عبد الله » الخ ، ومن فسر الأمي بما تقدم أول الحديث بأن كتب فيه بمعنى أمر بالكتابة ، وأطال بعض شراح الحديث الكلام في هذا المقام وليس هذا محله .
وقرأ أبو جعفر والأعرج وابن جماز عن نافع ، وهارون عن أبي عمرو { أَمَانِيّ } بالتخفيف .
{ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } الاستثناء مفرغ والمستثنى محذوف أقيمت صفته مقامه ، أي ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن من غير أن يصلوا إلى مرتبة العلم فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين وقد يطلق الظن على ما يقابل العلم اليقيني عن دليل قاطع سواء قطع بغير دليل ، أو بدليل غير صحيح ، أو لم يقطع ، فلا ينافي نسبة الظن إليهم إن كانوا جازمين .
{ وَمِنْهُمْ } أي : من أهل الكتاب { أُمِّيُّونَ } أي : عوام ، ليسوا من أهل العلم ، { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ } أي : ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط ، وليس عندهم خبر بما عند الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم ، وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل العلم منهم .
فذكر في هذه الآيات علماءهم ، وعوامهم ، ومنافقيهم ، ومن لم ينافق منهم ، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال ، والعوام مقلدون لهم ، لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين .
قوله تعالى : { ومنهم أميون } . أي من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة ، جمع أمي ، منسوب إلى الأم كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يتعلم كتابة ولا قراءة . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنا أمة أمية " لا نكتب ولا نحسب وقيل : هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة .
قوله تعالى : { لا يعلمون الكتاب إلا أماني } . قرأ أبو جعفر : أماني بتخفيف الياء ، كل القرآن حذف إحدى الياءين تخفيفاً ، وقراءة العامة بالتشديد ، وهي جمع الأمنية وهي التلاوة ، قال الله تعالى : { إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } أي في قراءته .
قال أبو عبيدة : إلا تلاوته وقراءة عن ظهر القلب لا يقرؤونه من كتاب ، وقيل : يعلمونه حفظاً وقراءة لا يعرفون معناه . وقال ابن عباس : يعني غير عارفين بمعاني الكتاب ، وقال مجاهد وقتادة : إلا كذباً وباطلاً ، قال الفراء : الأماني : الأحاديث المفتعلة ، قال عثمان رضي الله عنه : ما تمنيت منذ أسلمت أي ما كذبت ، وأراد بها الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ثم أضافوها إلى الله من تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، وقال الحسن و أبو العالية : هي من التمني ، وهي أمانيهم الباطلة التي يتمنونها على الله عز وجل مثل قولهم : { لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى } وقولهم : { لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } وقولهم :{ نحن أبناء الله وأحباؤه } فعلى هذا لا يكون بمعنى لكن أي لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أشياء يحصل لهم .
قوله تعالى : { وإن هم } . وما هم .
قوله تعالى : { إلا يظنون } . يعني وما يظنون إلا ظناً وتوهماً لا يقيناً ، قاله قتادة والربيع ، وقال مجاهد : يكذبون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.