{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ } نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ } [ يوسف : 109 ] إلى قوله سبحانه : { وَأَهْلَكْنَا المسرفين } [ الأنبياء : 9 ] وإشارة إلى كيفية انجائهم وإهلاك أعدائهم ، وتصديره بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه ، والمراد بالفرقان التوراة وكذا بالضياء والذكر ، والعطف كما في قوله :
إن الملك القرم وابن الهمام *** وليس الكتيبة في المزدحم
ونقل الطيبي أنه أدخل الواو على { ضِيَاء } وإن كان صفة في المعنى دون اللفظ كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظاً كقوله تعالى : { إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } [ الأنفال : 49 ] وقال سيبويه : إذا قلت مررت بزيد وصاحبك جاز وإذا قلت ومررت بزيد فصاحبك بالفاء لم يجز كما جاز بالواو لأن الفاء تقتضي التعقيب وتأخير الاسم عن المعطوف عليه بخلاف الواو ، وأما قول القائل
: يا لهف زيابة للحارث الصا *** بح فالغانم فالآيب
فإنما ذكر بالفاء وجاء لأنه ليس بصفة على ذلك الحد لأن أل بمعنى الذي أي فالذي صبح فالذي غنم فالذي آب .
وأبو الحسن يجيز المسألة بالفاء كما يجيزها بالواو انتهى ، والمعنى وبالله لقد آتيناهما كتاباً جامعاً بين كونه فارقاً بين الحق والباطل وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية وذكرا يتعظ به الناس ويتذكرون ، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به أو ذكر ما يحتاجون به من الشرائع والأحكام أو شرف لهم .
وقيل : الفرقان النصر كما في قوله تعالى : { يَوْمَ الفرقان } [ الأنفال : 41 ] وأطلق عليه لفرقه بين الولي والعدو وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس ، والضياء حينئذ إما التوراة أو الشريعة أو اليد البيضاء ، والذكر بأحد المعاني المذكورة .
وعن الضحاك أن الفرقان فلق البحر والفلق إخوان ، وإلى الأول ذهب مجاهد . وقتادة وهو اللائق بمساق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتب الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات ولأن فلق البحر هو الذي اقترح الكفرة مثله بقولهم : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } [ الأنبياء : 5 ] .
وقرأ ابن عباس . وعكرمة . والضحاك { ضِيَاء } بغير واو على أنه حال من { الفرقان } وهذه القراءة تؤيد أيضاً التفسير الأول
{ 48 - 50 ْ } { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ْ }
كثيرا ما يجمع تعالى ، بين هذين الكتابين الجليلين ، اللذين لم يطرق العالم أفضل منهما ، ولا أعظم ذكرا ، ولا أبرك ، ولا أعظم هدى وبيانا ، [ وهما التوراة والقرآن ]{[531]} فأخبر أنه آتى موسى أصلا ، وهارون تبعا { الْفُرْقَانَ ْ } وهي التوراة الفارقة بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، وأنها { ضِيَاءً ْ } أي : نور يهتدي به المهتدون ، ويأتم به السالكون ، وتعرف به الأحكام ، ويميز به بين الحلال والحرام ، وينير في ظلمة الجهل والبدع والغواية ، { وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ْ } يتذكرون به ، ما ينفعهم ، وما يضرهم ، ويتذكر به الخير والشر ، وخص { المتقين ْ } بالذكر ، لأنهم المنتفعون بذلك ، علما وعملا .
وقوله تعالى : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } يعني : الكتاب المفرق بين الحق والباطل ، وهو التوراة . وقال ابن زيد : الفرقان النصر على الأعداء ، كما قال الله تعالى : { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } يعني : يوم بدر لأنه قال { وضياءً } أدخل الواو فيه أي آتينا موسى النصر والضياء وهو التوراة . ومن قال : المراد بالفرقان التوراة ، قال : الواو في قوله : وضياء زائدة مقحمة معناه : آتيناه التوراة ضياء ، وقيل : هو صفة أخرى للتوراة ، { وذكراً } تذكيراً . { للمتقين* }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.