روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ} (58)

والفاء في قوله تعالى : { فَجَعَلَهُمْ } فصيحة أي فولوا فأتى إبراهيم عليه السلام الأصنام فجعلهم { جُذَاذاً } أي قطعاً فعال بمعنى مفعول من الجذ الذي هو القطع ، قال الشاعر :

بنو المهلب جذ الله دابرهم *** أمسوا رماداً فلا أصل ولا طرف

فهو كالحطام من الحطم الذي هو الكسر ، وقرأ الكسائي . وابن محيصن . وابن مقسم . وأبو حيوة . وحميد والأعمش في رواية { جُذَاذاً } بكسر الجيم ، وابن عباس . وابن نهيك . وأبو السمال { جُذَاذاً } بالفتح ، والضم قراءة الجمهور ، وهي كما روى ابن جني عن أبي حاتم لغات أجودها الضم ؛ ونص قطرب أنه في لغات أجودها الضم ؛ ونص قطرب أنه في لغاته الثلاث مصدر لا يثنى ولا يجمع ، وقال اليزيدي : جذاذاً بالضم جمع جذاذة كزجاج وزجاجة ، وقيل : بالكسر جمع جذيذ ككريم وكرام ، وقيل : هو بالفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود .

وقرأ يحيى بن وثابت { جُذَاذاً } بضمتين جمع جذيذ كسرير وسرر ، وقرئ { جذذاً } بضم ففتح جمع جذة كقبة وقبب أو مخفف فعل بضمتين . روى أن آزر خرج به في عيد لهم فبدؤوا ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا فذهبوا فلما كان إبراهيم عليه السلام في الطريق ثنى عزمه عن المسير معهم فقعد وقال { إني سقيم } [ الصافات : 89 ] فدخل على الأصنام وهي مصطفة وثم صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكل بفأس كان في بده ولم يبق إلا الكبير وعلق الفأس في عنقه ، وقيل : في يده وذلك قوله تعالى : { جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } أي الأصنام كما هو الظاهر مما سيأتي إن شاء الله تعالى . وضمير العقلاء هنا وفيما مر على زعم الكفرة ، والكبر إما في لمنزلة على زعمهم أيضاً أو في الجثة ، وقال أبو حيان : يحتمل أن يكون الضمير للعبدة ، قيل : ويؤيده أنه لو كان للأصنام لقيل إلا كبيرهم { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } استئناف لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير ، وضمير { إِلَيْهِ } عند الجمهور عائد على إبراهيم عليه السلام أي لعلهم يرجعون إلى إبراهيم عليه السلام لا إلى غيره فيحاجهم ويبكتهم بما سيأتي من الجواب إن شاء الله تعالى ، وقيل : الضمير لله تعالى أي لعلهم يرجعون إلى الله تعالى وتوحيده حين يسألونه عليه السلام فيجيبهم ، ويظهر عجز آلهتهم ويعلم من هذا أن قوله سبحانه : { إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } ليس أجنبياً في البين على هذا القول كما توهم نعم لا يخفى بعده .

وعن الكلبي أن الضمير للكبير أي لعلهم يرجعون إلى الكبير كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس في عنقك أو في يدك ؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم ، وكأن هذا بناء على ظنه عليه السلام بهم لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها .

ويحتمل أنه عليه السلام يعلم أنهم لا يرجعون إليه لكن ذلك من باب الاستهزاء والاستجهال واعتبار حال الكبير عندهم فإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكل ، وعلى الاحتمالين لا إشكال في دخول لعل في الكلام ، ولعل هذا الوجه أسرع الأوجه تبادراً لكن جمهور المفسرين على الأول ، والجار والمجرور متعلق بيرجعون ، والتقديم للحصر على الأوجه الثلاثة على ما قيل ، وقيل : هو متعين لذلك في الوجه الأول وغير متعين له في الأخيرين بل يجوز أن يكون لأداء حق الفاصلة فتأمل .

وقد يستأنس بفعل إبراهيم عليه السلام من كسر الأصنام لمن قال من أصحابنا إنه لا ضمان على من كسر ما يعمل من الفخار مثلاً من الصور ليلعب به الصبيان ونحوهم وهو القول المشهور عند الجمهور .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ} (58)

{ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ْ } أي كسرا وقطعا ، وكانت مجموعة في بيت واحد ، فكسرها كلها ، { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ ْ } أي إلا صنمهم الكبير ، فإنه تركه لمقصد سيبينه ، وتأمل هذا الاحتراز العجيب ، فإن كل ممقوت عند الله ، لا يطلق عليه ألفاظ التعظيم ، إلا على وجه إضافته لأصحابه ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتب إلى ملوك الأرض المشركين يقول : " إلى عظيم الفرس " " إلى عظيم الروم " ونحو ذلك ، ولم يقل " إلى العظيم " وهنا قال تعالى : { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ ْ } ولم يقل " كبيرا من أصنامهم " فهذا ينبغي التنبيه له ، والاحتراز من تعظيم ما حقره الله ، إلا إذا أضيف إلى من عظمه .

وقوله : { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ْ } أي ترك إبراهيم تكسير صنمهم هذا لأجل أن يرجعوا إليه ، ويستملوا حجته ، ويلتفتوا إليها ، ولا يعرضوا عنها ولهذا قال في آخرها : { فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ ْ }

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ} (58)

{ فجعلهم جذاذاً } قرأ الكسائي { جذاذاً } بكسر الجيم أي كسراً وقطعاً جمع جذيذ ، وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف ، وقرأ الآخرون بضمها مثل الحطام والرفات ، { إلا كبيراً لهم } فإنه لم يكسره ووضع الفأس على عنقه ، وقيل ربطه بيده وكانت اثنين وسبعين صنماً بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من رصاص وشبه وخشب وحجر ، وكان الصنم الكبير من الذهب مكللاً بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان . قوله تعالى : { لعلهم إليه يرجعون } قيل : معناه لعلهم يرجعون إلى دينه وإلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها ، وقيل : لعلهم إليه يرجعون فيسألونه ، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم جذاذاً .