{ وَلَقَدْ صرفناه } الضمير للماء المنزل من السماء كالضميرين السابقين ، وتصريفه تحويل أحواله وأوقاته وإنزاله على أنحاء مختلفة أي وبالله تعالى لقد صرفنا المطر { بَيْنَهُمْ } أي بين الناس في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما { لّيَذْكُرُواْ } أي ليعتبروا بذلك { فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا } أي لم يفعل إلا كفران النعمة وإنكارها رأساً بإضافتها لغيره عز وجل بأن يقول : مطرنا بنوء كذا معتقداً أن النجوم فاعلة لذلك ومؤثرة بذواتها فيه ، وهذا الاعتقاد والعياذ بالله تعالى كفر ، وفي «الكشاف » وغيره أن من اعتقد أن الله عز وجل خالق الأمطار وقد نصب الأنوار دلائل وأمارات عليها وأراد بقوله مطرنا بنوء كذا مطرنا في وقت سقوط النجم الفلاني في المغرب مع الفجر لا يكفر ، وظاهره أنه لا يأثم أيضاً ، وقال الإمام : من جعل الأفلاك والكواكب مستقلة باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في كفره وأما من قال : إنه سبحانه جبلها على خواص وصفات تقتضي هذه الحوادث فلعله لا يبلغ خطؤه إلى حد الكفر .
وسيأتي إن شاء الله تعالى منا في هذه المسألة كلام أرجو من الله تعالى أن تستحسنه ذوو الأفهام ويتقوى به كلام الإمام ، ورجوع ضمير { أنزلنا } [ الفرقان : 48 ] إلى الماء المنزل مروى عن ابن عباس . وابن مسعود . ومجاهد . وعكرمة .
وأخرج جماعة عن الأول وصححه الحاكم أنه قال : ما من عام بأقل مطراً من عام ولكن الله تعالى يصرفه حيث يشاء ثم قرأ هذه الآية . وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الثاني مثله ، ويفهم من ذلك حمل التصريف على التقسيم ، وقال بعضهم : هو راجع إلى القول المفهوم من السياق وهو ما ذكر فيه إنشاء السحاب وإنزال القطر لما ذكر من الغايات الجليلة وتصريفه تكريره وذكره على وجوه ولغات مختلفة ، والمعنى ولقد كررنا هذا القول وذكرناه على أنحاء مختلفة في القرآن وغيره من الكتب السماوية بين الناس من المتقدمين والمتأخرين ليتفكروا ويعرفوا بذلك كمال قدرته تعالى وواسع رحمته عز وجل في ذلك فأبى أكثرهم ممن سلف وخلف إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث بها أو إنكارها رأساً بإضافتها لغيره تعالى شأنه ، واختار هذا القول الزمخشري ، وقال أبو السعود : هو الأظهر ، وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني أنه عائد على القرآن ألا ترى قوله تعالى بعد : { وجاهدهم بِهِ } [ الفرقان : 52 ] وحكاه في «البحر » عن ابن عباس أيضاً والمشهور عنه ما تقدم ، ولعل المراد ما ذكر فيه من الأدلة على كمال قدرته تعالى وواسع رحمته عز وجل أو نحو ذلك فتأمل ، وأما ما قيل إنه عائد على الريح فليس بشيء .
ومن باب الإشارة : { وَلَقَدْ صرفناه } أي القرآن الذي هو ماء حياة القلوب بينهم { لّيَذْكُرُواْ } به موطنهم الأصلي { فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا } [ الفرقان : 50 ] بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها
قوله تعالى : { ولقد صرفناه بينهم } يعني : المطر مرة ببلد ومرة ببلد آخر . قال ابن عباس : ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض ، وقرأ هذه الآية . وهذا كما روي مرفوعاً : " ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء " . وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به ابن مسعود يرفعه قال : ليس من سنة بأمطر من أخرى ، ولكن الله قسم هذه الأرزاق ، فجعلها في السماء الدنيا ، في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم ، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم ، فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار . وقيل : المراد من تصريف المطر تصريفه وابلاً وطلاً ورذاذاً ونحوها . وقيل : التصريف راجع إلى الريح . { ليذكروا } أي : ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى : { فأبى أكثر الناس إلا كفوراً } جحوداً ، وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنبأنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنبأنا أبو مصعب عن مالك بن أنس ، عن صالح بن كيسان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء . كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال : " هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي ، وكافر بالكواكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.