روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ} (100)

{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ } بيان لتبعية إيمان النفوس التي علم الله تعالى إيمانها لمشيئته تعالى وجوداً وعدماً بعد بيان الدوران الكلي عليها كذلك ، وقيل : هو تقرير لما يدل عليه الكلام السابق من أن خلاف المشيئة مستحيل أي ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمن { أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي بمشيئته وإرادته سبحانه ، والأصل في الإذن بالشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه ورفع الحجر عنه ، وجعلوا ما ذكر من لوازمه كالتسهيل الذي ذكره بعضهم في تفسيره ، وخصصت النفس بالصفة المذكورة ولم تجعل من قبيل قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ آل عمران : 145 ] قيل لأن الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما كان لنفس أن تؤمن في حال من أحوالها إلا حال كونها ملابسة بإذنه سبحانه فلا بد من كون الإيمان مما يؤول إليه حالها كما أن الموت حال لكل نفس لا محيص لها عنه فلا بد من التخصيص بما ذكر ، فإن النفوس التي علم الله تعالى أنها لا تؤمن ليس لها حال تؤمن فيها حتى تستثني تلك الحال من غيرها انتهى ، وقد يقال : إن هذا الاستثناء بالنظر إلى النفس التي علم الله تعالى أنها لا تؤمن مفيد لعدم إيمانها على أتم وجه على حد ما قيل في قوله تعالى : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 23 ] فكأنه قيل : ما كان لنفس علم الله تعالى أنها لا تؤمن أن تؤمن في حال من الأحوال كسلامة العقل وصحة البدن وغيرهما إلا في حال ملابستها إذن الله تعالى وإرادته أن تؤمن وهي تابعة لعلمه بذلك وعلمه به محال لأنه قد علم نقيضه فيلزم انقلاب العلم جهلاً فتكون إرادته ذلك محالاً فيكون إيمانها محالاً إذ الموقوف على المحال محال . وفي «الحواشي الشهابية » أن { مَا كَانَ } إن كان بمعنى ما وجد احتاج إلى تقييد النفس بمن علم أنها تؤمن وإن كان بمعنى ما صح لا يحتاج إليه ولذا ذكره من ذكره وتركه من تركه وفيه خفاء فتأمل { وَيَجْعَلُ الرجس } أي الكفر كما في قوله تعالى : { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] بقرينة ما قبله ، وأصله الشيء الفاسد المستقذر وعبر عنه بذلك لكونه علماً في الفساد والاستقذار ، وقيل : المراد به العذاب وعبر عنه بذلك لاشتراكهما في الاستكراه والتنفر ، وأن إرادة الكفر منه باعتبار أنه نقل أولاً عن المستقذر إلى العذاب للاشتراك فيما ذكر ثم أطلق على الكفر لأنه سببه فيكون مجازاً في المرتبة الثانية ، واختار الإمام التفسير الأول تحاشياً مما في إطلاق المستقذر على عذاب الله تعالى من الاستقذار وبعض الثاني لما أن كلمة { على } في قوله تعالى : { عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } أي لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع تأبى الأول .

وتعقب بأن المعنى يقدره عليهم فلا إباء ، ويفسر { الذين لاَ يَعْقِلُونَ } بما يكون به تأسيساً كما سمعت في تفسيره ، ومنه تعلم أن الفعل منزل منزلة اللازم أوله مفعول مقدر ، وقد يفرق بين التفسيرين بأنهم على الأول لم يسلبوا قوة النظر لكنهم لم يوفقوا لذلك وعلى الثاني بخلافه والأمر الآتي ظاهر في الأول ، والجملة معطوفة على مقدر كأنه قيل : فيأذن لهم بالإيمان ويجعل الخ أو فيأذن لبعضهم بذلك ويجعل الخ . وقرىء { الرجز } بالزاي ؛ وقرأ حماد . ويحيى عن أبي بكر { وَنَجْعَلُ } بالنون .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ} (100)

{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ْ } أي : بإرادته ومشيئته ، وإذنه القدري الشرعي ، فمن كان من الخلق قابلاً لذلك ، يزكو عنده الإيمان ، وفقه وهداه .

{ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ ْ } أي : الشر والضلال { عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ْ } عن الله أوامره ونواهيه ، ولا يلقوا بالا لنصائحه ومواعظه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ} (100)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم دل على نفسه بصنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} يعني أن تصدق بتوحيد الله حتى يأذن الله في ذلك،

{ويجعل الرجس}، يعني الإثم، {على الذين لا يعقلون}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه: وما كان لنفس خلقتها من سبيل إلى تصديقك يا محمد إلا بأن آذن لها في ذلك، فلا تجهدنّ نفسك في طلب هداها، وبلغها وعيد الله وعرفها ما أمرك ربك بتعريفها، ثم خلّها، فإن هداها بيد خالقها.

وكان الثوري يقول في تأويل قوله:"إلاّ بأذْنِ اللّهِ":... بقضاء الله.

وأما قوله: "وَيجْعَلُ الرّجْسَ على الّذِينَ لا يَعْقَلُونَ "فإنه يقول تعالى ذكره: إن الله يهدي من يشاء من خلقه للإيمان بك يا محمد، ويأذن له في تصديقك فيصدّقك ويتبعك، ويقرّ بما جئت به من عند ربك، "ويجعل الرجس"، وهو العذاب، وغضب الله "على الذين لا يعقلون "يعني الذين لا يعقلون عن الله حججه ومواعظه وآياته التي دلّ بها جلّ ثناؤه على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وحقيقة ما دعاهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان...

عن ابن عباس، قوله: "وَيجْعَلُ الرّجْسَ" قال: السخط.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

وأصل الإذن: الإطلاق في الفعل، فأما الإقدار على الفعل فلا يسمى إذنا فيه، لأن النهي ينافي الإطلاق...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

... ما شاءَ اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ} يعني من النفوس التي علم أنها تؤمن {إِلاَّ بِإِذْنِ الله} أي بتسهيله وهو منح الألطاف {وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ} قابل "بالإذن "بالرجس وهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها بالذين لا يعقلون وهم المصرون على الكفر، كقوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} وسمي الخذلان رجسا وهو العذاب لأنه سببه...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} الآية، رد إلى الله تعالى وإلى أن الحول والقوة لله في إيمان من يؤمن، وكون الرجس على الكفار... و {الرجس} يكون بمعنى العذاب كالرجز، ويكون بمعنى القذر والنجاسة ذكره أبو علي هنا وغيره وهو في هذه الآية بمعنى العذاب، و {لا يعقلون} يريد آيات الله وحجج الشرع. ومعنى «الإذن»في هذه الآية الإرادة والتقدير لذلك، فهو العلم والتمكين.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{وما كان} أي و ما ينبغي ولا يتأتى {لنفس} أي واحدة فما فوقها {أن تؤمن} أي يقع منها إيمان في وقت ما {إلاّ بإذن الله} أي بإرادة الملك الأعلى الذي له الخلق والأمر وتمكينه، فيجعل الثبات والطمأنينة -اللازمين للإيمان الذي هو أبعد شيء عن السحر- على الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي هي ثمرات للإيمان {ويجعل الرجس} أي الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب الذي هو أشبه شيء بالسحر لأنه تخييل ما لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب الناشئ عنه.

ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا يحتاج فيه إلى غير مجرد العقل قال: {على الذين لا يعقلون} أي لا يوجد لهم عقل، فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم أعقل الناس فيتساقطون في مساوئ الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ومَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} أي وما كان لنفس ولا من شأنها فيما أشير إليه من استقلالها في أفعالها، ولا مما أعطاها الله من الاختيار فيما هداها من النجدين، وما ألهمها من فجورها وتقواها الفطريين، أن تؤمن إلا بإرادة الله، ومقتضى سنته في استطاعة الترجيح بين المتعارضين، فهي مختارة في دائرة الأسباب والمسببات، ولكنها غير مستقلة في اختيارها أتم الاستقلال، بل مقيدة بنظام السنن والأقدار، فالمنفي هو استطاعة الخروج عن هذا النظام العام، لا الاستطاعة الخاصة الموافقة له، ومثله قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} [آل عمران: 145]، أي إلا بمشيئته الموافقة لحكمته وسنته في أسباب الموت، فكم من إنسان يعرض نفسه للموت شهيدا أو منتحرا بما يتراءى له من أسبابه، ثم لا يموت بها لنقصها، أو لمعارض مناف لها في نظام القدر الذي لا يحيط به علما إلا الله تعالى، ومعنى الإذن في اللغة الإعلام بالرخصة في الأمر، أي تسهيله وعدم المانع منه.

{ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} هذا عطف على محذوف يدل عليه المذكور دلالة الضد على الضد، أو النقيض على النقيض، أي وإذا كان كل شيء بإذنه وتيسيره ومشيئته التي تجري بقدره وسنته، فهو يجعل الإذن وتيسير الإيمان للذين يعقلون آياته في كتابه وفي خلقه، ويوازنون بين الأمور فيختارون خير الأعمال على شرها، ويرجحون نفعها على ضرها، بإذنه وتيسيره، وبجعل الرجس -أي الخذلان والخزي المرجح للكفر والفجور- على الذين لا يعقلون ولا يتدبرون، فهم لأفن رأيهم، واتباع أهوائهم، يختارون الكفر على الإيمان والفجور على التقوى. وتقدم في تفسير آيات الخمر والميسر من سورة المائدة وفي الكلام على المنافقين من أواخر سورة التوبة أن الرجس لفظ يعبر به عن أقبح الخبث المعنوي الذي هو مبعث الشر والإثم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله):

وفق سنته الماضية التي بيناها، فلا تصل إلى الإيمان وقد سارت في الطريق الآخر الذي لا يؤدي إليه، لا أنها تريد الإيمان وتسلك طريقه ثم تمنع عنه، فهذا ليس المقصود بالنص، بل المقصود انها لا تصل إلى الإيمان إلا إذا سارت وفق إذن الله وسنته في الوصول إليه من طريقه المرسوم بالسنة العامة، وعندئذ يهديها الله ويقع لها الإيمان بإذنه. فلا شيء يتم وقوعه إلا بقدر خاص به، إنما الناس يسيرون في الطريق، فيقدر الله لهم عاقبة الطريق، ويوقعها بالفعل جزاء ما جاهدوا في الله ليهتدوا..

ويدل على هذا عقب الآية: (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون)..

فالذين عطلوا عقولهم عن التدبر، يجعل الرجس عليهم. والرجس أبشع الدنس الروحي، فهؤلاء ينالهم ذلك الرجس بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر، وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفران.