{ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } قيل : هو إضراب وانتقال عن إظهار بطلان ما قالوا في حق القرآن العظيم بالتحدي إلى إظهاره ببيان أنه كلام ناشىء عن عدم علمهم بكنه أمره والاطلاع على شأنه الجليل فما عبارة عن القرآن وهو المروى عن الحسن وعليه محققو المفسرن ، وقيل : هي عبارة عما ذكر فيه مما يخالف دينهم كالتوحيد والبعث والجزاء وليس بذاك سواء كانت الباء للتعدية كما هو المتبادر أم للسببية ، والمراد أنهم سارعوا إلى تكذيبه من غير أن يتدبروا ما فيه ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الدالة على كونه كما وصف آنفاً ويعلموا أنه ليس مما يمكن أن يؤتى بسورة مثله ، والتعبير عنه بهذا العنوان دون أن يقال : بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإيذان بكمال جهلهم به وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما في حيز الصلة له ، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علماً إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم لأنه أبلغ { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } عطف على الصلة أو حال من الموصول أي ولم يقفوا بعد على معانيه الوضعية والعقلية المنبئة عن علو شأنه وسطوح برهانه ، فالتأويل نوع من التفسير ، والإتيان مجاز عن المعرفة والوقوف ، ولعل اختياره للإشعار بأن تلك المعاني متوجهة إلى الأذهان منساقة إلها بنفسها ، وجوز أن يراد بالتأويل وقوع مدلوله وهو عاقبته وما يؤول إليه وهو المعنى الحققي عند بعض فإتيانه حينئذٍ مجاز عن تبينه وانكشافه ، أي ولم يتبين لهم إلى الآن تأويل ما فيه من الأخبار بالغيوب حتى يظهر أنه صدق أم كذب . والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم . والمعنى ومن جهة الإخبار بالغيب وهم فاجؤوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفكروا في معناه أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة ، ونفى إتيان التأويل بكلمة { لَّمّاً } الدالة على توقع منفيها بعد نفي الإحاطة بعلمه بكلمة لم لتأكيد الذم وتشديد التشنيع فإن الشناعة في تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل علمه مطلقاً .
وادعى بعضهم أن الإضراب عن التكذيب عناداً المدلول عليه بقوله سبحانه : { قُلْ فَأْتُواْ } [ يونس : 38 ] الخ فإن الإلزام إنما يأتي بعد ظهور العجز ، ومعنى هذا الإضراب ذمهم على التقلد وترك النظر مع التمكن منه وهو أدخل في الذم من العناد من وجه ، وذلك لأن التقليد اعتراف من صاحبه بالقصور في الفطنة ثم لا يعذر فيه فلا يرتضي ذو عقل أن يقلد رجلاً مثله من غير تقدم عله بفطنة وتجربة وأما العناد فقد يحمده بعض النفوس الأبية بل في أشعارهم ما يدل على أنهم مفتخرون بذلك كقولهم
: فعاند من تطيق له عناداً . . . ولا رد أن العناد لما كان بعد العلم كان أدخل في الذم فلا نسلم أنه أدخل فيه من التقليد بل من الجهل قبل التدبر دون اقتران التقليد به ، وإن سلم فهذا أيضاً أدخل من وجه ، وقد جعل مصب الإنكار على جمعهم بن الأمرين والجمع على كل حال أدخل من التفرد بواحد صح الإضراب فكأنه قيل : دع تحديهم وإلزامهم فإنهم لا يستأهلون الخطاب لأنهم مقلدون متهافتون في الأمر لا عن خبر وحجى . وقد ذكر الزمخشري في هذا المقام ثلاثة أوجه ، الوجه الأول أن التقدير أم كذبوا وقالوا هو مفترى بعد العلم بإعجازه عناداً بل كذبوا به قبل أن يأتيهم العلم بوجه إعجازه أيضاً فهم مستمرون على التكذيب في الحالين مذمومون به موسومون برذيلتي التقليد والعناد جامعون بينهما بالنسبة إلى وقتين ، ووجه ذلك بأن { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } صريح في تكذيبهم قبل العلم بوجه الإعجاز { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } يدل على امتداد هذا التكذيب إلى مجىء التأويل المنتظر بالنسبة إلى تكذيبهم قبل لا بالنسبة إلى زمان الإخبار فإن التأويل أيضاً واقع ، وحينئذٍ إما أن يكون التكذيب قد زال فلا يتوجه عليهم الذم بالتكذيب الأول وإما أن يكون مستمراً وهو الواجب ليصح كونه وارداً ذماً لهم بالتسرع إلى التكذب الذي هو منطوق النص فيجب أن يكون العطف على قوله سبحانه : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } [ يونس : 38 ] ويكون ذلك لبيان أنهم كذبوا عن علم وهذا لبيان تكذيبهم قبله أيضاً ويكون الجهتان منظورتين وأنهم مذمومون فيهما .
والحاصل أن { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } [ يونس : 38 ] لا مرية فيه أنه تكذيب بعد العلم لمكان الأمر بعده . لكن لما جعل التوقع المفاد بلما لعلم الإعجاز لزم أن يكون بالنسبة إلى حالهم الأولى وهو التكذيب قبل العلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوقع زواله بالعلم ويكون معنى المبالغة في { لَّمّاً } الإشعار باستغراق الوقت للتكذيب إلى زمان التأويل المنتظر الواقع الذي كذبوا فيه عناداً وبغياً .
الوجه الثاني : حمل التأويل على المعنى الثاني الذي ذكرناه . والمعنى بل سارعوا إلى التكذيب قبل الإحاطة بعلمه ليعرفوا إعجاز نظمه ، وقيل : إتيان التأويل المنتظر وهو ما يؤول إليه من الصدق في الإخبار بالمغيبات ، والمقصود من هذا ذمهم بالتسارع إلى التكذيب من الوجهين لكن لما كان مع الوجهين علم ما يتضمنه لو يدبروا لم يكن فيه شيء منتظر والثاني لما لم يكن كذلك كان فه أمر منتظر ، وأتى بحرف التوقع دليلاً عن أن هذا المنتظر كائن وسيظهر أنهم مبطلون فيه أيضاً كالأول ولا نظر إلى أنهم مذمومون حالتي العناد والتقليد بل المقصود كمال إظهار الإلزام بأنه مفروغ عنه مع أمثالهم للتهافت المذكور .
الوجه الثالث أن { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } [ يونس : 38 ] ذم لطائفة كذبوا عن علم وهذا ذم لأخرى كذبت عن شك ولما وجد فيما بينهم القسمات أسند الكل إلى الكل وليس بدعا في القرآن ، والغرض من الاضراب تعميم التكذيب وانه كان الواجب على الشاك التوقف لا التسرع إلى التكذيب ومعنى التوقع أنه سيزل شكهم فسيعلم بعضهم ويبقى بعض على ما هو عليه ، والآية ساكتة عن التفصيل ناطقة بزوال الشك ولا خفاء أن الشاك ينتظر وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يتوقع زوال شكهم انتهى ، ولا يخفى أن ما نقلنا أولاً أولى بالقبول عند ذوي العقول .
وأورد على دعوى أن { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } [ يونس : 38 ] تكذيب بعد العلم أنها ناشئة من عدم العلم وما سيق لاثباتها في حيز المنع فإن الإلزام بعد التحدي وذلك القول قبله ، وكونه مسبوقاً بالتحدي الوارد في سورة البقرة يرده أنها مدنية وهذه مكية .
نعم ربما يقال في الاستدلال على كون ذلك القول بعد العلم بوقوع حكايته في النظم الكريم بعد حكاية الإشارة إلى مضمونه بقوله تعالى : { قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ } [ يونس : 15 ] ورده بما سمعته هناك حسبما قرره الجمهور ، وبيان ذلك أنهم نقل عنهم أولاً الإشارة إلى نسبة الافتراء إلى سيد الصادقين صلى الله عليه وسلم ثم نقل عنهم التصريح بذلك ، والظاهر أن الأمر حسبما نقل لكثرة وقوع التصريح بعد الإشارة ، وقد تخلل ردماً أشاروا إليه في البين فيحتمل أنهم عقلوه وعلموا الحق لكنهم لم يقروا به عناداً وبغياً فصرحوا بما صرحوا فيكون ذلك منهم بعد العلم ولترقيهم من الإشارة إلى التصريح ترقي في الزامهم فإن هذا التحدي أظهر في الإلزام مما تقدم كما هو ظاهر ، لكن للمناقشة في هذا مجال ، ويخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون الاضراب عن ذمهم بالتكذيب بالقرآن إلى ذمهم بالمسارعة إلى تكذيب ما لم يحيطوا به علماً وأن الوقوف على العلم به متوقع سواء كان قرآنا أو غيره فما عامة للأمرين ويدخل القرآن في العموم دخولاً أولياً ولعله أولى مما قيل : إنه اضراب عن مقدر وينبغي أن تسمى بل هذه فصيحة فإن المعنى فما أجابوا أو ما قدروا أن يأتوا بل كذبوا الخ { كذلك } أي مثل تكذيبهم من غير تدبر وتأمل { كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي فعلوا التكذيب أو كذبوا أنبياءهم فيما أتوا به { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين } خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون عاماً لكل من يصلح له ، والمراد بالظالمين الذين من قبلهم ، ووضع المظهر موضع المضمر للإيذان بكون التكذيب ظلماً وبعليته لإصابة ما أصابهم من سوء العاقبة وبدخول هؤلاء الذين حكى عنهم ما حكى في زمرتهم جرماً ووعيداً دخولاً أولياً ، والفاء لترتيب ما بعدها على محذوف ينساق إليه الكلام أي فاهلكناهم فانظر الخ ، وكيف في موضع نصب خبر كان ، وقد يتصرف فيها فتوضح موضع المصدر وهو كيفية ويخلع عنها معنى الاستفهام بالكلية ، وهي هنا تحتمل ذلك ، وكذا قول البخاري رضي الله تعالى عنه : كيف كان بدء الوحي كما قال السمين ؛ ونقل إنه أن فعل النظر معلق عن العمل لمكان كيف لأنهم عاملوها في كل موضع معاملة الاستفهام المحض .
ولكن لما بان عجزهم تبين أن ما قالوه باطل ، لا حظ له من الحجة ، والذي حملهم على التكذيب بالقرآن المشتمل على الحق الذي لا حق فوقه ، أنهم لم يحيطوا به علمًا .
فلو أحاطوا به علمًا وفهموه حق فهمه ، لأذعنوا بالتصديق به ، وكذلك إلى الآن لم يأتهم تأويله الذي وعدهم أن ينزل بهم العذاب ويحل بهم النكال ، وهذا التكذيب الصادر منهم ، من جنس تكذيب من قبلهم ، ولهذا قال : { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ْ } وهو الهلاك الذي لم يبق منهم أحدًا .
فليحذر هؤلاء ، أن يستمروا على تكذيبهم ، فيحل بهم ما أحل بالأمم المكذبين والقرون المهلكين .
وفي هذا دليل على التثبت في الأمور ، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده ، قبل أن يحيط به علمًا .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} إذ زعموا أن لا جنة، ولا نار ولا بعث،
{ولما يأتيهم تأويله} يعني بيانه،
{كذلك كذب الذين من قبلهم} من الأمم الخالية،
{فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} يعني المكذبين بالبعث.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبك، ولكن بهم التكذيب "بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بعِلْمِهِ "مما أنزل الله عليك في هذا القرآن من وعيدهم على كفرهم بربهم، "وَلمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ" يقول: ولما يأتهم بعد بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله في هذا القرآن.
"كذلكَ كَذّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" يقول تعالى ذكره: كما كذّب هؤلاء المشركون يا محمد بوعيد الله، كذلك كذّب الأمم التي خلت قبلهم بوعيد الله إياهم على تكذيبهم رسلهم وكفرهم بربهم.
"فانْظُرُ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِين" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد كيف كان عقبىَ كفر من كفر بالله، ألم نهلك بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالغرق؟ يقول: فإن عاقبة هؤلاء الذي يكذّبونك ويجحدون بآياتي من كفار قومك، كالتي كانت عاقبة من قبلهم من كفرة الأمم، إن لم ينيبوا من كفرهم ويسارعوا إلى التوبة.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) قال بعضهم: ما لم يحفظوا نظمه ولا لفظه، ولا نظروا فيه، ولا تدبروا ليعلموا (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) بالبديهة. والشيء إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه والتفكر والتدبر لا بالبديهة، فذلك، والله أعلم، تأويل قوله (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) كذبوا على علم منهم أنهم كذبة في ما يقولون، وينقلون أنه مفترى ليس بمنزل.
قيل: التأويل هو رد كل شيء إلى أولية الأمر. وقالت الحكماء: التأويل آخر كل فعل: هو قصد في أوله، وقصد كل شيء في أوله هو آخره في فعل أو نحوه.
وقال بعضهم: (ولما يأتهم تأويله) ما وعد الله أن يكون قبل أن يكون، وقال ابن عباس رضي الله عنه: تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا وبما يكون منه يوم القيامة، وهو العذاب الذي وعد...
وأصل التأويل هو النظر إلى ما تؤول عاقبة الأمر.
وقوله تعالى: (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أي كذلك كذب الأمم السابقة رسلهم كما كذب كفار مكة رسولهم؛ أي لست أنت بأول مكذب، بل كذب من كان قبلك من إخوانك ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه وردهم عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأولئك، إن هم أقاموا على ما هم عليه.
والثاني: أن يكون الخطاب، وإن كان خارجا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو راجع إلى قومه، يأمر بالنظر في ما نزل بالأمم السالفة، وأن يتأملوا أحوالهم ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه.
وقوله تعالى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) بالتكذيب؛ أي كيف يعاقبون، ويُعَذَّبون؟ والله أعلم.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
قابلوا الحقَّ بالتكذيب لِتَقاصُر علومهم عن التحقيق، فالتحقيقُ من شرط التصديق، وإنما يؤمن بالغيب مَنْ لوَّح- سبحانه- لقلبه حقائق البرهان، وصَرَفَ عنه دواعي الرِّيَب.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{بَلْ كَذَّبُواْ}: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجأوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشئ على التقليد... إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه -وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة- أنكرها في أوّل وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسّ إدراكها بحاسّة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلاّ صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب.
فإن قلت: ما معنى التوقع في قوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}؟ قلت: معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل، تقليداً للآباء. وكذبوه بعد التدبر، تمرداً وعناداً، فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرّر عليهم التحدّي، ورازوا قواهم في المعارضة واستيقنوا عجزهم عن مثله، فكذبوا به بغياً وحسداً {كَذَلِكَ} أي مثل ذلك التكذيب {كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} يعني قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن قلدوا الآباء وعاندوا.
وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون. ويجوز أن يكون معنى {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق، يعني أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حدّ الإعجاز، وقبل أن يخبروا أخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم كان كأنه قيل: فقال لهم ذلك فلم يأتوا لقومهم بشبهة توجب شكاً فضلاً عن مصدق، لأنه معجز لكونه كلاماً في أعلى طبقات البلاغة بحسن النظام والجزالة منزلاً من عند الله المحيط علماً وقدرة، فهو مشتمل من كل معنى على ما علا كل العلو عن مدان {بل}. وأحسن من ذلك أنه لما أقام الدليل على أن القرآن كلامه، وكان الدليل إنما من شأنه أن يقام على من عرض له غلط أو شبهة، وكان قولهم {افتراه} لا عن شبهة وإنما هو مجرد عناد، نبه سبحانه على ذلك وعلى أنه إنما أقام الدليل لإظهار عنادهم لا لأن عندهم شبهة في كونه حقاً بالإضراب عن قولهم فقال: {بل} أي لم يقولوا {افتراه} عن اعتقاد منهم لذلك بل {كذبوا} أي أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك من غير أن يتفهموه مستهينين {بما لم يحيطوا بعلمه} أي في نظمه أو معناه من غير شبهة أصلاً بل عناداً وطغياناً ونفوراً مما يخالف دينهم وشراداً، فهو من باب "من جهل شيئاً عاداه "والإحاطة: إرادة ما هو كالحائط حول الشيء، فإحاطة العلم بالشيء العلم به من جميع وجوهه.
ولما كان لا بد من وقوع تأويله، وهو إتيان ما فيه من الإخبار بالمغيبات على ما هي عليه، قال: {ولما يأتهم} أي إلى زمن تكذيبهم {تأويله} أي ترجيعنا لأخباره إلى مراجعها وغاياتها حتى يعلموا أصدق هي أم كذب، فإنه معجز من جهة نظمه ومن جهة صدقه في أخباره؛ والتأويل: المعنى الذي يؤول إليه التفسير، وهو منتهى التصريح من التضمين.
ولما كان كأنه قيل: إن فعلهم هذا لعجب، فما حملهم على التمادي فيه؟ فقيل: تبعوا في ذلك من قبلهم لموافقتهم في سوء الطبع، قال مهدداً لهم ومسلياً له صلى الله عليه وسلم: {كذلك} أي مثل تكذيبهم هذا التكذيب العظيم في الشناعة قبل تدبير المعجز {كذب الذين} ولما كان المكذبون بعض السالفين، أثبت الجار فقال: {من قبلهم} أي من كفار الأمم الخالية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم؛ ولما كان التكذيب خطراً لما يثير من السرور، سبب عنه -تحذيراً منه- النظر في عاقبة أمره فقال: {فانظر} أي بعينك ديارهم وبقلبك أخبارهم.
ولما كان من نظر هذا النظر وجد فيه أجل معتبر وأعلى مزدجر، وجه السؤال إليه بقوله: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الظالمين} أي الذين رسخت أقدامهم في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى كذبوا من لا يجوز عليه الكذب بوجه، ومن المقطوع به أن هذا المسؤول يقول من غير تلعثم ولا تردد: عاقبة وخيمة قاصمة ذميمة؛ والعاقبة سبب تؤدي إليه البادئة، فالذي أدى إلى هلاكهم بعذاب الاستئصال ما تقدم من ظلمهم لأنفسهم وعتوهم في كفرهم.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} هذا إضراب عن بعض ما يتضمنه قولهم (افتراء) وما يستلزمه- ككونهم يعتقدون أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يكذب، أو أن القرآن في جملته افتراء منه، وقد ثبت أنهم كانوا يعلمون تحريه الصدق في كل ما يقوله، وانتقال إلى بيان موضوع تكذيبهم بظنهم أنه محال في نفسه، وهو ما أنذرهم من عذاب الله لهم في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا له ويتبعوه، وقد وصفهم بعدم إحاطتهم بعلمه، أي لم يعلموه من جميع وجوهه ونواحيه، وبأنه لما يأتهم تأويله، أي مصداقه إلى ذلك الوقت، مع توقع إتيانه، وبتشبيه تكذيبهم إياه بتكذيب الذين من قبلهم بمثله، فبين ما كذبوا به بهذه الصفات الثلاث.
فالوصف الأول: لما كذبوا به أنه ما لم يحيطوا بعلمه، فيكون تكذيبهم صحيحا وإنما ظنوا ظنا، والظن لا يغني من الحق شيئا،
والوصف الثاني: قوله: {ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أي ولم يأتهم إلى الآن ما يؤول إليه ويكون مصداقا له بالفعل، وإتيانه متوقع بل آت لابد منه، وقد خبط المفسرون الفنيون في معنى هذا التأويل منذ القرون الوسطى، لأنهم لم يفهموا القرآن بلغته الحرة الفصحى، بل بلغة اصطلاحاتهم الفنية ولاسيما أصول الفقه والكلام. فقال بعضهم: إنهم كذبوا بما لم يفهموا معناه، وقال بعضهم: إنهم كذبوا بما لم يظهر لهم وجه الإعجاز فيه، ولو صح هذا أو ذاك لكانوا معذورين بالتكذيب طبعا، وسبب مثل هذا الغلط جعلهم التأويل تارة بمعناه عند بعض المفسرين وهو رديف التفسير، وتارة بمعناه عند المتكلمين والأصوليين، وهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله في اللغة بشرط موافقته للشرع، لتخرج تأويلات الباطنية وغلاة الصوفية...
وأما التأويل في لغة القرآن فله معنى واحد -لا معنى له سواه- وهو عاقبة الشيء ومآله الذي يؤول إليه، من بيان مصداقه المراد منه بالفعل، كما قلنا آنفا، وبيناه بالتفصيل في تفسير آية المحكمات والمتشابهات من سورة آل عمران التي أطال الرازي في الكلام عليها، فأخطأ محجة الصواب، وحرم الحكمة وفصل الخطاب، فكان أجدر بالخطأ هنا وقد التزم الاختصار، وأوضح الأدلة على ذلك بعد ما علمت من حمله التأويل على المعنى الاصطلاحي غفلته عن نفي إتيانه بحرف لما الدال على توقعه، إذ معناه أن تأويله لم يأتهم إلى الآن، وإتيانه متوقع بعده، وغفلته عن تشبيه تكذيبهم بتكذيب من قبلهم في الجملة الآتية، والمتبادر منه أنه وعيد الله إياهم على تكذيبهم لرسوله صلى الله عليه وسلم بالعذاب في الدنيا قبل الآخرة، ونصره عليهم، وهو ما فسر الآية به إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري...
الوصف الثالث: التشبيه الذي ذكرناه في الإجمال وهو قوله تعالى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} شبه تكذيب مشركي مكة لمحمد صلى الله عليه وسلم بتكذيب من قبلهم من مشركي الأمم لرسلهم بما لم يحيطوا بعلمه قبل أن يأتيهم تأويله من عذاب الله الذي أوعدهم به، كما ترى في قصصهم المفسرة في السور العديدة ولاسيما سورة الشعراء المبدوءة فيها بقوله: {كذبت قوم نوح المرسلين} [الشعراء: 105] {كذبت عاد المرسلين} [الشعراء: 123] {كذبت ثمود المرسلين} [الشعراء:141]، ثم ذكر لفظ التكذيب في وعيدهم كقول هود لقومه: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} إلى قوله: {فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية} [الشعراء: 139] الخ، وقول صالح لقومه بعدهم إذ أتتهم آية الناقة: {ولَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ* فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} [الشعراء: 156 158] الخ، فهذا تأويله المراد من قوله هنا.
{فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} أي فانظر أيها الرسول أو العاقل المعتبر كيف كان عاقبة الظالمين لأنفسهم بتكذيب رسلهم، وهو تأويل وعيدهم لهم، لتعلم مصير الظالمين من بعدهم، وهذه العاقبة مبنية بالإجمال في قوله: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ومِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ ومِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ولَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] وسيأتي ما يؤيد ما قررناه كله قريبا في الآيات (46 و55).
وقد أنذر الله قوم محمد صلى الله عليه وسلم ما نزل بالأمم قبلهم في الدنيا بهذه الآية وغيرها من هذه السورة وفي سور كثيرة كما أنذرهم عذاب الآخرة، وكذبه المعاندون المقلدون في كل منهما ظانين أنه لا يقع، لا غير فاهمين لمعناه أو لإعجازه، ولكن قضت حكمته تعالى حفظ قومه من تكذيب أكثرهم، وما يقتضيه من أخذ عذاب الاستئصال لهم، وراجع إلى قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] الخ تعلم علم اليقين أن ما قررناه هو حق اليقين الذي لا تقبل غيره لغة القرآن، وأنه هو الذي يتفق مع سائر الآيات... وأما تلقين المسلمين أنفسهم للعقائد وقواعد الإسلام فيجب أن يعتمد فيها على آيات القرآن والمأثور في الأحاديث وسيرة الصحابة وعلماء التابعين وأئمة الهدى قبل ظهور البدع، ومن أكبر الضلال أن يعتمد فيها على أقولة المتكلمين، فتجعل أصلا ترد إليها آيات القرآن المبين، إيثارا لبيانهم على بيانه...