روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ} (51)

والمراد بقوله سبحانه : { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } زيادة التنديم والتجهيل ، والمعنى أئذا وقع العذاب وحل بكم حقيقة آمنتم به وعاد استهزاؤكم وتكذيبكم تصديقاً وإذعاناً ، وجىء بثم دلالة على زيادة الاستبعاد ، وفيه إن هذا الثاني أبعد من الأول وأدخل في الإنكار .

وجوز أن يكون هذا جواب الشرط والاستفهامية الأولى اعتراض ، والمعنى أخبروني أن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان ، وأصل الكلام على ما قيل : إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ووقع وتحقق آمنتم ثم جىء بحرف التراخي بدل الواو دلالة على الاستبعاد ثم زيد أداة الشرط دلالة على استقلاله بالاستبعاد وعلى أن الأول كالتمهيد له وجىء بإذا مؤكداً بما ترشيحاً لمعنى الوقوع والتحقيق وزيادة للتجهيل وأنهم لم يؤمنوا إلا بعد إن لم ينفعهم البتة ، وهذا الوجه مما جوزه الزمخشري . وتعقب بأنه في غاية البعد لأن ثم حرف عطف لم يسمع تصدير الجواب به والجملة المصدرة بالاستفهام لا تقع جواباً بدون الفاء وأجيب عن هذا بما مر .

وأما الجواب عنه بأنه أجرى { ثُمَّ } مجرى الفاء فكما أن الفاء في الأصل للعطف والترتيب وقد ربطت الجزاء فكذلك هذه فمخالف لإجماع النحاة ، وقياسه على الفاء غير جلي ولهذه الدغدغة قيل : مراد الزمخشري أنه يدل على الجواب والتقدير إن أتاكم عذابه أمنتم به بعد وقوعه وما في النظم الكريم معطوف عليه للتأكيد نحو { كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ التكاثر : 3 ، 4 ] وتعقب بأنه لا يخفى تكلفه فإن عطف التأكيد بثم مع حذف المؤكد مما لا ينبغي ارتكابه ولو قيل : المراد إن { أَمِنتُمْ } هو الجواب و { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ } معترض فالاعتراض بالواو والفاء وأما بثم فلم يذهب إليه أحد ، وبالجملة قد كثر الجرح والتعديل لهذا الوجه ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر . وقرىء { ثُمَّ } بفتح الثاء بمعنى هنالك ، وقوله سبحانه : { الئان } على تقدير القول وهو الأظهر والأقوى معنى أي قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب الآن آمنتم به . فالآن في محل نصب على أنه ظرف لآمنتم مقدراً ، ومنع أن يكون ظرفاً للمذكور لأن الاستفهام له صدر الكلام . وقرىء بدون همزة الاستفهام والظاهر عندي على هذا تعلقه بمقدر أيضاً لأن الكلام على الاستفهام ، وبعض جوز تعلقه بالمذكور وليس بذاك . وعن نافع أنه قرىء { الئان } بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام ، وقوله سبحانه : { وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } في موضع الحال من فاعل { أَمِنتُمْ } المقدر ، والكلام على ما قيل مسوق من جهته تعالى غير داخل تحت القول الملقن لتقرير مضمون ما سبق من إنكار التأخير والتوبيخ عليه ، وفائدة الحال تشديد التوبيخ والتقريع وزيادة التنديم والتحسير . قال العلامة الطيبي : إن الآن آمنتم به يقتضي أن يقال بعده : وقد كنتم به تكذبون لا { تَسْتَعْجِلُونَ } إلا أنه وضع موضعه لأن المراد به الاستعجال السابق وهو ما حكاه سبحانه عنهم بقوله تعالى : { متى هذا الوعد } [ يونس : 48 ] وكان ذلك تهكماً منهم وتكذيباً واستبعاداً ، وفي العدول استحضار لتلك المقالة الشنيعة فيكون أبلغ من تكذبون ، وتقديم الجار والمجرور على الفعل لمراعاة الفواصل ، وقوله تعالى : { ثُمَّ قِيلَ } الخ عطف على قيل المقدر قبل { الئان } لتوكيد التوبيخ .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ} (51)

{ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ْ } فإنه لا ينفع الإيمان حين حلول عذاب الله ، ويقال لهم توبيخًا وعتابًا في تلك الحال التي زعموا أنهم يؤمنون ، { الْآنَ ْ } تؤمنون في حال الشدة والمشقة ؟ { وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ْ } فإن سنة الله في عباده أنه يعتبهم إذا استعتبوه قبل وقوع العذاب ، فإذا وقع العذاب لا ينفع نفسًا إيمانها ، كما قال تعالى عن فرعون ، لما أدركه الغرق { قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ْ } وأنه يقال له : { الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ْ } .

وقال تعالى : { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ْ } وقال هنا : { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ، آلْآنَ ْ } تدعون الإيمان{[401]} { وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ْ } فهذا ما عملت أيديكم ، وهذا ما استعجلتم به .


[401]:- كذا في ب، وفي أ: للإيمان.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ} (51)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{أثم إذا ما وقع} يعني قول القرآن،

{ءامنتم به ألآن} حين لم تنفعكم،

{وقد كنتم به} يعني بالعذاب، {تستعجلون}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: أهنالك إذا وقع عذاب الله بكم أيها المشركون "آمنتم به"، يقول: صدّقتم به في حال لا ينفعكم فيها التصديق، وقيل لكم حينئذ: "آلاَن "تصدّقون به، "وقد كنتم" قبل الآن "به تستعجلون"، وأنتم بنزوله مكذّبون فذوقوا الآن ما كنتم به تكذّبون.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ) قيل: أي العذاب إذا نزل بكم آمنتم به الآن. يخبر عنهم أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون.

ثم يحتمل قوله: (آمنتم به) أي بالله وبرسوله كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين) [غافر: 84] ثم أخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب، وهو كقوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) [غافر: 85] وقوله: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) [الأنعام: 158].

ويحتمل قوله: (آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ) أي بالعذاب لأنهم يكذبون رسول الله في ما يدعوهم بالعذاب، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا، فإذا نزل بهم آمنوا، أي صدقوا بذلك العذاب؛ يقول: (آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل بكم ذلك، والله أعلم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله: {أثم إذا ما وقع آمنتم به} فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله: {أو أمن أهل القرى -أفأمن} وهو يفيد التقريع والتوبيخ، ثم أخبر تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون، يقال: آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

...أيستعجل بالعذاب مجرموكم الذين هم أحق بالخوف منه بدلا من الإيمان الذي يدفعه عنهم وعنكم، ثم إذا وقع بالفعل آمنتم به إذ لا ينفع الإيمان، لأنه صار ضروريا بالمشاهدة والعيان لا تصديقا للرسول عليه السلام، وقيل لكم حينئذ من قبل الله تعالى تقريعا وتوبيخا {ءآلآنَ} آمنتم به اضطرارا {وقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} تكذيبا به واستكبارا؟...

والاستعجال يتضمن المالغة في التكذيب المقابل للإيمان، وسيأتي في هذه السورة إيمان فرعون عند إدراك الغرق إياه وأنه يقال له: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس:91].

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطفت جملة: {أثم إذا ما وقع} بحرف المهلة للدلالة على التراخي الرتبي كما هو شأن (ثم) في عطفها الجمل، لأن إيمانهم بالعذاب الذي كانوا ينكرون وقوعه حين وقوعه بهم أغرب وأهم من استعجالهم به... والتقدير: ثم أإذا ما وقع، وليس المراد الاستفهام عن المهلة.

والمستفهم عنه هو حصول الإيمان في وقت وقوع العذاب، وهذا الاستفهام مستعمل في الإنكار بمعنى التغليط وإفساد رأيهم، فإنهم وعدوا بالإيمان عند نزول العذاب استهزاء منهم فوقع الجواب بمجاراة ظاهر حالهم وبيان أخطائهم، أي أتؤمنون بالوعد عند وقوعه على طريقة الأسلوب الحكيم، كقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189.]

وكلمة {آلآن} استفهام إنكاري عن حصول إيمانهم عند حلول ما توعدهم، فعبر عن وقت وقوعه باسم الزمان الحاضر وهو (الآن) حكاية للسانِ حالِ منكر عليهم في ذلك الوقت استحضر حال حلول الوعد كأنه حاضر في زمن التكلم، وهذا الاستحضار من تخييل الحالة المستقبلة واقعة...

وجملة: {وقد كنتم به تستعجلون} ترشيح، وإما تقدير قول في الكلام، أي يقال لهم إذا آمنوا بعد نزول العذاب آلآن آمنتم، كما ذهب إليه أكثر المفسرين. فذلك تقدير معنى لا تقدير نظم وإعراب لأن نظم هذا الكلام أدق من ذلك.

ومعنى: {تستعجلون} تكذبون، فعبر عن التكذيب بالاستعجال حكايةً لحاصل قولهم {متى هذا الوعد} [يونس: 48] الذي هو في صورة الاستعجال، والمرادُ منه التكذيب.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

فالاستفهام إنكاري توبيخي، والتوبيخ من نواح ثلاث: أولاها- من ناحية إنكارهم البعث. ثانيتهما- من ناحية تهكمهم على من ينذرهم. ثالثتها – أنهم لا يؤمنون إلا في الوقت الذي لا ينفع النفس إيمانها.