{ والذين ءاتيناهم الكتاب } نزلت كما قال الماوردي في مؤمني أهل الكتابين كعبد الله بن سلام . وكعب . وأضرابهما من اليهود وكالذين أسلموا من النصارى كالثمانين المشهورين وهم أربعون رجلاً بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة ، فالمراد بالكتاب التوراة والانجيل { يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } ذ إذ هو الكتاب الموعود فيما أوتوه { وَمِنَ الاحزاب } أي من أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف . وأصحابه . والسيد . والعاقب أسقفي نجران . وأشياعهما ، وأصله جمع حزب بكسر وسكون الطائفة المتحزبة أي المجتمعة لأمر ما كعداوة وحرب وغير ذلك ، وإرادة جماعة مخصوصة منه بواسطة العهد { مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } وهو ما لا يوافق كتبهم من الشرائع الحادثة إنشاء أو نسخاً وأما ما يوافق كتبهم فلم ينكروهر وإن لم يفرحوا به ، وعن ابن عباس . وابن زيد أنها نزلت في مؤمني اليهود خاصة . فالمراد بالكتاب التوراة وبالأحزاب كفرتهم . وعن مجاهد . والحسن . وقتادة أن المراد بالموصول جميع أهل الكتاب فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم . فالمراد بما أنزل إليك بعضه وهو الموافق ، واعترض عليه بأنه يأباه مقابلة قوله سبحانه : { وَمِنَ الاحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } لأن إنكار البعض مشترك بينهم ، وأجيب بأن المراد من الأحزاب من حظه انكار بعضه فحسب ولا نصيب له من الفرح ببعض منه لشدة بغضه وعداوته وأولئك يفرحون ببعضه الموافق لكتبهم ، وقيل : الظاهر أن المعنى أن منهم من يفرح ببعضه إذا وافق كتبهم وبعضهم لا يفرح بذلك البعض بل يغتم به وان وافقها وينكر الموافقة لئلا يتبع أحد منهم شريعته صلى الله عليه وسلم كما في قصة الرجم ، وأنت تعلم أن الجوابين ليسا بشيء ، وعلى تفسير الموصول بعامة أهل الكتاب فسر البعض البعض بما لم يوافق ما حرفوه ، وبين ذلك بأن منهم من يفرح بما وافق ومنهم من ينكره لعناده وشدة فساده ، وانكارهم لمخالفة المحرف بالقول دون القلب لعلمهم به أو هو بالنسبة لمن لم يحرفه ، ولعل نعى الإنكار أوفق بالمقام من نعى التحريف عليهم على ما لا يخفى على المتأمل ، وقيل : المراد بالموصول مطلق المسلمين وبالأحزاب اليهود والنصارى والمجوس( {[473]} ) .
وأخرج ذلك ابن جرير عن قتادة ، فالمراد بالكتاب القرآن ، ومعنى { يَفْرَحُونَ } استمرار فرحهم وزيادته وقالت فرقة : المراد بالأحزاب أحزاب الجاهلية من العرب ، وقال مقاتل : هم بنو أمية . وبنو المغيرة . وآل أبي طلحة { قُلْ } صادعاً بالحق غير مكترث بمنكر بعض ما أنزل إليك { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ } أي شيئاً من الأشياء أولا أفعل إلا شراك به سبحانه ، والظاهر أن المراد قصر الأمر على عبادته تعالى خاصة وهو الذي يقتضيه كلام الإمام حيث قال : إن { إِنَّمَا } للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى وهو يدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك ، وقيل : معناه انما أمرت بعبادته تعالى وتوحيده لا بما أنتم عليه .
وفي إرشاد العقل السليم أن المعنى الزاماً للمنكرين ورداً لانكارهم إنما أمرت إلى آخره ، والمراد قصر الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصر الأمر مطلقاً على عبادته سبحانه أي قل لهم : إنما أمرت فيما أنزل إلي بعبادة الله تعالى وتوحيده . وظاهر أن لا سبيل لكم إلى إنكاره لاطباق جميع الأنبياء عليهم السلام والكتب على ذلك لقوله تعالى : { تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ * أَن لا *نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } [ آل عمران : 64 ] فما لكن تشركون به عزيراً . والمسيح عليهما السلام ، ولا يخفى أن هذا التفسير مبني على كون المراد من الأحزاب كفرة أهل الكتابين وهذا الكلام إلزام لهم ، واعترض بأن منهم من ينكر التوحيد وإطباق جميع الأنبياء والكتب عليه كالمثلثة من النصارى .
وأجيب بأنهم مع التثليث يزعمون التوحيد ولا ينكرونه كما يدل عليه قوله : باسم الأب والابن وروح القدس إلهاً واحداً ، وأنت تعلم أن هذا مما لا يحتاج إليه والاعتراض ناشيء من الغفلة عن المراحد ، وقد يقال : المعنى إنما أمرت بعبادة الله تعالى وعدم الإشراك به وذلك أمر تستحسنه العقول وتصرح به الدلائل الآفاقية والانفسية :
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
فانكاره دليل الحماقة وشاهد الجهالة لا ينبغي لعاقل أن يلتفت إليه ، ويجري هذا على سائر تفاسير الأحزاب .
وقرأ أبو خليد عن نافع { وَلاَ أُشْرِكُ } بالرفع على القطع أي وأنا لا أشرك ، وجوز أن يكون حالاً أي أن أعبد الله غير مشرك به قيل : وهو الأولى لخلو الاستئناف عن دلالة الكلام على أن المأمور به تخصيص العبادة به تعالى وفيه بحث { إِلَيْهِ } أي إلى الله تعالى خاصة على النهج المذكور من التوحيد أو إلى ما أمرت به من التوحيد { أَدْعُو } الناس لا إلى غيره ولا إلى شيء آخر مما لا يطبق عليه الكتب الإلهية والأنبياء عليهم السلام فما وجه انكاركم ؟ قاله في الإرشاد أيضاً ، والأولى عود الضمير على الله تعالى كنظيره السابق وكذا اللاحق في قوله سبحانه : { وَإِلَيْهِ } أي الله تعالى وحده { مَئَابٍ } أي مرجعي للجزاء وعلى ذلك اقتصر العلامة البيضاوي وكان قد زاد ومرجعكم فيما تقدم غير بعيد ، واعترض بأنه كان عليه أن يزيده هنا أيضاً بل هذا المقام أنسب بالتعميم ليدل على ثبوت الحشر عموماً وهو المروى عن قتادة ، وقد جعل الإمام هذه الآية جامعة لكل ما يحتاج المرء إليه من معرفة المبدأ والمعاد فقوله سبحانه : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ } جامع لكل ما ورد التكليف به وقوله تعالى : { إِلَيْهِ أَدْعُو } مشير إلى نبوته عليه الصلاة والسلام .
وقوله جل وعلا : { وَإِلَيْهِ مَئَابٍ } إشارة إلى الحشر والبعث والقيامة . وأجاب الشهاب عن ذلك بقوله : إن قول الزمخشري إليه لا إلى غيره مرجعي وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لانكاركم فيه بيان لنكتة التخصيص من أنهم ينكرون حقيقة أو حكماً فلا حاجة إلى ما يقال لا حاجة لذكره هنا لدلالة قوله تعالى : { تِلْكَ * عقبى الذين اتقوا وَّعُقْبَى الكافرين النار } [ الرعد : 35 ] انتهى .
وهو كما ترى ، ولعل الاظهر أن يقال : إن دلالة الكلام عليه هنا ليست كدلالته عليه هناك إذ مساق الآية فيه للتخويف اللائق به اعتباره ومساقها هنا لأمر آخر والاقتصار على ذلك كاف فيه .
/ وأنت تعلم أنه لا مانع من اعتباره ويكون معنى الآية قل في جوابهم : إني إنما أمرني الله تعالى بما هو من معالي الأمور وإليه أدعو وقتاً فوقتا وإليه مرجعي ومرجعكم فيثيبني على ما أنا عليه وينتقم منكم على إنكاركم وتخلفكم عن اتباع دعوتي أو فحينئذ يظهر حقية جميع ما أنزل إلي ويتبين فساد رأيكم في إنكار كم شيئاً منه ، وقد ، يقال على عدم اعتباره نحو ما قيل فيما قبل : إن المعنى قل في مقابلة إنكارهم إني إنما أمرني الله تعالى بما أمرني به وإليه ادعو وإليه مرجعي فيما يعرض لي في أمر الدعوة وغيره فلا أبالي بانكاركم فانه سبحانه كاف من رجع إليه ، ولعل هذا المعنى هنا من حيث انه فيه تأسيس محض أولى منه هناك ، واقتصر في الإرشاد على جعل الكلام إلزاماً وجعله نكتة أمره صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بذلك وذكر أن قوله تعالى : { وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا } شروع في رد إنكارهم لفروع الشرائع .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ } [ الرعد : 36 ] ما أخرج سبحانه أحداً من العبودية حتى سيد أحرار البرية صلى الله عليه وسلم ، وفسرها أبو حفص بأنها ترك كل ملك وملازمة المأمور به .
وقال الجنيد قدس سره : لا يرتقي أحد في درجات العبودية حتى يحكم فيما بينه وبين الله تعالى أوائل البدايات وهي الفروض والواجبات والسنن والأوراد ، ومطايا الفضل عزائم الأمور فمن أحكم على نفسه هذا من الله تعالى عليه بما بعده
{ 36 } { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ }
يقول تعالى : { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } أي : متنا عليهم به وبمعرفته ، { يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } فيؤمنون به ويصدقونه ، ويفرحون بموافقة الكتب بعضها لبعض ، وتصديق بعضها بعضا وهذه حال من آمن من أهل الكتابين ، { وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ } أي : ومن طوائف الكفار المنحرفين عن الحق ، من ينكر بعض هذا القرآن ولا يصدقه .
{ فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } إنما أنت يا محمد منذر تدعوا إلى الله ، { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ } أي : بإخلاص الدين لله وحده ، { إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } أي : مرجعي الذي أرجع به إليه فيجازيني بما قمت به من الدعوة إلى دينه والقيام بما أمرت به .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{والذين آتيناهم الكتاب} يقول: أعطيناهم التوراة، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، مؤمنو أهل التوراة،
{يفرحون بما أنزل إليك} من القرآن، ثم قال: {ومن الأحزاب}، يعني ابن أمية، وابن المغيرة، وآل أبي طلحة بن عبد العزى بن قصي، {من ينكر بعضه}، أنكروا الرحمن، والبعث ومحمدا، عليه السلام، {قل إنما أمرت أن أعبد الله}... {ولا أشرك به} شيئا، {إليه أدعو}... {وإليه مئاب}، يعني: وإليه المرجع...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: والذين أنزلنا إليهم الكتاب ممَّن آمن بك واتبعك، يا محمد، (يفرحون بما أنزل إليك) منه (ومن الأحْزاب من ينكر بعضه)، يقول: ومن أهل الملل المتحزِّبين عليك، وهم أهل أدْيان شَتَّى، من ينكر بعضَ ما أنزل إليك. فقل لهم: (إنَّما أمرتُ)، أيها القوم (أن أعبد الله) وحده دون ما سواه، (ولا أشرك به)، فأجعل له شريكًا في عبادتي، فأعبدَ معه الآلهةَ والأصنامَ، بل أخلِص له الدين حَنِيفًا مسلمًا، (إليه أدعو)، يقول: إلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناسَ، (وإليه مآب)، يقول: وإليه مصيري...
قوله: (ومن الأحزاب من ينكر بعضه)، يعني: اليهودَ والنصارى.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
أخبر عز وجل (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) بذكر الرحمن.. ثم اختلف في قوله: (والذين آتيناهم الكتاب) قال بعضهم: أصحاب محمد فرحوا بما أنزل إلى رسول الله. وقال بعضهم: (والذين آتيناهم الكتاب) أهل التوراة (يفرحون بما أنزل إليك) يذكر ههنا أنهم يفرحون بما أنزل إليك، ويذكر في موضع آخر: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير) [البقرة: 105]. وقال بعضهم في موضع آخر: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) [البقرة: 121] فمن تلا منهم الكتاب حق تلاوته، ولم يبدله، ولم يغيره، فهو يؤمن به، ويفرح بما أنزل على محمد، ومن غيره وبدله، فهو لم يفرح بما أنزل عليه...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
(الأحزاب) جمع حزب، وهم الجماعة التي تقوم بالنائبة، يقال تحزب القوم تحزبا وحزبهم الأمر يخرجهم إذا نالهم بمكروهه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
... قل يا محمد: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ}. والعبوديةُ المبادرة إلى ما أُمِرْتُ به، والمحاذرة مما زجُرْتُ عنه، ثم التبرِّي عن الحَوْل والمُنَة، والاعتراف بالطوْل والمِنَّة. وأصل العبودية القيام بالوظائف، ثم الاستقامة عند رَوْح اللطائف...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{والذين ءاتيناهم الكتاب} يريد من أسلم من اليهود، كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما... هؤلاء {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحزاب} يعني ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب أسقفي نجران وأشياعهما {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم غير محرف، وكانوا ينكرون ما هو نعت الإسلام ونعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما حرّفوه وبدّلوه من الشرائع. فإن قلت: كيف اتصل قوله: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله} بما قبله؟ قلت: هو جواب للمنكرين معناه: قل إنما أمرت فيما أنزل إليّ بأن أعبد الله ولا أشرك به. فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به...
اعلم أن في المراد بكلمة (الكتاب) قولين: الأول: إنه القرآن والمراد أن أهل القرآن يفرحون بما أنزل على محمد من أنواع التوحيد والعدل والنبوة والبعث والأحكام والقصص،...
والقول الثاني: أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل،... إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد في ألفاظ قليلة منه فقال: {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب} وهذا الكلام جامع لكل ما ورد التكليف به، وفيه فوائد: أولها: أن كلمة «إنما» للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى، وذلك يدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك. وثانيها: أن العبادة غاية التعظيم، وذلك يدل على أن المرء مكلف بذلك. وثالثها: أن عبادة الله تعالى لا تمكن إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل، فهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال في معرفة ذات الصانع وصفاته، وما يجب ويجوز ويستحيل عليه. ورابعها: أن عبادة الله واجبة... وخامسها: قوله: {ولا أشرك به} وهذا يدل على نفي الشركاء والأنداد والأضداد بالكلية، ويدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبودا سوى الله تعالى...
وسادسها: قوله: {إليه ادعو} والمراد منه أنه كما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات فكذلك يجب عليه الدعوة إلى عبودية الله تعالى وهو إشارة إلى نبوته. وسابعها: قوله: {وإليه مآب} وهو إشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة فإذا تأمل الإنسان في هذه الألفاظ القليلة ووقف عليها عرف أنها محتوية على جميع المطالب المعتبرة في الدين...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما وصف العالمين بأن المنزل إليه هو الحق برجاحة العقول وأصالة الأداء المؤدية إلى الصلاح الموجب لكل سعادة، والكافرين به بضعف العقول الدافع إلى الفساد الموصل إلى سوء الدار، ومر فيما يلائمه إلى أن ختمه بمثل ما ختم به ذلك، عطف على ذلك قوله -ويمكن أن يكون اتصاله بما قبله أنه معطوف على محذوف هو علة لختم الآية السالفة، تقديره: لأنهم ساءهم ما أنزل إليه حسداً وجهلاً -: {والذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة التي استنقذتهم من الضلال {الكتاب} ولم يكفروا بالرحمن ولا بما أنزل ولا بمن أرسل {يفرحون بما} ولما كان المنزل دالاًّ بإعجازه على المنزل، بنى للمفعول قوله: {أنزل إليك} أي من هذا الكتاب الأعظم لموافقته تلك الكتب لأن كلام الله كله من مشكاة واحدة، وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بالكتاب دون غيرهم، فكأنه ما أنزل إلا إليهم...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{قُلْ} إلزاماً لهم ورداً لإنكارهم {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ} أي شيئاً من الأشياء أو لا أفعل الإشراكَ به، والمراد قصرُ الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصرُ الأمرِ مطلقاً على عبادته تعالى خاصة، أي قل لهم: إنما أمرتُ فيما أُنزل إلي بعبادة الله وتوحيده، وظاهرٌ أن لا سبيلَ لكم إلى إنكاره لإطباق جميعِ الأنبياءِ والكتبِ على ذلك كقوله تعالى: {قُلْ يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} [آل عمران، الآية 64] فما لكم تشركون به عُزيراً والمسيحَ؟ وقرئ ولا أشركُ به بالرفع على الاستئناف أي وأنا لا أشرك به {إِلَيْهِ} إلى الله تعالى خاصة على النهج المذكورِ من التوحيد أو إلى ما أمرت به من التوحيد {أَدْعُو} الناسَ لا إلى غيره أو لا إلى شيء آخرَ مما يُطبق عليه الكتبُ الإلهية والأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام فما وجهُ إنكارِكم {وَإِلَيْهِ} إلى الله تعالى وحده {مَآبٍ} مرجعي للجزاء، وحيث كانت هذه الحجةُ الباهرة لازمةً لهم لا يجدون عنها محيصاً أُمر عليه الصلاة والسلام بأن يخاطبَهم بذلك إلزاماً وتبكيتاً لهم...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إن الفريق الصادق من أهل الكتاب في الاستمساك بدينه، يجد في هذا القرآن مصداق القواعد الأساسية في عقيدة التوحيد؛ كما يجد الاعتراف بالديانات التي سبقته وكتبها، ودرسها مع الإكبار والتقدير، وتصور الآصرة الواحدة التي تربط المؤمنين بالله جميعا. فمن ثم يفرحون ويؤمنون. والتعبير بالفرح هنا حقيقة نفسية في القلوب الصافية وهو فرح الالتقاء على الحق، وزيادة اليقين بصحة ما لديهم ومؤازرة الكتاب الجديد له...
(قل: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به. إليه أدعو، وإليه مآب). فله وحده العبادة، وإليه وحده الدعوة، وله وحده المآب...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
هذا استئناف ابتدائي انتقل به إلى فضل لبعض أهل الكتاب في حسن تلقيهم للقرآن بعد الفراغ من ذكر أحوال المشركين من قوله: {كذلك أرسلناك في أمة} [سورة الرعد: 30] الخ، ولذلك جاءت على أسلوبها في التعقيب بجملة {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} [سورة الرعد: 36]. والمناسبة هي أن الذين أرسل إليهم بالقرآن انقسموا في التصديق بالقرآن فِرقاً؛ ففريق آمنوا بالله وهم المؤمنون، وفريق كفروا به وهم مصداق قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} [سورة الرعد: 30]، كما تقدم أنه عائد إلى المشركين المفهومين من المقام كما هو مصطلح القرآن. وهذا فريق آخر أيضاً أهل الكتاب وهو منقسم أيضاً في تلقي القرآن فرقتين: فالفريق الأول صدّقوا بالقرآن وفرحوا به وهم الذين ذُكروا في قوله تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} في سورة العقود (83)، وكلهم من النصارى مثل ورقة بن نوفل وكذلك غيره ممن بلغهم القرآن أيام مُقام النبي بمكة قبل أن تبلغهم دعوة النبي فإن اليهود كانوا قد سُرُّوا بنزول القرآن مصدّقاً للتوراة، وكانوا يحسبون دعوة النبي مقصورة على العرب فكان اليهود يستظهرون بالقرآن على المشركين، قال تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [سورة البقرة: 89]. وكان النصارى يستظهرون به على اليهود؛ وفريق لم يثبت لهم الفرحُ بالقرآن وهم معظم اليهود والنصارى البعداء عن مكة وما كفر الفريقان به إلا حين علموا أن دعوة الإسلام عامة. وبهذا التفسير تظهر بلاغة التعبير عنهم بيفرحون دون {يؤمنون}. وإنما سلكنا هذا الوجه بناءً على أن هذه السورة مكية... فالمراد بالذين آتياناهم الكتاب الذين أوتوه إيتاء كاملاً، وهو المجرد عن العصبية لما كانوا عليه وعن الحسد... وفي التعبير عنهم بالأحزاب إيماء إلى أن هؤلاء هم المتحزبون المتصلبون لقومهم ولما كانوا عليه. وهكذا كانت حالة اضطراب أهل الكتاب عندما دمغتهم بعثة النبي وأخذ أمر الإسلام يفشو. {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه ادعوا وإليه مئاب}. أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن للفريقين بأنه ما أمر إلا بتوحيد الله كما في الآية الأخرى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [سورة آل عمران: 64]، فمن فرح بالقرآن فليزدد فرحاً ومن أنكر بعضه فليأخذ بما لا ينكره وهو عدم الإشراك. وقد كان النصارى يتبرؤون من الشرك ويعُدّون اعتقاد بُنوة عيسى عليه السلام غير شرك. وهذه الآية من مجاراة الخصم واستنزال طائر نفسه كيلا ينفر من النظر...
ولما كان المأمور به مجموع شيئين: عبادة الله، وعدم الإشراك به في ذلك آل المعنى: أني ما أمرت إلا بتوحيد الله. ومن بلاغة الجدل القرآني أنه لم يأت بذلك من أول الكلام بل أتى به متدرّجاً فيه فقال: {أن أعبد الله} لأنه لا ينازع في ذلك أحد من أهل الكتاب ولا المشركين، ثم جاء بعده {ولا أشرك} به لإبطال إشراك المشركين وللتعريض بإبطال إلهية عيسى عليه السلام لأن ادعاء بنوته من الله تعالى يؤول إلى الإشراك...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
المراد أن المؤمنين الصادقين يستقبلون الوحي المنزل من عند الله بفرح وابتهاج، وثقة وتصديق، وأنهم لا يزيدون به إلا إيمانا، ولا يزدادون به إلا تمسكا، ولا يبدون عليه أي اعتراض أو امتعاض، إذ لا يأتيهم إلا بما فيه الصلاح والفلاح دنيا وأخرى، بينما المنافقون يستقبلونه بالإقرار والرضا حينا، وبالإنكار والسخط أحيانا، إذ يعيرون الوحي بمعيار أهوائهم وشهواتهم ودسائسهم، فمتى نزل القرآن بما يقف حجر عثرة في طريق تلك الأهواء والشهوات تمارضوا واعترضوا، ومتى كشف القرآن النقاب عن دسائسهم لووا رؤوسهم وأعرضوا، ولا يزال موقف الفريقين من كتاب الله على هذا الحال إلى الآن وحتى الآن، فالمؤمنون به يرون في مبادئه ومناهجه وشعائره وشرائعه المثل الأعلى، والنظام الأصلح والأفضل، الذي يجب أن يسود العالم، والمنافقون يسلمون بعضه، وينكرون بعضه أو ينكرونه بالمرة، لأنهم يريدون قرآنا يطاوع أغراضهم ويساير أهواءهم {وما أولئك بالمؤمنين} [النور: 47]...