{ وَمَا أَرْسَلْنَا } أي في الأمم الخالية من قبلك كما سيذكر إن شاء الله تعالى إجمالاً { مِن رَّسُولٍ إِلاَّ } متلبساً { بِلِسَانِ قَوْمِهِ } متكلماً بلغة من أرسل إليهم من الأمم المتفقة على لغة سواء بعث فيهم أولاً ، وقيل : بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم ، ولا ينتقض الحصر بلوط عليه السلام فإنه تزوج منهم وسكن معهم ، وأما يونس عليه السلام فإنه من القوم الذين أرسل إليهم كما قالوه فلا حاجة إلى القول بأن ذلك باعتبار الأكثر الأغلب ولعل الأولى ما ذكرنا . وقرأ أبو السمال . وأبو الحوراء . وأبو عمران الجوني { بلسن } بإسكان السين على وزن ذكر وهي لغة في لسان كريش ورياش ، وقال صاحب اللوامح : إنه خاص باللغة واللسان يطلق عليها وعلى الجارحة وإلى ذلك ذهب ابن عطية . وقرأ أبو رجاء . وأبو المتوكل . والجحدري { بلسن } بضم اللام والسين وهو جمع لسان كعماد وعمد . وقرىء { بلسن } بضم اللام وسكون السين وهو مخفف لسن كرسل ورسل { لِيُبَيّنَ } ذلك الرسول { لَهُمْ } لأولئك القوم الذين أرسل إليهم ما كلفوا به فيتلقوه منه بسهولة وسرعة فيمتثلوا ذلك من غير حاجة إلى الترجمة وحيث لم تتأت هذه القاعدة في شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه المرسلين أجمعين لعموم بعثته وشموله رسالته الأسود والأحمر والجن والبشر على اختلاف لغاتهم وكان تعدد نظم الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم عليه حسب تعدد ألسنة الأمم أدعى إلى التنازع واختلاف الكلمة وتطرق أيدي التحريف مع أن استقلال بعض من ذلك بالإعجاز مئنة لقدح القادحين ، واتفاق الجميع فيه أمر قريب من الإلجاء المنافي للتكليف ، وحصل البيان بالترجمة والتفسير اقتضت( {[476]} ) الحكمة المنبىء عن العزة وجلالة الشأن المستتبع لفوائد غنية عن البيان ، على أن الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند التعدد إذ لا بد لكل طائفة من معرفة توافق الكل حذو القذة بالقذة من غير مخالفة ولو في خصلة فذة ، وإنما يتم ذلك بمن يترجم عن الكل واحداً أو متعدداً وفيه من التعذر ما فيه ، ثم لما كان أشرف الأقوام وأولاهم بدعوته عليه الصلاة والسلام قومه الذين بعث بين ظهرانيهم ولغتهم أفضل اللغات نزل الكتاب المبين بلسان عربي مبين وانتشرت أحكامه بين الأمم أجمعين ، كذا قرره شيخ الإسلام الإسلام والمسلمين وهو من الحسن بمكان ، بيد أن بعضهم أبقى الكلام على عمومه بحيث يشمل النبي( {[477]} ) صلى الله عليه وسلم وأراد بالقوم الذين ذلك الرسول منهم وبعث فيهم ، والمراد من قومه صلى الله عليه وسلم العرب كلهم ، ونقل ذلك أبو شامة في المرشد عن السجستاني واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم :
" انزل القرآن على سبعة أحرف " وفيه نظر ظاهر .
وقال ابن قتيبة : المراد منهم قريش ولم ينزل القرآن إلا بلغتهم ، وقيل : إنما نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر رضي الله تعالى عنه : نزل القرآن بلغة مضر ، وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر سبعاً منهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسيد بن خزيمة وقريش ، وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : نزل بلغة الكعبين كعب قريش وكعب خزاعة فقيل : وكيف ؟ فقال : لأن الدار واحدة يعني خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم ؛ وجاء عن أبي صالح عنه أنه قال : نزل على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن ويقال لهم عليا هوازن ، ومن هنا قال أبو عمرو بن العلاء : أفصح العرب عليا هوازن وسفى تميم يعني بني دارم ، والذي يذهب مذهب السجستاني يقول : إن في القرآن ما نزل بلغة حمير . وكنانة . وجرهم . وأزد شنوءة . ومذحج . وخثعم . وقيس عيلان . وسعد العشيرة . وكندة . وعذرة . وحضرموت . وغسان . ومزينة . ولخم . وجذام . وحنيفة . واليمامة . وسبا . وسليم . وعمارة . وطي . وخزاعة . وعمان . وتميم . وأنمار . والأشعريين . والأوس . والخزرج . ومدين ؛ وقد مثل لكل ذلك أبو القاسم ، وذكر أبو بكر الواسطي أن في القرآن من اللغات خمسين لغة وسردها ممثلاً لها إلا أنه ذكر أن فيه من غير العربية الفرس والنبط والحبشة والبربر والسريانية والعبرانية والقبط ، والذاهب إلى ما ذهب إليه ابن قتيبة يقول : إن ما نسب إلى غير قريش على تقدير صحة نسبته مما يوافق لغتهم ، ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال : إنه نزل أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح لسائر العرب أن تقرأه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها كاختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغتهم إلى لغة أخرى للمشقة . ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل المراد ، لكن أنت تعلم أن هذه الإباحة لم تستمر ، وكون المتبادر من قومه عليه الصلاة والسلام قريشاً مما لا أظن أن أحداً يمتري فيه ويليه في التبادر العرب . وفي «البحر » أن سبب نزول الآية أن قريشاً قالوا : ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي ؟ وهذا إن صح ظاهر في العموم ، ثم إنه لا يلزم من كون لغته لغة قريش أو العرب اختصاص بعثته صلى الله عليه وسلم بهم ، وإن زعمت طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية اختصاص البعثة بالعرب لذلك ، وحكمة إنزاله بلغتهم أظهر من أن تخفى ، وقيل : الضمير في { قَوْمِهِ } لمحمد صلى الله عليه وسلم المعلوم من السياق فإنه كما أخرج ابن أبي عن سفيان الثوري لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه ، وقيل : كان يترجم ذلك جبريل عليه السلام ونسب إلى الكلبي ، وفيه أنه إذا لم يقع التبيين إلا بعد الترجمة فات الغرض مما ذكر ، وضمير { لَهُمْ } للقوم بلا خلاف وهم المبين لهم بالترجمة .
وفي «الكشاف » أن ذلك ليس بصحيح لأن ضمير { لَهُمْ } للقوم وهم العرب فيؤدي إلى أن الله تعالى أنزل التوراة مثلاً بالعربية ليبين للعرب وهو معنى فاسد .
وتكلف الطيبي دفع ذلك بأن الضمير راجع إلى كل قوم بدلالة السياق ، والجواب كما في «الكشف » أنه لا يدفع عن الإيهام على خلاف مقتضى المقام . واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توقيفية قال : لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل ، وقد دلت الآية على أن إرسال كل من الرسل لا يكون إلا بلغة قومه وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسول ، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف فوجب حصولها بالاصطلاح انتهى .
وأجيب بأنا لا نسلم توقف التوقيف على إرسال الرسل لجواز أن يخلق الله تعالى في العقلاء علماً بأن الألفاظ وضعها واضع لكذا وكذا ، ولا يلزم من هذا كون العاقل عالماً بالله تعالى بالضرورة بل الذي يلزم منه ذلك لو خلق سبحانه في العقلاء علماً ضرورياً بأنه تعالى الواضع وأين هذا من ذاك ، على أنه لا ضرر في التزام خلق الله تعالى هذا العلم الضروري وأي ضرر في كونه سبحانه معلوم الوجود بالضرورة لبعض العقلاء ؟ والقول بأنه يبطل التكليف حينئذٍ على عمومه غير مسلم وعلى تخصيصه بالمعرفة مسلم وغير ضار { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء } إضلاله أي يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه ، وقيل : يخذله فلا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الإلطاف { وَيَهْدِى } يخلق الهداية أو يمنح الإلطاف { مَن يَشَآء } هدايته لما فيه من الأسباب المؤدية إلى ذلك ، والالتفات بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل لتفخيم شأنهما وترشيح مناط كل منهما ، والفاء قيل فصيحة مثلها في قوله تعالى : { فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت }( {[478]} ) [ البقرة : 60 ] كأنه قيل : فبينوه لهم فأضل الله تعالى من شاء إضلاله وهدى من شاء هدايته حسبما اقتضته حكمته تعالى البالغة ، والحذف للإيذان بأن مسارعة كل رسول إلى ما أمر به وجريان كل من الفعلين على سننه أمر محقق غني عن الذكر والبيان . وفي «الكشف » وجه التعقيب عن السابق كوجهه في قوله تعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } [ البقرة : 26 ] على معنى أرسلنا الكتاب للتبيين فمنهم من نفعناه بذلك البيان ومنهم من جعلناه حجة عليه ، والفاء على هذا تفصيلية ، والعدول إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو الدلالة على التجدد والاستمرار حيث تجدد البيان من الرسل عليهم السلام المتعاقبة عليهم ، وتقديم الإضلال على الهداية كما قال بعض المحققين إما لأنه إبقاء ما كان على ما كان والهداية إنشاء ما لم يكن أو للمبالغة في بيان أنه لا تأثير للتبيين والتذكير من قبل الرسل عليهم السلام وأن مدار الأمر إنما هو مشيئته تعالى بإيهام أن ترتيب الضلالة أسرع من ترتب الاهتداء ، وهذا محقق لما سلف من تقييد الإخراج من الظلمات إلى النور بإذن ربهم { وَهُوَ العزيز } فلا يغالب في مشيئته تعالى { الحكيم } فلا يشاء ما يشاء إلا لحكمة بالغة ، وفيه كما في «البحر » وغيره أن ما فوض إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التبليغ وتبيين طريق الحق ، وأما الهداية والإرشاد إليه فذلك بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . ثم إن هذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة من أن الضلالة والهداية بخلقه سبحانه ، وقد ذكر المعتزلة لها عدة تأويلات ، وللإمام فيها كلام طويل إن أردته فارجع إليه .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } أي بكلام يناسب حالهم واستعدادهم وقدر عقولهم والألم يفهموا فلا يحصل البيان ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ وفي أسرار التأويل لكل نبي وصديق اصطلاح في كلام المعرفة وطريق المحبة يخاطب به من يعرفه من أهل السلوك ، وعلى هذا لا ينبغي للصوفي أن يخاطب العامة باصطلاح الصوفية لأنهم لا يعرفونه ، وخطابهم بذلك مثل خطاب العربي بالعجمية أو العجمى بالعربية ، ومنشأ ضلال كثير من الناس الناظرين في كتب القوم جهلهم باصطلاحاتهم فلا ينبغي للجاهل بذلك النظر فيها لأنها تأخذ بيده إلى الكفر الصريح بل توقعه في هوة كفر ، كفر أبي جهل إيمان بالنسبة إليه ، ومن هنا صدر الأمر السلطاني إذ كان الشرع معتنى به بالنهي عن مطالعة كتب الشيخ الأكبر قدس سره ومن انخرط في سلكه { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء } إضلاله لزوال استعداده بالهيئات الظلمانية ورسوخها والاعتقادات الباطلة واستقرارها { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } [ إبراهيم : 4 ] هدايته ممن بقي على استعداده أو لم يرسخ فيه تلك الهيآت والاعتقادات
{ 4 } { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
وهذا من لطفه بعباده أنه ما أرسل رسولا { إلا بلسان قومه ليبين لهم } ما يحتاجون إليه ، ويتمكنون من تعلم ما أتى به ، بخلاف ما لو كانوا على غير لسانهم ، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك اللغة التي يتكلم بها ، ثم يفهمون عنه ، فإذا بين لهم الرسول ما أمروا به ، ونهوا عنه وقامت عليهم حجة الله { فيضل الله من يشاء } ممن لم ينقد للهدى ، ويهدي من يشاء ممن اختصه برحمته .
{ وهو العزيز الحكيم } الذي -من عزته- أنه انفرد بالهداية والإضلال ، وتقليب القلوب إلى ما شاء ، ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله إلا بالمحل اللائق به .
ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن علوم العربية الموصلة إلى تبيين كلامه وكلام رسوله أمور مطلوبة محبوبة لله لأنه لا يتم معرفة ما أنزل على رسوله إلا بها إلا إذا كان الناس بحالة لا يحتاجون إليها ، وذلك إذا تمرنوا على العربية ، ونشأ عليها صغيرهم وصارت طبيعة لهم فحينئذ قد اكتفوا المؤنة ، وصلحوا لأن يتلقوا عن الله وعن رسوله ابتداء كما تلقى عنهم الصحابة رضي الله عنهم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}، يعني بلغة قومه ليفهموا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله سبحانه: {ليبين لهم فيضل الله من يشاء} على ألسنة الرسل عن دينه الهدى، {ويهدي} إلى دينه، الهدى على ألسنة الرسل، {من يشاء}، ثم رد تعالى ذكره المشيئة إلى نفسه، فقال: {وهو العزيز} في ملكه، {الحكيم}،حكم الضلالة والهدى لمن يشاء...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا إلى أمة من الأمم يا محمد من قبلك ومن قبل قومك رسولاً إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم، "ليُبَيّنَ لهم "يقول: ليفهمهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيه، ليثبت حجة الله عليهم، ثم التوفيق والخذلان بيد الله، فيخذل عن قبول ما أتاه به رسوله من عنده من شاء منهم، ويوفّق لقبوله من شاء ولذلك رفع «فيُضلّ»، لأنه أريد به الابتداء لا العطف على ما قبله، كما قيل: "لنُبَيّنَ لَكُمْ ونُقِرّ في الأرْحَامِ ما نَشاءُ". "وهو العزيز" الذي لا يمتنع مما أراده من ضلال أو هداية من أراد ذلك به، و"الحكيم" في توفيقه للإيمان من وفقه له وهدايته له من هداه إليه، وفي إضلاله من أضلّ عنه، وفي غير ذلك من تدبيره...
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :
{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} فوجب أخذ كل نص في القرآن والأخبار على ظاهره ومقتضاه، ومن حمله على غير مقتضاه في اللغة العربية فقد خالف قول الله تعالى وحكمه، وقال عليه – عز وجل – الباطل، وخلاف قوله عز وجل...
أنزل القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، فمن لم يعلم النحو واللغة فلم يعلم اللسان الذي به بين الله لنا ديننا، وخاطبنا به، ومن لم يعلم ذلك فلم يعلم دينه، ومن لم يعلم دينه، ففرض عليه أن يتعلمه، وفرض عليه واجب تعلم النحو واللغة، ولا بد منه على الكفاية كما قدمنا. ولو سقط علم النحو لسقط فهم القرآن وفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولو سقط الإسلام...
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :
فإن قيل: كيف هذا وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كافة الخلق؟ قيل: بعث من العرب بلسانهم، والناس تبع لهم، ثم بث الرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله عز وجل ويترجمون لهم بألسنتهم...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} أي ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به... والمراد بالإضلال التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان {وَهُوَ العزيز} فلا يغلب على مشيئته {الحكيم} فلا يخذل إلا أهل الخذلان، ولا يلطف إلا بأهل اللطف...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه الآية طعن ورد على المستغربين أمر محمد عليه السلام، أي لست يا محمد ببدع من الرسل، وإنما أرسلناك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على عادتنا في رسلنا، في أن نبعثهم بألسنة أممهم ليقع البيان والعبارة المتمكنة، ثم يكون سائر الناس من غير أهل اللسان عيالاً في التبيين على أهل اللسان الذي يكون للنبي، وجعل الله العلة في إرسال الرسل بألسنة قومهم طلب البيان ثم قطع قوله: {فيضل} أي إن النبي إنما غايته أن يبلغ ويبين، وليس فيما كلف أن يهدي ويضل، بل ذلك بيد الله ينفذ فيه سابق قضائه، وله في ذلك العزة التي لا تعارض، والحكمة التي لا تعلل، لا رب غيره...
اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} كان هذا إنعاما على الرسول من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم، وإنعاما أيضا على الخلق من حيث أنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر وأرشدهم إلى نور الإيمان، فذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين. أما بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة الخلق، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل وأكمل، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسان أولئك القوم، فإنه متى كان الأمر كذلك، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة، ووقوفهم على حقائقها أسهل، وعن الغلط والخطأ أبعد. فهذا هو وجه النظم...
: لم لا يجوز أن يكون المراد من {قومه} أهل بلده، وليس المراد من {قومه} أهل دعوته. والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} بل إلى الثقلين...
جهود القرافي في التفسير 684 هـ :
إن الحكمة في أن الله تعالى إنما يبعث رسله بألسنة قومهم ليكون ذلك أبلغ في الفهم عنه ومنه، وهو أيضا يكون أقرب ليفهم عنهم جميع مقاصدهم في الموافقة والمخالفة وإزاحة الأعذار والعلل والأجوبة عن الشبهات المعارضة وإيضاح البراهين القاطعة. فإن مقصود الرسالة في أول وهلة إنما هو البيان والإرشاد. وهو مع اتحاد اللغة أقرب، وإنما أمر جماعة من الرسل عليهم السلام بالقتال بعد اليأس من النفع بالبيان. فإذا تقررت نبوة النبي في قومه قامت الحجة على غيرهم، فإن أقارب الإنسان ومخالطيه المطلعين على حاله والعارفين بوجوه الطعن عليه أكثر من غيرهم إذا سلموا ووافقوا، فغيرهم أولى أن يسلم ويوافق. فهذه هي الحكمة في إرسال الرسول بلسان قومه ومن قومه. وفرق بين قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} وبين قوله:"وما أرسلنا من رسول إلا لقومه". فالقول الثاني هو المفيد لاختصاص الرسالة بهم لا الأول...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما قدم ما أفهم أنه أرسله صلى الله عليه وسلم بلسان قومه إلى الناس كافة لأن اللسان العربي أسهل الألسنة وأجمعها وأفصحها وأبينها، فكان في غاية العدالة، وختم بأن السبيل إليه في غاية الاستقامة والاعتدال، دلّ على شرف هذا اللسان لصلاحيته لجميع الأمم وخفته عليهم بخصوص لسان كل من الرسل بقومه، فلذلك أتبعه قوله: {وما أرسلنا} أي بما لنا من العظمة، وأغرق في النفي فقال: {من رسول} أي في زمن من الأزمان {إلا بلسان} أي لغة {قومه} أي الذين فيهم قوة المحاولة لما يريدون {ليبين} أي بياناً شافياً {لهم} كما تقدم أنا أرسلناك بكتاب عربي بلسان قومك لتبين لهم ولجميع الخلق، فإن لسانك أسهل الألسنة وأعذبها، فهو معطوف على {أنزلناه} بالتقدير الذي تقدم، فإذا تقرر ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من الأمم عن الاستقامة على هذا الصراط إلا إذن الله ومشيئته {فيضل} أي فتسبب عن ذلك أنه يضل {الله} أي الذي له الأمر كله {من يشاء} إضلاله، وقدم سبحانه هذا اهتماماً بالدلالة على أنه سبحانه خالق الشر كما أنه خالق الخير مع أن السياق لذم الكافرين الذين هم رؤوس أهل الضلال {ويهدي من يشاء} هدايته فإنه سبحانه هو المضل الهادي، وأما الرسل فمبينون ملزمون للحجة تمييزاً للضال من المهتدي {وهو} أي وحده {العزيز} الذي لا يرام ما عنده إلا به، ولا يمتنع عليه شيء أراده {الحكيم} الذي لا ينقض ما دبره، فلذلك دبر بحكمته إرساله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الخلق كافة باللسان العربي، لأن المقصود جمع الخلق على الحق، فجمعهم على لسان واحد أنسب ما يكون لذلك، ولو أنزل بألسنة كلها لكان منافياً لهذا المقصود، وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان قريباً من الإلجاء فيفوت الإيمان بالغيب، ويؤدي أيضاً إلى ادعاء أهل كل لسان أن التعبير عنه بلسانهم أعظم، فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي إلى أشد الفرقة، وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم، أقرب إليه، فيكون فهمهم لأسرار شريعته و وقوفهم على حقائقها أسهل، ويكونون عن الغلط والخطأ أبعد، فإذا فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا، فانتشر الأمر وعم وسهل، وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع...
تيسير التفسير لاطفيش 1332 هـ :
الآية تدل على أن تعليم الدين واجب، وأَنه فرض كفاية، ويتعين على الأَب لأَولاده، وعلى الزوج لزوجه، وعلى السيد لعبده، وأَن علمهم غير هؤلاءِ أَجزى، وتدل على أَن التعلم واجب، ولام لهم للنفع، وعلى المتعلم تعظيم معلمه والتقرب إلى الله تعالى بنفعه، ولزم المعلم أَن لا يقصد النفع الدنيوي من معلمه...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
تنتهي مهمة الرسول -كل رسول- عند البيان. أما ما يترتب عليه من هدى ومن ضلال، فلا قدرة له عليه، وليس خاضعا لرغبته، إنما هو من شأن الله. وضع له سنة ارتضتها مشيئته المطلقة. فمن سار على درب الضلال ضل، ومن سار على درب الهدى وصل.. هذا وذلك يتبع مشيئة الله، التي شرعت سنته في الحياة.
(وهو العزيز الحكيم).. القادر على تصريف الناس والحياة، يصرفهم بحكمة وتقدير فليست الأمور متروكة جزافا بلا توجيه ولا تدبير...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
إذا كانت صيغة القصر مستعملة في ظاهرها ومسلّطة على متعلّقي الفعل المقصور كان قصراً إضافياً لقلب اعتقاد المخاطبين، فيتعين أن يكون ردّاً على فريق من المشركين قالوا: هلا أنزل القرآن بلغة العجم.. وقد كان المتنصرون من العرب والمتهودون منهم مثل عرب اليمن تترجم لهم بعض التوراة والإنجيل بالعربية كما ورد في حديث ورقة بن نوفل في كتاب بدء الوحي من « صحيح البخاري»، فاستقرّ في نفوس المشركين من جملة مطاعنهم أن القرآن لو كان من عند الله لكان باللغة التي جاءت بها الكتب السالفة. فصارت عربيته عندهم من وجوه الطعن في أنه منزل من الله، فالقصر هنا لرد كلامهم، أي ما أرسلنا من رسول بلسان إلا لسان قومه المرسل إليهم لا بلسان قوم آخرين. فموقع هذه الآية عقب آية {كتاب أنزلناه إليك} بيّن المناسبة. وتقدير النظم: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزلناه بلغة قومك لتبيّن لهم الذي أوحينا إليك وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم فيخرجهم من الظلمات إلى النور. وإذا كانت صيغة القصر جارية على خلاف مقتضى الظاهر ولم يكن ردّاً لمقالة بعض المشركين يكُن تنزيلاً للمشركين منزلة من ليسوا بعرب لعدم تأثرهم بآيات القرآن، ولقولهم: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} وكان مناط القصر هو ما بعد لام العلّة. والمعنى: ما أرسلناك إلاّ لتبيين لهم وما أرسلنا من رسول إلا ليبين لقومه، وكان قوله: {إلا بلسان قومه} إدْماجاً في الاستثناء المتسلط عليه القصرُ؛ أو يكون متعلقاً بفعل {ليبين} مقدماً عليه. والتقدير: ما أرسلناك إلا لتبين لهم بلسانهم، وما أرسلنا من رسول إلا ليبين لقومه بلسانهم، فما لقومك لم يهتدوا بهذا القرآن وهو بلسانهم، وبذلك يتضح موقع التفريع في قوله: {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء}. واللسان: اللغة وما به التخاطب. أطلق عليها اللسان من إطلاق اسم المحل على الحال به، مثل: سَال الوادي. والباء للملابسة، فلغة قومه ملابسة لِكلامه والكتابِ المنزل إليه لإرشادهم.
والقوم: الأمة والجماعة، فقوم كلُ أحد رهطه الذين جماعتهم واحدة ويتكلمون بلغة واحدة، وقوم كل رسول أمته المبعوث إليهم، إذ كان الرسُل يبعثون إلى أقوامهم، وقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم العرب، وأما أمته فهم الأقوام المبعوث إليهم وهم الناس كافة. وإنما كان المخاطب أولاً هم العرب الذين هو بين ظهرانيهم ونزل الكتاب بلغتهم لتعذر نزوله بلغات الأمم كلها، فاختار الله أن يكون رسوله عليه الصلاة والسلام من أمة هي أفصح الأمم لساناً، وأسرعهم أفهاماً، وألمعهم ذكاءً، وأحسنهم استعداداً لقبول الهدى والإرشاد، ولم يؤمن برسول من الرسل في حياته عددٌ من الناس مثل الذين آمنوا بمحمّد صلى الله عليه وسلم في حياته فقد عم الإسلامُ بلاد العرب وقد حج مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نحو خمسين ألفاً أو أكثر. وقيل مائة ألف وهم الرجال المستطيعون. واختار أن يكون الكتاب المنزل إليهم بلغة العرب، لأنها أصلح اللغات جمعَ معان، وإيجاز عبارة، وسهولة جري على الألسن، وسرعة حفظ، وجمال وقع في الأسماع، وجعلت الأمة العربية هي المتلقية للكتاب بادئ ذي بدء، وعهد إليها نشره بين الأمم. وفي التعليل بقوله: {ليبين لهم} إيماء إلى هذا المعنى... قوله: {فيضل الله من يشاء}... المعنى أن الإرسال بلسان قومه لحكمة التبيين. وقد يحصل أثر التبيين بمعونة الاهتداء وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبيّن لهم. والإضلال والهدى من الله بما أعد في نفوس الناس من اختلاف الاستعداد. وجملة {وهو العزيز الحكيم} تذييل لأن العزيز قويّ لا ينفلت شيء من قدرته ولا يخرج عما خُلق له، والحكيم يضع الأشياء مواضعها، فموضع الإرسال والتبيين أتي على أكمل وجه من الإرشاد. ومَوْقع الإضلال والهدى هو التكوين الجاري على أنسب حال بأحوال المرسل إليهم، فالتبيين من مقتضَى أمر التشريع والإضلالُ من مقتضَى أمر التكوين...