{ فَلاَ تَضْرِبُواْ الله الامثال } التفات إلى الخطاب للإيذان بالاهتمام بشأن النهي ، والفاء للدلالة على ترتيب النهي على ما عدد من النعم الفائضة عليهم منه تعالى وكون آلهتهم بمعزل من أن يملكوا لهم رزقاً فضلاً عما فضل ، والأمثال جمع مثل كعلم ، والمراد من الضرب الجعل فكأنه قيل : فلا تجعلوا لله تعالى الأمثال والاكفاء فالآية كقوله تعالى : { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } [ البقرة : 22 ] وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام ابن عباس ، فقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال في الآية : يقول سبحانه لا تجعلوا معي إلهاً غيري فإنه لا إله غيري .
وجعل كثير الأمثال جمع مثل بالتحريك ، والمراد من ضرب المثل لله سبحانه الإشراك والتشبيه به جل وعلا من باب الاستعارة التمثيلية ، ففي الكشف إن الله تعالى جعل المشرك به الذي يشبهه تعالى بخلقه بمنزلة ضارب المثل فإن المشبه المخذول يشبه صفة بصفة وذاتاً بذات كما ان ضارب المثل كذلك فكأنه قيل : ولا تشركوا بالله سبحانه ، وعدل عنه إلى المنزل دلالة على التعميم في النهي عن التشبية وصفاً وذاتاً ، وفي لفظ { الامثال } لمن لا مثال له أصلاً نعى عظيم عليهم بسوء فعلهم ، وفيه ادماج أن الأسماء توقيفية وهذا هو الظاهر لدلالة الفاء وعدم ذكر ضرب مثل منهم سابقاً ، وهذا الوجه هو الذي اختاره الزمخشري وكلام الحبر رضي الله تعالى عنه لا يأباه فقوله تاعلى : { إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } تعليل للنهي أي أنه تعالى يعلم كنه ما تفعلون وعظمه وهو سبحانه معاقبكم عليه أعظم العقاب وأنتم لا تعلمون كنهه وكنه عقابه فلذا صدر منكم وتجاسر تم عليه .
وجوز أن يكون المراد النهي عن قياس الله تعالى على غيره بجعل ضرب المثل استعارة للقياس ، فإن القياس الحاق شيء بشيء وهو عند التحقيق تشبيه مركب بمركب ، والفرق بينه وبين الوجه السابق قليل ، وأمر التعليل على حاله ، وجوز الزمخشري وغيره أن يكون المراد النهي عن ضرب الأمثال لله سبحانه حقيقة والمعنى فلا تضربوا لله تعالى الأمثال التي يضربها بعضكم لبعض ان الله تعالى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ، ووجه التعليل ظاهر ، واللام على سائر الأوجه متعلقة بتضربوا وعزم ابن المنير تعلقها بالأمثال فيما إذا كان المراد التمثيل للإشراك والتشبيه ثم قال : كأنه قيل فلا تمثلوا الله تعالى ولا تشبهوه ، وتعلقها بتضربوا على هذا الوجه ثم قال كأنه قيل فلا تمثلوا لله تعالى الأمثال فإن ضرب المثل إنما يستعمل من العالم لغير العالم ليبين له ما خفي عنه والله تعالى هو العالم وأنتم لا تعلمون فتمثيل غير العالم للعالم عكس للحقيقة ، وليس بشيء ؛ والمعنى الذي ذكره على تقدير تعلقه بالفعل خلاف ما يقتضيه السياق وان كان التعليل عليه أظهر ، ومن هنا قال العلامة المدقق في الكشف في ذلك بعد أن قال إنه نهى عن ضرب الأمثال حقيقة : كأنه أريد المبالغة في أن لا يلحدوا في أسمائه تعالى وصفاته فإنه إذا لم يجز ضرب المثل والاستعارات يكفي فيها سبه ما والإطلاق لتلك العلاقة كاف فعدم جواز إطلاق الأسماء من غير سبق تعليم منه تعالى وإثبات الصفات أولى وأولى ، ووجه ربط قوله تعالى :
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الامثال } لتقدسه تعالى عن الأوهام والإشارات والعبارات وتنزهه سبحانه عن درك الخليقة فإن الخلق لا يدرك إلا خلقاً ، ولذا قال علي كرم الله تعالى وجهه : إنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها فلا يعرف الله تعالى إلا الله عز وجل وعل النهي بقوله تعالى : { إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 74 ]
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فلا تضربوا لله الأمثال}، يعني: الأشباه، فلا تصفوا مع الله شريكا، فإنه لا إله غيره،
{إن الله يعلم} أن ليس له شريك،
{وأنتم لا تعلمون} أن لله شريكا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثالَ} يقول: فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبّهوا له الأشباه، فإنه لا مِثْل له ولا شِبْه...
{إنّ اللّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمونَ} يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{فلا تضربوا لله الأمثال}، أي: لا تتخذوا لله أمثالا من الخلق، وأشباها في ألوهيته وعبادته، أو لا تقولوا لله: إن له أشباها وأمثالا... أو يقول: فلا تجعلوا لله أمثالا في العبادة...
{إن الله يعلم}، أن لا مثل له من الخلق ولا شبه.
{وأنتم لا تعلمون} ذلك. أو إن الله يعلم بمصالحكم، وأنتم لا تعلمون ما به صلاحكم وهلاككم...
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
وذلك أن ضرب المثل، إنما هو: تشبيه ذات بذات، أو وصف بوصف، والله تعالى منزه عن ذلك...
{إن الله يعلم}، ما يكون قبل أن يكون،
{وأنتم لا تعلمون}، قدر عظمته حيث أشركتم به...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال}، تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به؛ لأنّ من يضرب الأمثال، مشبه حالا بحال، وقصة بقصة، {أَنَّ الله يَعْلَمُ}: كنه ما تفعلون وعظمه، وهو: معاقبكم عليه بما يوازيه في العظم؛ لأنّ العقاب على مقدار الإثم، {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، كنهه وكنه عقابه، فذاك هو الذي جرّكم إليه وجرأكم عليه، فهو تعليل للنهي عن الشرك. ويجوز أن يراد: فلا تضربوا لله الأمثال، إنّ الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
هذا النهي عام في كل مثل؛ لخطر الأمر، خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما في هذا؛ لأن الخطأ فيه كفر... ويدل على ذلك تعليل الحكم، بقوله تعالى: {إن الله}، أي: الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره، {يعلم}، أي: له جميع صفة العلم، فإذا ضرب مثلاً أتقنه بإحاطة علمه، بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقاً ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له، {وأنتم لا تعلمون}، أي: ليس لكم علم أصلاً، فلذلك تعمون عن الشمس، وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس، وهذا المقام عال ومسلكه وعر، وسالكه على غاية من الخطر...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال}، التفاتٌ إلى الخطاب؛ للإيذان بالاهتمام بشأن النهي، أي: لا تشركوا به شيئاً، والتعبيرُ عن ذلك بضرب المثَل؛ للقصد إلى النهي عن الإشراك به تعالى في شأن من الشؤون...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
تفريع على جميع ما سبق من الآيات والعبر والمنن، إذ قد استقام من جميعها انفراد الله تعالى بالإلهية، ونفي الشريك له فيما خلق وأنعم، وبالأولى نفي أن يكون له ولد وأن يشبه بالحوادث؛ فلا جرم استتبّ للمقام أن يفرع على ذلك زجر المشركين عن تمثيلهم غير الله بالله في شيء من ذلك، وأن يمثّلوه بالموجودات...
ووجه كون الإشراك ضرب مثل لله أنهم أثبتوا للأصنام صفات الإلهية وشبّهوها بالخالق، فإطلاق ضرب المثل عليه مثل قوله تعالى: {وقالوا أءالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً} [سورة الزخرف: 58]. وقد كانوا يقولون عن الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله، والملائكة هنّ بنات الله من سروات الجِنّ، فذلك ضرب مثل وتشبيه لله بالحوادث في التأثّر بشفاعة الأكفاء والأعيان والازدهاء بالبنين...
وفي قوله تعالى: {وأنتم لا تعلمون} استدعاء لإعمال النّظر الصحيح ليصلوا إلى العلم البريء من الأوهام...
الأمثال: جمع مثل، وهو الند والنظير. وفي الآية نهي عن أن نشبه الله سبحانه بشيء آخر؛ لأن الحق تبارك وتعالى واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله.. إياك أن تقول عن ذات: إنها تشبه ذاته سبحانه، أو صفات تشبه صفاته سبحانه، فإن وجدت صفة لله تعالى يوجد مثلها في البشر فاعلم أنها على مقياس {ليس كمثله شيء} (سورة الشورى 11)، فالحق سبحانه ينهانا أن نضرب له الأمثال، إنما هو سبحانه يضرب الأمثال؛ لأنه حكيم يضرب المثل في محله؛ ليوضح القضية الغامضة بالقضية المشاهدة؛ ولذلك يقول تعالى: {ولله المثل الأعلى} (سورة النحل 60)، أي: الصفة العليا في كل شيء، فإذا وجدت صفات مشتركة بينكم وبين الحق سبحانه، فنزه الله عن الشبيه والنظير والند والمثيل، وقل: (ليس كمثله شيء)، فأنت موجود والله موجود، ولكن وجودك مسبوق بعدم ويلحقه العدم، ووجوده سبحانه لا يسبقه عدم ولا يلحقه العدم.
وقد ضرب الله لنا مثلاً لنفسه سبحانه؛ ليوضح لنا تنويره سبحانه للكون، وليس مثلاً لنوره كما نظن.. بل هو مثل تنويره لا لنوره. يقول تعالى في سورة النور: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} (سورة النور 35)...
والحق سبحانه وتعالى وإن نهانا نحن أن نضرب له مثلاً لقلة علمنا، فهو سبحانه القادر على ضرب الأمثال، حتى بأقل المخلوقات وأتفهها في نظرنا.. فيقول تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} (سورة البقرة 26)...
وقوله تعالى: {إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون}، وهذه علة النهي عن ضرب الأمثال؛ لأننا لا نعلم، أما الحق سبحانه وتعالى فيضرب لنا الأمثال؛ لأنه سبحانه يعلم، ويأتي بالمثل في محله.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
لقد أكّدنا في بحوثنا السابقة حول صفات اللّه عزَّ وجلّ: أنّ منزلق التشبيه يعتبر من أخطر المنزلقات في طريق معرفة صفاته سبحانه وتعالى، ولا ينبغي مقايسة صفاته سبحانه بصفات العباد؛ لأنّ الباري جلت عظمته وجود مطلق، وكل الموجودات بما فيها الإِنسان محدودة، فهل يمكن تشبيه المطلق بالمحدود؟!... ولعل عبارة: (إِنّ اللّه يعلم وأنتم لا تعلمون)، في ذيل الآية تشير إلى أنّ أغلب الناس في غفلة عن أسرار صفات اللّه...