{ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم } عطف على قوله تعالى : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } [ النحل : 72 ] منتظم معه في سلك أدلة التوحيد ، ويفهم من قول العلامة الطيبي أنه تعالى عقب قوله سبحانه : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } [ النحل : 77 ] بقوله جل وعلا : { والله أَخْرَجَكُم } الخ معطوفاً بالواو إيذاناً بأن مقدوراته تعالى لا نهاية لها والمذكور بعض منها أن العطف على قوله سبحلنه : { إِنَّ الله } الخ ، والذي تنبسط له النفس هو الأول .
والأمهات بضم الهمزة( {[542]} ) وفتح الهمزة جمع أم والهاء فيه مزيدة وكثر زيادتها فيه وورد بدونها ، والمعنى في الحالين واحد ، وقيل : ذو الزيادة للإناسي والعاري عنها للبهائم ، ووزن المفرد فعل لقولهم الأمومة ، وجاء بالهاء كقول قصى بن كلاب عليهما الرحمة :
أمهتي خندف والياس أبى . . . وهو قليل ، وأقل من ذلك زيادة الهاء في الفعل كما قيل في إهراق ، وفيه بحث فارجع إلى الصحاح وغيره .
وقرأ حمزة بكسر الهمزة والميمي هنا ، وفي الزمر ، والنجم . والورم ، والكسائي بكسر الميم فيهن ؛ والأعمش بحذف الهمزة وكسر الميم ، وابن أبي ليلى بحذفها وفتح الميم ، قال أبو حاتم : حذف الهمة رديء ولكن قراءة ابن أبي ليلى أصوب ، وكانت كذلك على ما في البحر لأن كسر الميم إنما هو لإتباعها حركة الهمزة فإذا كانت الهمزة محذوفة زال الإتباع بخلاف قراءة ابن أبي ليلى فإنه أقر الميم على حركتها { لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } في موضع الحال و { شَيْئاً } منصوب على المصدرية أو مفعول { تَعْلَمُونَ } ، والنفي منصب عليه ، والعلم بمعنى المعرفة أي غير عارفين شيئاً أصلاً من حق المنعم وغيره ، وقيل : شيئاً من منافعكم ، وقيل : مما قضى عليكم من السعادة أو الشقاوة ، وقيل : مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم ، والظاهر العموم ولا داعي إلى التخصيص . وعن وهب يولد المولود خدراً إلى سبعة أيام لا يدرك راحة ولا ألماً .
وادعى بعضهم أن النفس لا تخلو في مبدأ الفطرة عن العلم الحضوري وهو علمها بنفسها إذ المجرد لا يغيب عن ذاته أصلاً ، فقد قال الشيخ في بعض تعليقاته عند إثبات تجرد النفس : إنك لا تغفل عن ذاتك أصلاً في حال من الأحوال ولو في حال النوم والسكر ، ولو جوز مجوز أن يغفل عن ذاته في بعض الأحوال حتى لا يكون بينه وبين الجماد في هذه الحالة فرق فلا يجدي هذا البرهان معه ، وقال بهمنيار في التحصيل في فصل العقل والمعقول : ثم إن النفس الإنسانية تشعر بذاتها فيجب أن يكون وجودها عقلياً فيكون نفس وجودها نفس إدراكاً ولهذا لا تعزب عن ذاتها البتة ، ومثله في الشفاء ، وأنت تعلم أن عدم الخلو مبني على مقدمات خفية كتجرد النفس الذي أنكره الطبيعيون عن آخرهم وأن كل مجرد عالم ولا يتم البرهان عليه ، وأيضاً ما نقل من أن علم النفس بذاتها عين ذاتها لا ينافي أن يكون لكون الذات علماً بها شرط فما لم يتحقق ذلك الشرط لم تكن الذات علماً بها كما أن لكون المبتدأ الفياض خزانة لمعقولات زيد مثلاً شرطاً إذا تحقق تحقق وإلا فلا ، ويؤيد ذلك أن علم النفس بصفاتها أيضاً نفس صفاتها عندهم ؛ ومع ذلك يجوز الغفلة عن الصفة في بعض الأحيان كما لا يخفى .
وأيضاً إذا قلنا : إن حقيقة الذات غير غائبة عنها ، وقلنا : إن ذلك علم بها يلزم أن يكون حقيقة النفس المجردة معلومة لكل أحد ؛ ومن البين أنه ليس كذلك ، على أن المحقق الطوسي قد منع قولهم : إنك لا تغفل عن ذاتك أبداً ، وقال : إن المغمى عليه ربما غفل عن ذاته في وقت الإغماء ، ومثله كثير من الأمراض النفسانية ، ومن العجائب أن بعض الأجلة ذكر أن المراد بخلوها في مبدأ الفطرة خلوها حال تعلقها بالبدن ، وقال : إنه لا ينافي ذلك ما قاله الشيخ من أن الطفل يتعلق بالثدي حال التولد بإلهام فطري لأن حال التعلق سابق على ذلك ، وذلك بعد أن ذكر أن الخلو في مبدأ الفطرة إنما يظهر لذوي الحدس بملاحظة حال الطفل وتجارب أحواله ووجه العجب ظاهر فافهم ولا تغفل .
وتفسير العلم بالمعرفة مما ذهب إليه غير واحد ، وفي أمالي العز لا يجوز أن يجعل باقياً على بابا ويكون { شَيْئاً } مصدراً أي لا تعلمون علماً لوجهين . الأول : الأول أنه يلزم حذف المفعولين وهو خلاف الأصل . الثاني : أنه لو كان باقياً على بابه لكان الناس يعلمون المبتدأ الذي هو أحد المفعولين قبل الخروج من البطون وهو محال لاستحالة العلم على من لم يولد ، بيان ذلك أنا إذا قلنا : علمت زيداً مقيماً يجب أن يكون العلم بزيد متقدماً قبل هذا العلم وهذا العلم إنما يتعلق بإقامته ، وكذلك إذا قلت : ما علمت زيداً مقيماً فالذي لم يعلم هو إقامة زيد وأما هو فمعلوم وذلك مستفاد من جهة الوضع فحيث أثبت العلم أو نفى فلا بد أن يكون الأول معلوماً فيتعين حمل العلم على المعرفة اه .
ويعلم منه عدم استقامة جعل العلم على بابه ، و { شَيْئاً } مفعوله الأول والمفعول الثاني محذوف . وقوله تعالى : { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة } يحتمل أن يكون جملة ابتدائية ويحتمل أن يكون معطوفاً على الجملة الواقعة خبراً والواو لا تقتضي الترتيب ، ونكتة تأخيره أن السمع ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتد به إذا أحس وأدرك وذلك بعد الإخراج ، وجعل إن تعدى لواحد بأن كان بمعنى خلق فلكم متعلق به وإن تعدى لاثنين بأن كان بمعنى صير فهو مفعوله الثاني ، وتقديم الجار والمجرور على المنصوبات لما مر غير مرة .
والمعنى جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية ، وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في هذا المقام ومستمد ما ذهب إليه الكثير من الحكماء من أن النفس في أول أمرها خالية عن العلوم فإذا استعملت الحواس الظاهرة أدركت بالقوة الوهمية أموراً جزئية بمشاركات ومباينات جزئية بينها فاستعدت لأن يفيض عليها المبدأ الفياض المشاركات الكلية ، ويثبتون للنفس أربع مراتب . مرتبة العقل الهيولاني . ومرتبة العقل بالملكة . ومرتبة العقل بالفعل . ومرتبة العقل المستفاد ، ويزعمون أن النفس لا تدرك الجزئي المادي ، ولهم في هذا المقام كلام طويل وبحث عريض .
وأهل السنة يقولون : إن النفس تدرك الكلي والجزئي مطلقاً باستعمال المشاعر وبدونه كما فصل في محله ، وتحقيق هذا المطلب بماله وما عليه يحتاج إلى بسط كثير ، وقد عرض والمستعان بالحي القيوم جل جلاله وعم نواله من الحوادث الموجبة لاختلال أمر الخاصة والعامة ما شوش ذهني وحال بين تحقيق ذلك وبيني ، أسأل الله سبحانه أن يمن علينا بما يسر الفؤاد وييسر لنا ما يكون عوناً على تحصيل المراد وبالجملة المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية أنه قال : يريد سبحانه أنه جعل لكم ذلك لتسمعوا مواعظ الله تعالى وتبصروا ما أنعم الله تعالى به عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم إلى أن صرتم رجالاً وتعقلوا عظمته سبحانه . وقيل : المعنى جعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة التي هي دلائل سمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم والأبصار لتبصروا بها عجائب مصنوعاته تعالى وغرائب مخلوقاته سبحانه فتستدلوا بها على وحدانيته جل وعلا . والأفئدة لتعقلوا بها معاني الأشياء التي جعلها سبحانه دلائل لكم ، والسمع والأبصار على هذين القولين على ظاهرهما ولم نر من جوز إخراجهما عن ذلك .
وجوزأن يراد بهما الحواس الظاهرة على الأول ، والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو من اقللب كالقلب من الصدر ، وهذا الجمع على ما في «الكشاف » من جموع القلة الجارية مجرى جموع الكثرة والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها كما جاء شسوع في جمع شسع لا غير فجرى ذلك المجرى ، وقال الزجاج : لم يجمع فؤاد على أكثر العدد وربما قيل : أفئدة وفئدان كما قيل : أغربة وغربان في جمع غراب ، وفي «التفسير الكبير » لعل الفؤاد إنما جمع على بناء القلة تنبيها على أن السمع والبصر كثر وأما الفؤاد فقليل لأنه إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية وأكثر الخلق ليس لهم ذلك بل يكونون مشتغلين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية فكأن فؤادهم ليس بفؤاد فلذا ذكر في جمعه جمع القلة اه ، ويرد عليه الأبصار فإنه جمع قلة أيضاً .
وفي «البحر » بعد نقله أنه قول هذياني ولولا جلالة قائله لم نسطره في الكتب وإنما يقال في هذا ما قاله الزمخشري مما ذكر سابقاً إلا أن قوله : لم يجء في جمع شسع إلا شسوع لس بصحيح بل جاء فيه إشساع جمع قلة على قلة اه فاحفظ ولا تغفل .
وزعم بعضهم أن الفؤاد إنما يدرك ما ليس بمحدود بنحو أين وكيف وكم وغير ذلك وإن لكل مدرك قوة مدركة له تناسبه لا يمكن أن يدرك بغيرها على نحو المحسوسات الظاهرة من الأصوات والألوان والطعوم ونحوها والحواس الظاهرة من السمع والبصر والذوق إلى غير ذلك وهو كما ترى .
وإفراد السمع باعتبار أنه مصدر في الأصل ، وقيل : إنما أفرد وجمع الأبصار للإشارة إلى أن من مدركاته نوع واحد ومدركات البصر أكثر من ذلك وتقديمه لما أنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه من إدراك البصر ، وقيل : لأن مدركاته أقل من مدركاته ، والخلاف في الأفضل منهما شهير وقد مر ، وتقديمها على الأفئدة المشار بها إلى العقل لتقدم الظاهر على الباطن أو لأن لهما مدخلاً في إدراكه في الجملة بل هما من خدمه والخدم تتقدم بين يدي السادة ، وكثير من السنن أمر بتقديمه على فروض العبادة أو لأن مدركاتهما أقل قليل بالنبة إلى مدركاته كيف لا ومدركاته لا تكاد تحصى وإن قيل : إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً كذلك ، واستأنس بعضهم بذكر ما يشير إليه فقط دون ضم ما يشير إلى سائر المشاعر الباطنة إليه لنفي الحواس الخمس الباطنة التي أثبتها الحكماء بما لا يخلو عن كدر ، وتفصيل الكلام في محله { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } كي تعرفوا ما أنعم سبحانه به عليكم طوراً غب طور فتشكروه ، وقيل : المعنى جعل ذلك كي تشكروه تعالى باستعمال ما ذكر فيما خلق لأجله .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } [ النحل : 78 ] الآية ، قال في أسرار القرآن : أخبر سبحانه أنه أخرجهم من بطون الأقدار وأرحام العدم وأصلاب المشيئة على نعت الجهل لا يعلمون شيئاً من أحكام الربوبية وأمور العبودية وأوصاف الأزل فألبسهم أسماعاً من نور سمعه وكساهم أبصاراً من نور بصره وأودع في قلوبهم علوم لعلهم يشكرونه انتهى . وهو ظاهر في أن المراد بالأفئدة القلوب .
وذكر بعض من أدركناه من المرتاضين في كتابه «الفوائد » وشرحه أن مشاعر الإنسان الصدر ، والمراد به الخيال والنفس الكلية التي هي محل الصور العلمية كلية أو جزئية فهو محل العلم المقابل للجهل ، والقلب وهو محل المعاني واليقين بالنسب الحكمية ويقابله الشك والريب ، والفؤاد وهو محل المعارف الإلهية المجرد عن جميع الصور والنسب والأوضاع والإشارات والجهات والأوقات ويقابلها الإنكار وهو أعلى المشاعر ، ونور الله تعالى المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى " وهو الوجود لأنه الجهة العليا من الإنسان أعني وجهه من جهة ربه وبه يعرف الله تعالى وهو في الإنسان بمنزلة الملك في المدينة والقلب بمنزلة الوزير له انتهى ، وله أيضاً كلام في الأم وكذا في الأب غير ما ذكر ، وذلك أنه يطلق الأب على المادة والأم على الصورة ، وزعم أن قول الصادق رضي الله تعالى عنه : إن الله تعالى خلق المؤمنين من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن أخو ا لمؤمن لأبيه وأمه أبوه النور وأمه الرحمة إشارة إلى ذلك وأن ما اصطلح عليه المتقدمون والحكماء من أن الأب هو الصورة والأم هي المادة وأن الصورة إذا نكحت المادة تولد عنهما الشيء توهماً منهم أن النشور والخلق في بطن المادة بعيد من جهة المناسبة إلى آخر ما قال فتفطن وإياك أن تعدل عن الطريق السوي
{ 78 } { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
أي : هو المنفرد بهذه النعم ، حيث { أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } ، ولا تقدرون على شيء ، ثم إنه { جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } ، خص هذه الأعضاء الثلاثة ؛ لشرفها وفضلها ؛ ولأنها مفتاح لكل علم ، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة ، وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة هو الذي أعطاهم إياها ، وجعل ينميها فيهم شيئا فشيئا ، إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به ، وذلك لأجل أن يشكروا الله ، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله ، فمن استعملها في غير ذلك كانت حجة عليه ، وقابل النعمة بأقبح المقابلة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}، فعلمكم بعد ذلك الجهل، {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة}، يعني: القلوب، {لعلكم تشكرون}، رب هذه النهم تعالى ذكره في حسن خلقكم فتوحدونه.
قال الشافعي: فعرف جميع خلقه في كتابه: أن لا علم إلا ما علمهم، فقال عز وجل: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} وقال: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء}.
ثم منَّ عليهم بما آتاهم من العلم، وأمرهم بالاقتصار عليه، وأن لا يتولوا غيره إلا بما علَّمهم. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا اَلْكِتَابُ وَلا اَلاِيـمَانُ}...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: والله تعالى أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئا ولا تعلمون، فرزقكم عقولاً تفقهون بها، وتميزون بها الخير من الشرّ، وبصرّكم بها ما لم تكونوا تبصرون، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به بينكم، والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص، فتتعارفون بها وتميزون بها بعضا من بعض...
و "الأفْئِدَةَ "يقول: والقلوب التي تعرفون بها الأشياء، فتحفظونها وتفكرون فتفقهون بها...
{لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ}، يقول: فعلنا ذلك بكم، فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من ذلك، دون الآلهة والأنداد، فجعلتم له شركاء في الشكر، ولم يكن له فيما أنعم به عليكم من نعمه شريك...
{وَاللّهُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئا} كلام متناه، ثم ابتدىء الخبر، فقيل: وجعل الله لكم السمع والأبصار والأفئدة. وإنما قلنا ذلك كذلك؛ لأن الله تعالى ذكره جعل العبادة والسمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم من بطون أمهاتهم، وإنما أعطاهم العلم والعقل بعدما أخرجهم من بطون أمهاتهم...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}، يحتمل وجهين:...
أحدهما: يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق من سرعة القيامة والعلم بها والحكمة التي جعل في البعث، فقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}، خلق الولد في ظلمات ثلاث، وجعل غذاءه بغذاء الأمهات وبقواهن، ثم تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال؛ ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا اغْتِذَاءَهُ بغذاء الأمهات، وتقلبه من حال إلى حال، ومن جوهر إلى جوهر، لما قدروا على ذلك. فيدل هذا على أن من قدر على هذا، وعلم في تلك الظلمات قدر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء، وعلم ما غاب عن الخلق. ويُذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى الأحوال التي صرنا إليها بعد ما كنا ما ذكر...
والثاني: يذكرنا أننا كنا بالحال التي ذكر؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد، والله أعلم...
{وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة}، فمن قدر على جعل السمع حتى تسمع الأصوات، ويميز بينها، وجعل البصر والتمييز بين ألوان الأجسام والفؤاد ليُفْهَمَ، ويُعقل ما له، وما عليه، ما لا يدرك مئة ما به يسمعون، ويبصرون، ويعقلون، وما به يميزون بين ما ذكرنا. فمن قدر على هذا كله، قدر على إنشاء الخلق بعد الفناء، والإعادة بعد الموت...
ثم ذكر على إثر قوله: {لا تعلمون شيئا}، السمع والبصر والأفئدة. فذلك يدل على أن هذه الأشياء من أسباب العلم بالأشياء، وبها يوصل إلى العلم بالأشياء. فمن أعطي أسباب العلم بالشيء فكأن قد أعطي له العلم به، والله أعلم...
{لعلكم تشكرون}، هو حرف شك في الظاهر؛ ذَكَرَهُ، والله أعلم؛ لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه، أو لكي يلزمهم الشكر...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ}: لتسمعوا خطابه، {وَالأَبْصَارَ} لتُبصِروا أفعالَه، {وَالأَفْئدَةَ} لِتَعْرِفُوا حقَّه، ثم لتَشكروا عظيم إنعامه عليكم بهذه الحواس...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا}... ومعناه: غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، وسوّاكم وصوّركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة. وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمُ}، معناه: وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به، من شكر المنعم، وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم...
ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار فقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}...
الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء...
ثم قال تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} والمعنى: أن النفس الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله، فالله أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم... وقال المفسرون: {وجعل لكم السمع} لتسمعوا مواعظ الله {والأبصار} لتبصروا دلائل الله، والأفئدة لتعقلوا عظمة الله... لأن الفوائد إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، وأكثر الخلق ليسوا كذلك بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد، فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
والأفئدة -وهي العقول- التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ، والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها. وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا، كلما كبر زِيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده. وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان؛ ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{أخرجكم}، بعلمه وقدرته... {من بطون أمهاتكم}، والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق، بل بطريق الأولى... حال كونكم عند الإخراج: {لا تعلمون شيئاً} من الأشياء قل أو جل... قوله: {وجعل لكم} بذلك أيضاً {السمع والأبصار والأفئدة}، آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً، قادر على إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى، ولعله جمعهما دون السمع؛ لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله... والأفئدة، هي: القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن، بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة...
{لعلكم تشكرون}، أي: لتصيروا -بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات- في حال يرجى فيها شكركم، لما أفاض عليكم من لطائف صنعه، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول... أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد، عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، فاعل بالاختيار، وأن الطبائع من جملة مقدوراته، لا فعل لها إلا بتصريفه...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويقرب القرآن الأمر بعرض مثل صغير من حياة البشر، تعجز عنه قواهم ويعجز عنه تصورهم، وهو يقع في كل لحظة من ليل أو نهار:... وهو غيب قريب، ولكنه موغل بعيد. وأطوار الجنين قد يراها الناس، ولكنهم لا يعلمون كيف تتم، لأن سرها هو سر الحياة المكنون. والعلم الذي يدعيه الإنسان ويتطاول به ويريد أن يختبر به أمر الساعة وأمر الغيب، علم حادث مكسوب... (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) ومولد كل عالم وكل باحث، ومخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا قريب قريب! وما كسبه بعد ذلك من علم هبة من الله بالقدر الذي أراده للبشر، وجعل فيه كفاية حياتهم على هذا الكوكب، في المحيط المكشوف لهم من هذا الوجود...
(وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) والقرآن يعبر بالقلب ويعبر بالفؤاد عن مجموع مدارك الإنسان الواعية؛ وهي تشمل ما اصطلح على أنه العقل، وتشمل كذلك قوى الإلهام الكامنة المجهولة الكنه والعمل... جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة
(لعلكم تشكرون) حين تدركون قيمة النعمة في هذه وفي سواها من آلاء الله عليكم. وأول الشكر: الإيمان بالله الواحد المعبود...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عود إلى إكثار الدلائل على انفراد الله بالتصرّف وإلى تعداد النّعم على البشر... والمعنى: أنه كما أخرجكم من عدم وجعل فيكم الإدراك وما يتوقّف عليه الإدراك من الحياة فكذلك ينشئكم يوم البعث بعد العدم...
وإذ كان هذا الصّنع دليلاً على إمكان البعث فهو أيضاً باعث على شكر الله بتوحيده ونبذ الإشراك فإن الإنعام يبعث العاقل على الشكر...
والإخراج الإبراز من مكان إلى آخر...
والبَطن: ما بين ضلوع الصدر إلى العانة، وفيه الأمعاء والمعدة والكبد والرحم...
وجملة {لا تعلمون شيئاً} حال من الضمير المنصوب في {أخرجكم}. وذلك أن الطفل حين يولد لم يكن له علم بشيء ثم تأخذ حواسّه تنقل الأشياء تدريجاً فجعل الله في الطفل آلات الإدراك وأصول التفكّر...
فالمراد بالسمع: الإحساس الذي به إدراك الأصوات الذي آلته الصمّاخ، وبالإبصار: الإحساسُ المدرك للذّوات الذي آلته الحدقة. واقتصر عليهما من بين الحواس لأنهما أهمّ، ولأن بهما إدراك دلائل الاعتقاد الحقّ...
ثم ذكر بعدهما الأفئدة، أي العقل مقرّ الإدراك كلّه، فهو الذي تنقل إليه الحواس مدركاتِها، وهي العلم بالتصوّرات المفردة...
وللعقل إدراك آخر وهو إدراك اقتران أحد المعلومين بالآخر، وهو التصديقات المنقسمة إلى البديهيّات... وإلى النظريات وتُسمّى الكسبيّات، وهي العلم بانتساب أحد المعلومين إلى الآخر بعد حركة العقل في الجمع بينهما أو التّفريق... فالعلوم الكسبية لا يمكن اكتسابها إلا بواسطة العلوم البديهية...
وهذه العلوم نعمة من الله تعالى ولطف، لأن بها إدراك الإنسان لما ينفعه وعمَلَ عقله فيما يدلّه على الحقائق، ليسلم من الخطأ المفضي إلى الهلاك والأرزاء العظيمة، فهي نعمة كبرى. ولذلك قال تعالى عقب ذكرها {لعلكم تشكرون}، أي هي سبب لرجاء شكرهم واهبَها سبحانه...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأبْصَارَ}، حيث زوّدكم بأدوات المعرفة الحسية، {وَالأَفْئِدَةَ}، وهي أدوات المعرفة العقلية...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
فمن الطبيعي أنّكم في ذلك المحيط المحدود المظلم تجهلون كل شيء، ولكنْ عندما تنتقلون إلى هذا العالم فليس من الحكمة أن تستمروا على حالة الجهل، ولهذا فقد زودكم الباري سبحانه بوسائل إِدراك الحقائق ومعرفة الموجودات، (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)؛ لكي يتحرك حس الشكر للمنعم في أعماقكم، من خلال إِدراككم لهذه النعم الربانية الجليلة، (لعلكم تشكرون)...
إِنّنا عند الولادة نكون في غفلة عن كل شيء، حتى عن أنفسنا التي بين جنبينا، إِلاّ أن مسألة إِدراك الحقائق تكمن فينا بصورة القوّة لا الفعل، وبالتدريج تحصل لأعيننا قوّة النظر، ولآذاننا قوة السمع، ولعقولنا القدرة على الإِدراك والتجزئة والتحليل، فننعم بهذه العطايا الإِلهية الثلاث، التي بواسطتها نستطيع أن ندرك كثيراً من التصورات ونودعها في العقل؛ لكي ننشئ منها مفاهيم كلية، ومن ثمّ نصل إلى الحقائق العقلية بطريق (التعميم) و (التجريد)...
وتصل قدرتنا الفكرية إلى إِدراك أنفسنا، (باعتبارها علماً حضورياً)، ومن ثمّ تتحرر العلوم التي أُودعت فينا قوةً؛ لتصبح علوماً بالفعل، ونجعل بعد ذلك من العلوم البديهية والضرورية سلّماً للوصول إلى العلوم النظرية وغير البديهية...
وعلى هذا.. فالعموم والكلية التي نطقت بها الآية، (من أنّنا لا نعلم شيئاً عند الولادة)، ليس لها استثناء ولا تخصيص...
فمعرفتنا بالعالم الخارجي تكون عن طريق أجهزة خاصّة منها السمع والبصر. وتنقل هذه الآلات والأجهزة كل ما تلتقطه من الخارج لتودعه في أذهاننا وعقولنا، ونقوم بواسطة العقل والفكر بعملية التجزئة والتحليل.. ولذلك بيّنت الآية مسألة عدم علم الإِنسان المطلق حين الولادة... (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)؛ لكي تحصلوا على حقائق الوجود وتدركوها...
ونشاهد تقديم ذكر السمع على البصر في الآية، مع ما للعين من عمل أوسع من السمع، ولعل ذلك لسبق الأذن في العمل على العين بعد الولادة، حيث إنّ العين كانت في ظلام دامس، (في رحم الأم)، ونتيجة لشدّة أشعة النّور، (بعد الولادة)، فإِنّها لا تستطيع العمل مباشرة بسبب حساسيتها، وإِنّما تتدرج في اعتيادها على مواجهة النّور، حتى تصل للحالة الطبيعية المعتادة، ولذا نجد الوليد في بداية أيّامه الأُولى مغلق العين. أمّا بخصوص الأذن.. فثمة مَنْ يعتقد بأنّ لها القدرة على السماع، (قليلا أو كثيراً)، وهي في عالم الأجنّة، وأنّها تسمع دقات قلب الأم وتعتاد عليها!... أضف إلى ذلك أنّ الإِنسان إِنّما يرى بعينه الأشياء الحسيّة فقط، في حين أن الأذن تعتبر وسيلة للتربية والتعليم في جميع المجالات، فالإِنسان يصل بواسطة سماع الكلمات إلى معرفة جميع الحقائق، سواء ما كان منها في دائرة الحس، أو ما كان خارجها، وليس للعين هذه السعة، وصحيح أنّ الإِنسان يمكنه تحصيل العلم بواسطة القراءة، إِلاّ أنّ القراءة ليست عامّة لكل الناس، وسماع الكلمات أمر عام...
وعلى أية حال، فآلات المعرفة وإِن لم تنحصر بهذه الأجهزة الثلاث، إِلاّ أنّها أفضل الأجهزة جميعاً؛ لأنّ علم الإِنسان إِمّا أن يكون عن طريق التجربة، أو عند طريق الاستدلالات العقلية، ولا تجربة بدون السمع والبصر، ولا استدلالات عقلية من غير الفؤاد: (العقل)...
لعلكم تشكرون... تعتبر نعمة أجهزة تحصيل العلم من أفضل النعم التي وهبها اللّه للإِنسان، فلا يقتصر دور العين والأذن، (مثلا) على النظر إلى آثار اللّه في خلقه، والاستماع إلى أحاديث أنبياء اللّه وأوليائه، وتفهم ذلك وتدركه بالتحليل والاستنتاج، بل إِنّ كل خطوة نحو التكامل والتقدم مرتبطة ارتباطا وثيقاً بهذه الوسائل الثلاثة. وغاية إِعطاء هذه الوسائل إِنّما تستوجب شكر الواهب؛ لأنّه من خلالها يمكن الحصول على العلم والمعرفة اللذين بهما امتاز الإِنسان عن غيره من الحيوانات. وممّا لا شك فيه أنّ الإِنسان ليقف عاجزاً أمام حق شكر المولى، وليس له إلاّ الاعتذار...