روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (75)

{ ضَرَبَ الله مَثَلاً } الخ على هذا عند المدقق أنه تعالى عبد أن نهاهم عن ضرب الأمثال له سبحانه ضرب مثلاً دل به على أنهم ليسوا أهلاً لذلك وانهم إذا كانوا على هذا الحد من المعرفة والتقليد أو المكابرة فليس لهم إلى ضرب الأمثال المطابقة المستدعي ذكاء وهداية سبيل ، وقال غيره في ذلك ولعله أظهر منه : إنه تعالى لما ذكر أنه يعلم كيف تضرب الأمثال وانهم لا يعلمون علمهم كيف تضرب الأمثال في هذا الباب فقال تعالى : { ضرِبَ } الخ .

ووجه الربط على ما تقدم من أن انلهي عن الإشراك أنه سبحانه لما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي وهو الإشراك عقبه بالكشف لذي البصيرة عن فساد ما ارتكبوه بقوله سبحانه : { ضرِبَ } الخ أي أورد وذكر ما يستدل به على تباين الحال بين جنابه تعالى شأنه وبين ما أشركوه به سبحانه وينادي بفساد ما هم عليه نداء جلياً { عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } بدل من مثلا وتفسير له والمثل في الحقيقة حالته العارضة له من المملوكية والعجز التام وبحسبها ضرب نفسه مثلا ووصف العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر لاشتراكهما في كونهما عبداً الله تعالى ، وقد أدمج فيه على ما قيل إن الكل عبيد له تعالى وبعدم القدر لتمييزه عن المكاتب والمأذون اللذين لهما تصرف في الجملة ، وفي إبهام المثل أولا ثم بيانه بما ذكر ما لا يخفى من الجزالة { وَمَن رَّزَقْنَاهُ } { مِنْ } نكرة موصوفة على ما استظهره الزمخشري ليطابق { عَبْداً } فإنه أيضاً نكرة موصوفة وإلى ذلك ذهب أبو البقاء ، وقال الحوفي : هي موصولة واستظهره أبو حيان ، وزعم بعضهم ان ذلك لكون استعمالها موصولة أكثر من استعمالها موصوفة ، والأول مختار الأكثرين أي حرا رزقناه بطريق الملك ؛ والالتفات إلى التكلم للإشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ، وفي اختيار ضمير العظمة تعظيم لأمر ذلك الرزق ويزيد ذلك تعظيماً قوله سبحانه : { مِنَّا } أي من جنابنا الكبير المتعالي { رِزْقًا حَسَنًا } حلالاً طيباً أو مستحسناً عند الناس مرضياً ويؤخذ منه على ما قيل كونه كثيراً بناء على أن القلة التي هي أخت العدم لا حسن في ذتها { فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ } تفضلاً وإحساناً ، والفاء لترتب الانفاق على الرزق كأنه قيل : ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فأنفق وإيثار المنزل من الجملة الاسمية الفعلية الخبر للدلالة على ثبات الإنفاق واستمراره التجددي { سِرّا وَجَهْرًا } أي حال السر وحال الجهر أو إنفاق سر وإنفاق جهر والمراد بيان عموم انفاقه للأوقات وشمول انعامة لمن يجتنب عن قبوله جهراً .

وجوز أن يكون وصفه بالكثرة مأخوذاً من هذا بناء أن المراد منه كيف يشاء وهو يدل على انحاء التصرف وسعة المتصرف منه ، وتقديم السر على الجهر للإيذان بفضله عليه ، وقد مر الكلام في ذلك ؛ والعدول عن تطبيق القرينتين بأن يقال : وحرا مالكاً للأموال مع كونه أدل على تباين الحال بينه وبين قسيمه لما في ارشاد العقل السليم من توخي تحقيق الحق بأن الأحرار أيضاً تحت ربقة عبوديته تعالى وأن مالكيتهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزقهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك مع محاولة المبالغة في الدلالة على ما قصد بالمثل من تباين الحال بين الممثلين فإن العبد المملوك حيث لم يكن مثل العبد المالك فما ظنك بالجماد ومالك الملك خلاق العالمين { هَلْ يَسْتَوُونَ } جمع الضمير وأن تقدمه اثنان وكان الظاهر يستويان للإيذان بأن المراد بما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان منهما وان أخرج ابن عساكر .

وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان بنهاه والله تعالى أعلم بصحته . وقيل نزلت في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وعبد له ولا يصح إسناده كما في البحر ، وفيه أنه يحتمل أن يكون الجمع باعتبار أن المراد بمن الجمع وأن يكون باعتبار عود الضمير على العبيد والأحرار وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة { عَبْدُ * شَىْء وَمَن رَّزَقْنَاهُ } عليهما ، والمعول عليه ما ذكر أولاً ، والمعنى هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بما ذكر من الصفات مع أن الفريقين سيان في البشرية والمخلوقية لله سبحانه وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل في إيجاده ولا تملكه بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليل أذله منه وهو الاصنام ، وقيل : إن هذا تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق شبه الأول بمملوك لا تصرف له لأنه لا حباط عمله وعدم الاعتداد بأفعاله واتباعه لهواه كالعبد المنقاد الملحق بالبهائم بخلاف المؤمن الموفق ، وجعله تمثيلاً لذلك مروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقتادة ولا تعيين أيضاً وإن قيل : إن الآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه . وأبي جهل ، على أن أبا حيان قال إنه لا يصح إسناد ذلك ، هذا ثم أعلم أنهم اختلفوا في العبد هل يصح له ملك أم لا قال في الكشاف : المذهب الظاهر أنه لا يصح وبه قال الشافعي ، وقال ابن المنير على ما لخصه في الكشف من كلام طويل إنه يصح له الملك عند مالك : وظاهر الآية تشهد له لأنه أثبت له العجز بقوله تعالى : { مَّمْلُوكًا } ثم نفى القدرة العارضة بتمليك السيد بقوله سبحانه : { لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } وليس المعنى القدرة على التصرف لأن مقابله { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } والحمل على إخراج المكاتب مع شذوذه إيجاز مع اخلال كما قال امام الحرمين رحمه الله تعالى في «أيما أمرأة نكحت بغير اذن وليها » الحمل على المكاتبة بعيد لا يجوز والمأذون لم يخرج لما مر من أن المراد بالقدرة ما هو ، وليس لقائل أن يقول : إنه صفة لازمة موضحة فالأصل في الصفات التقييد اه .

وتعقبه المدقق بقوله : والجواب أن المعنى على نفي القدرة عن التصرف فالآية واردة في تمثيل حال الاصنام به تعالى عن ذلك علوا كبيراً وكلما بولغ في حال عجز المشبه به وكمال المقابل دل في المشبه به أيضاً على ذلك فالذي يطابق المقام القدرة على التصرف وهو في مقابلة قوله تعالى : { يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرًا } وما ذكره لا حاصل له ولا إخلال في إخراج المكاتب لشمول اللفظ مع أن المقام مقام مبالغة فما يتوهم دخوله بوجه ينبغي أن ينفي وأين هذا مما نقله عن إمام الحرمين اه . واستدل بالآية أيضاً على أن العبد لا يملك الطلاق أيضاً وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال : ليس للعبد طلاق إلا باذن سيده وقرأ الآية ؛ وقد فصلت أحكام العبيد في حكم الفقه على أتم وجه { الحمد للَّهِ } أي كله له سبحانه لا يستحقه أحد غيره تعالى لأنه جل شأنه الملوى للنعم وإن ظهرت على أيدي بعض الوسائل فضلاً عن استحقاق العبادة .

وفيه إرشاد إلى ما هو الحق من أن ما يظهر على يد من ينفق فيما ذكر راجع إليه تعالى كما لوج به { رَّزَقْنَاهُ } وقال غير واحد هذا حمد على ظهور المحجة وقوة هذه الحجة { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ما ذكر فيضيفون نعمه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجل أو لا يعلمون ظهور ذلك وقوة ما هنالك فيبقون على شركهم وضلالهم ، ونفي العلم عن أكثرهم للاشعار بأن بعضهم يعلمون ذلك وإنما لم يعملوا بموجبه عناداً ؛ وقيل : المراد بالأكثر الكل فكأنه قيل : هم لا يعلمون ، وقيل : ضمير { هُمْ } للخلق والأكثر هم المشركون ، وكلا القولين خلاف الظاهر .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا } محباً لغير الله تعالى ولا شك أن المحب أسير بيد المحبوب لا يقدر على شيء لأنه مقيد بوثاق المحبة { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } فجعلناه محباً لنا مقبلاً بقلبه علينا متجرداً عما سوانا وآتيناه من لدنا علماً { فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا } وذلك من النعم الباطنة { وَجَهْرًا } [ النحل : 75 ] وذلك من النعم الظاهرة

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (75)

فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يعبد من دونه ، أحدهما عبد مملوك أي : رقيق لا يملك نفسه ولا يملك من المال والدنيا شيئا ، والثاني حرٌّ غنيٌّ قد رزقه الله منه رزقا حسنا من جميع أصناف المال وهو كريم محب للإحسان ، فهو ينفق منه سرا وجهرا ، هل يستوي هذا وذاك ؟ ! لا يستويان مع أنهما مخلوقان ، غير محال استواؤهما .

فإذا كانا لا يستويان ، فكيف يستوي المخلوق العبد الذي ليس له ملك ولا قدرة ولا استطاعة ، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب الخالق المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء ؟ "

ولهذا حمد نفسه واختص بالحمد بأنواعه فقال : { الْحَمْدُ لِلَّهِ } فكأنه قيل : إذا كان الأمر كذلك فلم سوَّى المشركون آلهتهم بالله ؟ قال : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } فلو علموا حقيقة العلم لم يتجرؤوا على الشرك العظيم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (75)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم ضرب للكفار مثلا ليعتبروا، فقال: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء}، من الخير والمنفعة في طاعة الله عز وجل... يقول: فكذلك الكافر لا يقدر أن ينفق خيرا لمعاده، ثم قال عز وجل: {ومن رزقناه منا رزقا حسنا}، يعني: واسعا، وهو المؤمن... {فهو ينفق منه}، فيما ينفعه في آخرته، {سرا وجهرا}، يعني: علانية، {هل يستون}، الكافر الذي لا ينفق خيرا لمعاده، والمؤمن الذي ينفق في خير لمعاده، ثم جمعهم، فقال تعالى: {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}، بتوحيد الله عز وجل.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وشَبّه لكم شَبها أيها الناس للكافر من عبيده، والمؤمن به منهم. فأما مثَل الكافر: فإنه لا يعمل بطاعة الله، ولا يأتي خيرا، ولا ينفق في شيء من سبيل الله ماله لغلبة خذلان الله عليه، كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فينفقه. وأما المؤمن بالله: فإنه يعمل بطاعة الله، وينفق في سبيله ماله، كالحرّ الذي آتاه الله مالاً فهو ينفق منه سرّا وجهرا، يقول: بعلم من الناس وغير علم. {هَلْ يَسْتَوُونَ} يقول: هل يستوي العبد الذي لا يملك شيئا ولا يقدر عليه، وهذا الحرّ الذي قد رزقه الله رزقا حسنا، فهو ينفق كما وَصَف؟ فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي الله المخالف أمره، والمؤمن العامل بطاعته...

وقوله: {الحَمْدُ لِلّهِ}، يقول: الحمد الكامل لله خالصا دون ما تَدْعُون أيها القوم من دونه من الأوثان، فإياه فاحمدوا دونها.

وقوله: {بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} يقول: ما الأمر كما تفعلون، ولا القول كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتُحْمد عليه، إنما الحمد لله، ولكن أكثر هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها لا يعلمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلهم بما يأتون ويَذَرون، يجعلونها لله شركاء في العبادة والحمد.

وكان مجاهد يقول: ضرب الله هذا المثل، والمثل الآخر بعده لنفسه، والآلهة التي تعبد من دونه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ضرب المثل بهذا من وجهين:...

أحدهما: أن من لا يقدر، لا يملك أن يُنْفِق في الشاهد عندكم ليس كمن يملك، ويقدر أن ينفق، فهو كقوله: {هل يستوي الأعمى والبصير} (الرعد: 16). وكقوله: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} (هود: 24)، أي: ليس يستوي البصير والأعمى، والأصم والسميع. فعلى ذلك لا يستوي من يملك الإنفاق والإنعام على الخلق، وهو المعبود الحق، ومن لا يملك ذلك، وهو المعبود الباطل...

والثاني: ضرب مثل المؤمن والكافر: إن الكافر لا ينفق ما أنعم عليه من المال في طاعة الله ولا في خيراته، والمؤمن ينفق ما أنعم عليه وأُعطي، في طاعة الله وخيراته. فليسا بسواء: من أنفق في طاعة الله كمن لا ينفق شيئا:

أحدهما: يكون ضرب مثل الإله الحق والمعبود الحق بالمعبود الباطل.

والثاني: يكون ضرب مثل المؤمن بالكافر...

ثم في الآية وجوه من الدلائل... أن العبد لا يملك حقيقة الملك حين ذكر: {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} وإن قدر ما يملك، إنما يملك بإذن من له الملك. وكذلك الخلائق كلهم، لا يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله، وإن قدر ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم...

إن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق حين قال: {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء}، ثم قال في من يملك: {ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق}، دل أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة...

{هل يستوون} مثلا، {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}، قال بعضهم: ذكر الحمد لله على إثر ما ذكر أنه عرف رسوله النعم وأنواع المنافع، ثم عرفه على إثر ذلك الحمد...

ثم قوله تعالى: {لا يعلمون}، يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ينتفعوا بما علموا، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج، ولم يتأملوا فيها، فلم يعلموا، والله أعلم...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

، ومعنى الآية: هل يستوي هذا الفقر والبخل والغنى والسخاء، فكذلك لا يستوي الكافر العاصي المخالف لأمر الله، والمؤمن المطيع له.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

وفي هذه الآية دلالة على أن المملوك لا يملك شيئا، لأن قوله "مملوكا لا يقدر على شيء "ليس المراد به: نفي القدرة، لأنه قادر على التصرف، وإنما المراد: أنه لا يملك التصرف في الأموال، وذلك عام في جميع ما يملك ويتصرف فيه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ثم علمهم كيف تضرب، فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حرّ مالك قد رزقه الله مالاً، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف شاء.

فإن قلت: لم قال: {مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيء} وكل عبد مملوك، وغير قادر على التصرف؟ قلت: أما ذكر المملوك، فليميز من الحرّ؛ لأن اسم العبد يقع عليهما جميعاً؛ لأنهما من عباد الله. وأما: {لاَّ يَقْدِرُ على شَيء}، فليجعل غير مكاتب ولا مأذون له؛ لأنهما يقدران على التصرف. واختلفوا في العبد هل يصح له ملك؟ والمذهب الظاهر أنه لا يصحّ له.

فإن قلت: {من}، في قوله: {وَمَن رزقناه} ما هي؟ قلت: الظاهر أنها موصوفة، كأنه قيل: وحراً رزقناه؛ ليطابق عبداً. ولا يمتنع أن تكون موصولة.

فإن قلت: لم قيل: {يَسْتَوُونَ} على الجمع؟ قلت: معناه: هل يستوي الأحرار والعبيد؟

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في تفسير هذا المثل قولان:...

القول الأول: أن المراد أنا لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وفرضنا حرا كريما غنيا كثير الإنفاق سرا وجهرا، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة والبشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والأفضال، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر البتة...

والقول الثاني: أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، فإنه من حيث إنه بقي محروما عن عبودية الله تعالى وعن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز، والمراد بقوله: {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} هو المؤمن فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى...

واعلم أن القول الأول أقرب، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد، وفي الرد على القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى...

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء}.

...

...

...

والقول الثالث: أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة، وهذا القول هو الأظهر، لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية، والله أعلم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما ختم سبحانه بذلك؛ تأكيداً لإبطال مذهب عبدة الأصنام، بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم، حسن أن يصل به قوله -إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن، ولا يتوجه نحوها الشكوك -: {ضرب الله}، أي: الذي له كمال العلم وتمام القدرة، {مثلاً}، بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه؛ ثم أبدل من مثلاً: {عبداً}، ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى، قال تعالى: {مملوكاً}، لا مكاتباً ولا فيه شائبة للحرية، {لا يقدر على شيء} بإذن سيده ولا غيره، وهذا مثل شركائهم، ثم عطف على:"عبداً"، قوله: {ومن رزقناه منا}، من الأحرار، {رزقاً حسناً}، واسعاً طيباً، {فهو ينفق منه} دائماً، وهو معنى: {سراً وجهراً}، وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى؛ ثم بكتهم إنكاراً عليهم بقوله تعالى: {هل يستوون}، أي: هذان الفريقان الممثل بهما؛ لأن المراد الجنس، فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوي بين مخلوقين: أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة التامة على كل شيء؟

ولما كان الجواب قطعاً: لا، وعلم أن الفاضل ما كان مثالاً له سبحانه، على أن من سوى بينهما، أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة.

فثبت مضمون: {إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون}، وأن غيره تعالى لا يساوي شيئاً، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: {الحمد لله}، أي: له الإحاطة بالعلم، وجميع صفات الكمال التي منها اختصاصه بالشكر؛ لكونه هو المنعم وليس لغيره إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره، فكأنهم قالوا: نحن نعلم ذلك، فقيل: {بل أكثرهم}، أي: في الظاهر والباطن- بما أشار إليه الإضمار {لا يعلمون}؛ لكونهم يسوون به غيره، ومن نفى عنه العلم -الذي هو أعلى صفات الكمال- كان في عداد الأنعام، فهم لذلك يشبهون به ما ذكر، ويضربون الأمثال الباطلة، ويضيفون نعمه إلى ما لا يعد، ولعله أتى بضمير الغيبة لقصر ذلك على من ختم بموته على الضلال، أو يقال: وهو أرشق: لما كان الجواب قطعاً: لا يستوون والفاضل مثالك، فقد علم كل ذي لب أن لك المثل الأعلى، فترجم عن وصفه بقوله: "الحمد لله"، أي: الإحاطة بصفات الكمال للملك الأعظم، وعن نسبتهم إلى علم ذلك بقوله تعالى: {بل أكثرهم لا يعلمون}، أي: ليس لهم علم بشيء أصلاً؛ لأنهم يعملون في هذا بالجهل، فنسبتهم إلى الغباوة أحسن في حقهم من نسبتهم إلى الضلال على علم، وسيأتي في سورة لقمان إن شاء الله تعالى ما يكون نافعاً في هذا المقام، وإنما فسرت الحمد بما تقدم لأنه قد مضى في سورة الفاتحة أن مادة "حمد "تدور على بلوغ الغاية، ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة، فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضى فيلزمه الشكر، وبيانه أن الحمد بمعنى الرضا والشكر؛ لأنهما يكونان غالباً عن غاية الإحسان...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم يضرب لهم مثلين للسيد المالك الرازق وللمملوك العاجز الذي لا يملك ولا يكسب. لتقريب الحقيقة الكبرى التي غفلوا عنها. حقيقة أن ليس لله مثال، وما يجوز أن يسووا في العبادة بين الله وأحد من خلقه وكلهم لهم عبيد:... والمثل الأول مأخوذ من واقعهم، فقد كان لهم عبيد مملوكون، لا يملكون شيئا ولا يقدرون على شيء. وهم لا يسوون بين العبد المملوك العاجز والسيد المالك المتصرف. فكيف يسوون بين سيد العباد ومالكهم وبين أحد أو شيء مما خلق. وكل مخلوقاته له عبيد؟...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والعبد: الإنسان الذي يملكه إنسان آخر بالأسر أو بالشّراء أو بالإرث...

والحَسن: الذي لا يشوبه قبح في نوعه مثل قِلّة وجدان وقت الحاجة، أو إسراع فسادٍ إليه كسوس البُرّ، أو رداءة كالحشف. ووجه الشبه هو... فكونه صاحب رزق حَسَن كمال، وكونه يتصرّف في رزقه بالإعطاء كمال آخر، وكلاهما بضدّ نقائص المملوك الذي لا يقدر على شيء من الإنفاق ولا ما ينفق منه...

وهذا مثَل لغنى الله تعالى وجوده على الناس...

والاستفهام مستعمل في الإنكار...

ولما كان الحمد مظهراً من مظاهر الشكر في مظهر النّطق جعل كناية عن الشكر هنا، إذ كان الكلام على إخلال المشركين بواجب الشكر... جيء بهذه الجملة البليغة الدّلالة المفيدة انحصار الحمد في مِلْك الله تعالى... وأسند نفي العلم إلى أكثرهم لأن منهم من يعلم الحقّ ويكابر استبقاء للسيادة واستجلاباً لطاعة دهمائهم، فهذا ذَمّ لأكثرهم بالصراحة وهو ذمّ لأقلّهم بوصمة المكابرة والعناد بطريق التعريض...

وإنما جاءت صيغة الجمع في قوله تعالى {هل يستوون} لمراعاة أصحاب الهيئة المشبّهة، لأنها أصنام كثيرة كل واحد منها مشبّه بعبد مملوك لا يقدر على شيء، فصيغة الجمع هنا تجريد للتمثيلية، أي هل يستوي أولئك مع الإله الحقّ القادر المتصرّف. وإنما أجري ضمير جمعهم على صيغة جمع العالم تغليباً لجانب أحد التمثيلين وهو جانب الإله القادر...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وبعد أن هيأنا ربنا سبحانه لتلقي الأمثال، وأعد أذهاننا لاستقبال الأمثال منه سبحانه.. أتى بهذا المثل... والحق سبحانه لا يترك لنا الجواب، إلا إذا كان الجواب سيأتي على وفق ما يريد.. ولا جواب يعقل لهذا السؤال إلا أن نقول: لا يستوون.. وكأن الحق سبحانه جعلنا ننطق نحن بهذا الحكم...

ومن هنا تتضح الحكمة في أن الله تعالى ترك الحكم بنفسه في هذا المثل، وأتى به على صورة سؤال؛ ليأخذ الحكم من أفواههم ويشهدوا هم على أنفسهم؛ ليقطع عليهم سبيل الإنكار والجدال...

قوله تعالى: {هل يستوون... عدل عن المثنى إلى الجمع... لأن المثل وإن ضرب بمفرد مقابل مفرد إلا أنه ينطبق على عديدين.. مفرد شائع في عديد مملوكين، وفي عديد من السادة أصحاب الرزق الحسن، ذلك ليعمم ضرب المثل...

{بل أكثرهم لا يعلمون}، قوله: {أكثرهم لا يعلمون}، يدل على أن الأقلية تعلم، وهذا ما يسمونه "صيانة الاحتمال"؛ لأنه لما نزل القرآن الكريم كان هناك جماعة من الكفار ومن أهل الكتاب يفكرون في الإيمان واعتناق هذا الدين، فلو نفى القرآن العلم عن الجميع فسوف يصدم هؤلاء، وربما صرفهم عما يفكرون فيه من أمر الإيمان، فالقرآن يصون الاحتمال في أن أناساً منهم عندهم علم، ويرغبون في الإيمان...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

إن الله يضرب المثل من داخل حياة الناس؛ لينقلهم من خلاله إلى الفكرة التوحيدية التي تمثل مضمونه الفكري. وهو أسلوب عمليّ غايته تحريك فكر الإنسان للدخول في مقارنةٍ واعية، بين ما يحيط به، وبين الفكرة التي يريد له الداعية أن يعتقد بها...

{الْحَمْدُ لِلَّهِ}، أي: الثناء والمدح له، في ما يتصف به من الصفات التي لا نهاية لها في مضمونها الإلهي، ولا حدّ، وليس لغيره مثل هذا الحمد، بل كل حمدٍ لغيره فهو مستمد منه؛ لأن كل شيء من شؤون المخلوقين هو مخلوق له... {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} حقيقة الوجود، وما هي خصائص الخالق وخصائص المخلوق؛ لأنهم في غفلةٍ عن ذلك كله؛ لاستغراقهم داخل الأفكار الموروثة التي لا يتحركون خطوةً واحدةً بعيداً عنها في اتجاه فكرٍ جديد. وتلك هي مشكلة الذين لا يعلمون، ولا يريدون أن يخرجوا من دائرة الجهل إلى دائرة العلم، تحت تأثير العصبية العمياء التي تقدس الخطأ، وتحترم الخرافة، وتستسلم للجهل؛ لأنها لا تريد أن تخرج من حالة الاسترخاء الفكري إلى حالة الجهد الذي يبحث فيه الإنسان عن الجديد في العقيدة وفي الشريعة وفي الحياة...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ضمن التعقيب على الآيات السابقة التي تحدثت عن: الإِيمان، الكفر، المؤمنين، الكافرين والمشركين، تشخص الآيات مورد البحث حال المجموعتين: (المؤمنين والكافرين)، بضرب مثلين حيين وواضحين. يشبه المثال الأوّل المشركين بعبد مملوك لا يستطيع القيام بأية خدمة لمولاه، ويشبه المؤمنين بإِنسان غني، يستفيد الجميع من إِمكانياته.. (ضرب اللّه مثلا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء).

والعبد ليس له قدرة تكوينية؛ لأنّه أسير بين قبضة مولاه، ومحدود الحال في كل شيء، وليس له قدرة تشريعية أيضاً؛ لأنّ حق التصرف بأمواله، (إِنْ كان له مال)، وكل ما يتعلق به هو بيد مولاه، وبعبارة أُخرى: إنّه عبد للمخلوق، ولا يعني ذلك إِلاّ الأسر والمحدودية في كل شيء. أمّا ما يقابل ذلك، فالإنسان المؤمن الذي يتمتع بأنواع المواهب والرزق الحسن: (ومَنْ رزقناه منّا رزقاً حسناً)، والإِنسان الحر مع ما له من إِمكانيات واسعة، (وهو ينفق منه سراً وجهراً)، فاحكموا: (هل يستوون). قطعاً، لا.. فإِذنْ: (الحمد لله).

اللّه الذي يكون عبده حُرّ وقادر ومنفق، وليس الأصنام التي عبادها أسرى وعديمو القدرة ومحددون (بل أكثرهم لا يعلمون).