{ حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } أي الجبلين ، قال في «القاموس » : السد الجبل والحاجز ؛ وإطلاق السد عليه لأنه سد فجا من الأرض ، وقيل : إطلاق ذلك عليه هنا لعلاقة المجاورة وليس بذاك ، وقرأ نافع . وابن عامر . وحمزة . والكسائي . وأبو بكر . ويعقوب بضم السين ، والمعنى على ما قال الكسائي واحد ، وقال الخليل . وس : السد بالضم الاسم وبالفتح المصدر ، وقال ابن أبي إسحق : الأول ما رأيته عيناك والثاني ما لا تريانه ، وقال عكرمة . وأبو عمرو بن العلاء . وأبو عبيدة ؛ الأول ما كان من خلق الله تعالى لا دخل لصنع البشر فيه والثاني ما كان لصنع البشر دخل فيه ، ووجه دلالة المضموم على ذلك أنه بمعنى مفعول ولكونه لم يذكر فاعله فيه دلالة على تعين وعدم ذهاب الوهم إلى غيره فيقتضي أنه هو الله تعالى ، وأما دلالة المفتوح على أنه من عمل العباد فللاعتبار بدلاله الحدوث وتصوير أنه ها هو ذا يفعله فليشاهد ، وهذا يناسب ما فيه مدخل العباد على أنه يكفي فيه فوات ذلك التفخيم ، وأنت تعلم أن القراءة بهما ظاهرة في توافقهما وعدم ذكر الفاعل والحدوث أمران مشتركان ، وعكس بعضهم فقال : المفتوح ما كان من خلقه تعالى إذ المصدر لم يذكر فاعله والمضموم ما كان بعمل العباد لأنه بمعنى مفعول والمتبادر منه ما فعله العباد وضعفه ظاهر ، وانتصاب { بَيْنَ } على المفعولية لأنه مبلوغ وهو من الروف المتصفة ما لم يركب مع آخر مثله ، وقيل : إنه ظرف والمفعول به محذوف وهو ما أراده أو نحوه ، وهذا السدان فيه يقرب من عرض تسعين من جهة الشمال وهو المراد بآخر الجربياء في كتاب حزقيال عليه السلام ، وقد ذكر بعض أحبار اليهود أن يأجوج ومأجوج في منتهى الشمال حيث لا يستطيع أحد غيرهم السكنى فيه وهم في زاوية من ذلك لكنهم لم يتحقق عندهم أنهم فيما يلي المشرق من الشمال أو فيما يلي المغرب منه ، وهذا موافق لما ذكرناه في موضع السدين وهو الذي مال إليه كاتب جلبي ، وقيل : هما جبلاً أرمينية وأذربيجان ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإليه يميل صنيع البيضاوي .
وتعقب بأنه توهم ولعل النسبة إلى الحبر غير صحيحة ، وكان من يزعم ذلك يزعم أن سد ذي القرنين هو السد المشهور في باب الأبواب وهو مع استلزامه أن يكون يأجوج ومأجوج الخزر والترك خلاف ما عليه المؤرخون فإن باني ذلك السد عندهم كسرى أنو شروان ، وقيل : اسفنديار وهو أيضاً لم يبق إلى الآن بل خرب من قبل هذا بكثير ، وزعم أن السد ويأجوج ومأجوج هناك وأن الكل قد تلطف بحيث لا يرى كما يراه عصرينا رئيس الطائفة المسماة بالكشفية السيد كاظم الرشتي ضرب من الهذيان وإحدى علامات الخذلان .
وقال ابن سعيد : إن ذلك الموضع حيث الطول مائة وثلاثة وستون درجة والعرض أربعون درجة ، وفيه أن في هذا الطول والعرض بلاد الخنا والجين وليس هناك يأجوج ومأجوج ، نعم هناك سد عظيم يقرب من مائتين وخمسين ساعة طولاً لكنه ليس بين السدين ولا بانيه ذو القرنين ولا يكاد يصدق عليه ما جاء في وصف سده ، ويمنع من القول بذلك أيضاً ما لا يخفي ، وقيل : هما بموضع من الأرض لا نعلمه وكم فيها من أرض مجهولة ولعله قد حال بيننا وبين ذلك الموضع مياه عظيمة ، ودعوى استقراء سائر البراري والبحاري غير مسلمة ، ويجوز العقل أن يكون في البحر أرض نحو أمريقا لم يظفر بها إلى الآن وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود وبعد إخبار الصادق بوجود هذين السدين وما يتبعهما يلزمنا الإيمان بذلك كسائر ما أخبر به من الممكنات والالتفات إلى كلام المنكرين ناشئ من قلة الدين { وَجَدَ مِن دُونِهِمَا } أي السدي { قَوْماً } أمة من الناس قيل هم الترك ، وزعم بعضهم أن القوم كانوا من الجان وهو زعم باطل لا بعيد كما قال أبو حيان .
{ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } من أقوال اتباع ذي القرنين أو من أقوال من عداهم لغرابة لغتهم وبعدها عن لغات غيرهم وعدم مناسبتها لها مع قلة فطنتهم إذ لو تقاربت فهموها ولو كثرت فطنتهم فهموا ما يراد من القول بالقرائن فتعلموه ، والظاهر إبقاء القول على معناه المتبادر .
وزعم بعضهم أن الزمخشري جعله مجازاً عن الفهم مطلقاً أو عما من شأنه أن يقال ليشمل الإشارة ونحوها حيث قال : أي لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها ، وفيه نظر ، والظاهر أنه فهم من نفي يكاد إثبات الفهم لهم لكن يعسر وهو بناء على قول بعضهم : إن نفيها إثبات وإثباتها نفي وليس بالمختار .
وقرأ الأعمش . وابن أبي ليلى . وخلف . وابن عيسى الأصبهاني . وحمزة . والكسائي { يَفْقَهُونَ } من الأفعال أي لا يكادون يفهمون الناس لتلعثمهم وعدم تبيينهم الحروف .
فوصل إلى ما بين السدين ، وهما سدان ، كانا سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان ، سدا بين يأجوج ومأجوج وبين الناس ، وجد من دون السدين قوما ، لا يكادون يفقهون قولا ، لعجمة ألسنتهم ، واستعجام أذهانهم وقلوبهم ، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ، ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم ، وراجعهم ، وراجعوه ، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج ، وهما أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا : { إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ْ } .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 92]
يقول تعالى ذكره: ثم سار طرقا ومنازل، وسلك سبلاً "حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ"...
والسَّد والسُّد جميعا: الحاجز بين الشيئين، وهما ههنا فيما ذُكر جبلان سدّ ما بينهما، فردم ذو القرنين حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن وراءهم، ليقطع مادّ غوائلهم وعيثهم عنهم...
وقوله:"وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْما لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً "يقول عزّ ذكره: وجد من دون السدّين قوما لا يكادون يفقهون قول القائل سوى كلامهم.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله "يَفْقَهُونَ"؛
فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة "يَفْقَهُونَ قَوْلاً" بفتح القاف والياء، من فقَه الرجل يفقه فقها. وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة «يُفْقِهُونَ قَوْلاً» بضمّ الياء وكسر القاف: من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها: إذا فهمته ذلك.
والصواب عندي من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولاً لغيرهم عنهم، فيكون صوابا القراءة بذلك. وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل: إما بألسنتهم، وإما بمنطقهم، فتكون القراءة بذلك أيضا صوابا.
وقوله: "إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ"...
اختلف أهل التأويل في معنى الإفساد الذي وصف الله به هاتين الأمتين؛ فقال بعضهم: كانوا يأكلون الناس...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض، لا أنهم كانوا يومئذ يفسدون... الذين قالوا لذي القرنين "إنّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ" إنما أعلموه خوفَهم ما يُحدث منهم من الإفساد في الأرض، لا أنهم شَكَوا منهم فسادا كان منهم فيهم أو في غيرهم، والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيكون منهم الإفساد في الأرض، ولا دلالة فيها أنهم قد كان منهم قبل إحداث ذي القرنين السدّ الذي أحدثه بينهم وبين من دونهم من الناس في الناس غيرهم إفساد.
فإذا كان ذلك كذلك بالذي بيّنا، فالصحيح من تأويل قوله "إنّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ": إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض.
وقوله: "فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجا" اختلفت القرّاء في قراءة ذلك؛ فقرأته عامّة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: "فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجا" كأنهم نحوا به نحو المصدر من خَرْج الرأس، وذلك جعله. وقرأته عامّة قرّاء الكوفيين: «فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرَاجا» بالألف، وكأنهم نحوا به نحو الاسم، وعنوا به أجرة على بنائك لنا سدّا بيننا وبين هؤلاء القوم.
وأولى القراءتين في ذلك عدنا بالصواب قراءة من قرأه: «فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرَاجا» بالألف، لأن القوم فيما ذُكر عنهم، إنما عرضوا على ذي القرنين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به على بناء السدّ، وقد بين ذلك بقوله: "فَأعِينُونِي بقُوّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ رَدْما" ولم يعرضوا عليه جزية رؤوسهم. والخراج عند العرب: هو الغلة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 92]
{بَيْنَ السَّدَّيْنِ} بين الجبلين وهما جبلان سدّ ذو القرنين مما بينهما...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و «السدان» فيما ذكر أهل التفسير، جبلان سدا مسالك تلك الناحية من الأرض، وبين طرفي الجبلين فتح، هو موضع الردم... والضمير في {دونهما} عائد على الجبلين، أي: وجدهم في الناحية التي تلي عمارة الناس... {لا يكادون يفقهون قولاً} عبارة عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس، لكنهم فقهوا وأفهموا بالترجمة ونحوها...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{وجد من دونهما} أي بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين {قوماً} أي أقوياء لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من بقية البلاد، فهم لذلك {لا يكادون يفقهون قولاً} أي لا يقربون من أن يفهموه ممن مع ذي القرنين فهماً جيداً كما يفهم غيرهم، ودل وصفهم بما يأتي على أنهم يفهمون فهماً ما بعد بُعد ومحاولة طويلة، لعدم ماهر بلسانهم ممن مع ذي القرنين، وعدم ماهر منهم بلسان أحد ممن معه، وهذا يدل على أن بينهم وبين بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري شاسعة، وفيافي واسعة، منعت من اختلاطهم بهم، وأن تطبعهم بلسان غيرهم بعيد جداً لقلة حفظهم لخروج بلادهم عن حد الاعتدال، أو لغير ذلك، ويلزم من ذلك أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم شيئاً من كلامهم، وذلك معنى قراءة حمزة والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف،...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين (بين السدين) ولا ما هما هذان السدان. كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين، أو بين سدين صناعيين. تفصلهما فجوة أو ممر. فوجد هنالك قوما متخلفين: (لا يكادون يفقهون قولا)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 92]
السدّ بضم السين وفتحها: الجبل. ويطلق أيضاً على الجدار الفاصل، لأنه يسد به الفضاء، وقيل: الضم في الجبل والفتح في الحاجز...
والمراد {بالسدين} هنا الجبلان، وبالسد المفرد الجدار الفاصل، والقرينة هي التي عيّنت المراد من هذا اللفظ المشترك.
وتعريف {السَّدَّيْنِ} تعريف الجنس، أي بين سدّين معينين، أي اتبع طريقاً آخر في غزوه حتى بلغ بين جبلين معلومين...
ومعنى {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أنهم لا يعرفون شيئاً من قول غيرهم فلغتهم مخالفة للغات الأمم المعروفة بحيث لا يعرفها تراجمة ذي القرنين لأن شأن الملوك أن يتخذوا تراجمة ليترجموا لغات الأمم الذين يحتاجون إلى مخاطبتهم، فهؤلاء القوم كانوا يتكلمون بلغة غريبة لانقطاع أصقاعهم عن الأصقاع المعروفة فلا يوجد من يستطيع إفهامهم مراد الملك ولا هم يستطيعون الإفهام.
ويجوز أن يكون المعنى أنهم قوم متوغلون في البداوة والبلاهة فلا يفهمون ما يقصده من يخاطبهم...
وهؤلاء القوم مجاورون ياجوج وماجوج، وكانوا أضعف منهم فسألوا ذا القرنين أن يقيهم من فساد ياجوج وماجوج...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
... ذَكر سبحانه وتعالى أنه وجد بين الجبلين قوماً {لا يكادون يَفقَهون قولاً} هذا وصفٌ لهؤلاء القوم، وهم كما يبدو أعلى درجة في الإنسانية من الذين وَجَدهم في مَطلِع الشمس الذين لم يُجعَل بينهم وبينها سِتْرٌ، ومعنى {مِن دونِهما}، أي من وراء الجبلين، فهم لم يكونوا بينهم، بل كانوا وراء هذين الجبلين، أو وراء هذه البلاد التي فيها هذان الجبلان، فهم في مُقامٍ أَوْغَرَ منهما، وهم إلى الشمال أَبْعَدُ وأعلَى...
{لا يكادون يَفقَهون قَوْلاً}... والظاهر عندي أن المراد أنهم لا يُدْرِكون مَرامِيَ الأقوالِ وأسرارَها والأحكامَ التي تُنظِّم العلاقاتِ بينهم، وهذا الذي يتّفِق مع {لا يكادون يفقهون}، لأن الفقه ليس مجرد المعرفة، إنما المعرفة التي يُشَقُّ فيها غِلافُ الأمور لإدراك الحقائق، وما وراء الألفاظ، وذلك إلى العِلم بالواجبات، وفِقهِ الأقوال أَقْرَبُ، ويكون المرادُ ليس عندهم عِلمٌ بالعَدل ونظامِ الحُكم، وما يجب لجَلْب المنافعِ ودَفْعِ المَضارِّ...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 92]
في ما يوحي به ذلك من بساطتهم وسذاجة فهمهم، بحيث لا يعيشون العُمْقَ الفكريّ في مواجهتهم للمشاكل، فيحتاجون إلى الشخص الذي يُدبِّر لهم أمورَهم، ويقودُهم إلى الحلول الممكنة التي كانوا يستطيعون الوصولَ إليها بأنفسهم، لو كانوا يَملِكون الوعيَ الكامل المنطلِق من حالة المعاناة الفكرية. وهذا ما واجهوه مع أولئك الذين كانوا يعيشون في الجانب الآخر من المنطقة، وراء الجبلين، فقد كان بإمكانهم أن يَبحثوا عن الوسيلة التي يستطيعون أن يتخلَّصوا بها من ضغْطهم على واقعهم في ما يتحرّكون به من إفساد البلاد والعباد، إما بالمواجَهة، أو بالمعاهَدة، أو بغير ذلك من الأمور، ولكنهم لم يجدوا هناك إلاّ إقامةَ السّدِّ بينهم، ليكون ذلك حاجزاً طبيعياً يَمنعُهم من القُدوم إليهم، أو الهجوم عليهم. وهكذا طرحوا المسألة على ذي القرنين بسذاجةٍ وطِيبةٍ وبساطةٍ...