روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا} (86)

{ حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس } أي منتهى الأرض من جهة المغرب بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته ووقف كما هو الظاهر على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس وفيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هب مبدأ الأطوال على أحد الأقوال { وَجَدَهَا } أي الشمس { تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ } أي ذات حمأة وهي الطين الأسود من حمئت البئر تحمأ حمأ إذا كثرت حمأتها .

وقرأ عبد الله . وطلحة بن عبيد الله . وعمرو بن العاص . وابنه عبد الله . وابن عمر . ومعاوية . والحسن . وزيد بن علي . وابن عامر . وحمزة . والكسائي { حَامِيَةً } بالياء أي حارة ، وأنكر هذه القراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أول ما سمعها ، فقد أخرج عبد الرزاق . وسعيد بن منصور . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية قرأ { في عَيْنٍ * حَامِيَةً } فقال له : ما نقرؤها إلا { حَمِئَةٍ } فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرأها ؟ فقال : كما قرأتها فقلت : في بيتي نزل القرآن فأرسل إلى كعب فقال له : أين تجد الشمس تغرب في التوراة فقال كعب : سل أهل العزيمة فإنهم أعلم بها وأما أنا فإني لم أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب ، قال ابن أبي حاضر : لو أني عندكما أيدتك بكلام تزاد به بصيرة في { حَمِئَةٍ } ، قال ابن عباس : وما هو ؟ قلت : قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتباعه إياه قد كان ذو القرنين إلى آخر الأبيات الثلاثة السابقة ومحل الشاهد قوله :

فرأى مغيب الشمس عند غروبها*** في عين ذي خلب وثأط حرمد

فقال ابن عباس : ما الخلب ؟ قال : ابن أبي حاضر الطين بكلامهم فقال : فما الثأط ؟ قال : الحمأة فقال : فما الحرمد ؟ قال : الأسود فدعا ابن عباس غلاماً فقال : أكتب ما يقول هذا الرجل ولا يخفي أنه ليس بين القراءتين منافاة قطعية لجواز كون العين جامعة بين الوصفين بأن تكون ذات طين أسود وماؤها حار ولجواز كون القراءة بالياء أصلها من المهموز قلبت همزته ياء لإنكسار ما قبلها وإن كان ذلك إنما يطرد إذا كانت الهمزة ساكنة كذا قيل . وتعقب بأنه يأباه ما جرى بين ابن عباس . ومعاوية .

وأجيب بأنه إذا سلم صحته فمبناه السماع والتحكيم لترجيح إحدى القراءتين ، وظاهر ما سمعت ترجيح قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وكأن رجوع معاوية لقراءة ابن عباس على ما ذكره القرطبي كان لذلك .

نعم ما أخرجه ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد .

وابن المنذر . وابن مردويه . والحاكم . وصححه عن أبي ذر قال : كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار فرأى الشمس حين غربت فقال : أتدري حيث تغرب ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإنها تغرب في عين حامية غير مهموزة يوافق قراءة معاوية ويدل على أن { في عَيْنٍ } متعلق بتغرب كما هو الظاهر ، وقول بعض المتعسفين بأنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل { وَجَدَهَا } مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، وكأن الذي دعاه إلى القول بذلك لزوم إشكال على الظاهر فإن جرم الشمس أكبر من جسم الأرض بأضعاف مضاعفة فكيف يمكن دخولها في عين ماء في الأرض ، وهو مدفوع بأن المراد وجدها في نظر العين كذلك إذ لم ير هناك إلا الماء لا أنها كذلك حقيقة وهذا كما أن راكب البحر يراها كأنها تطلع من البحر وتغيب فيه إذا لم ير الشط والذي في أرض ملساء واسعة يراها أيضاً كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها ، ولا يرد على هذا أنه عبر بوجد والوجدان يدل على الوجود لما أن وجد يكون بمعنى رأى كما ذكره الراغب فليكن هنا بهذا المعنى ، ثم المراد بالعين الحمئة إما عين في البحر أو البحر نفسه ، وتسميته عيناً مما لا بأس به خصوصاً وهو بالنسبة لعظمة الله تعالى كقطرة وإن عظم عندنا .

وزعم بعض البغداديين أن { في } بمعنى عند أي تغرب عند عين ، ومن الناس من زعم أن الآية على ظاهرها ولا يعجز الله تعالى شيء ونحن نقر بعظم قدرة الله عز وجل ولا نلتفت إلى هذا القول ، ومثله ما نقله الطرطوشي من أنها يبلعها حوت بل هذا كلام لا يقبله إلا الصبيان ونحوهم فإنها قد تبقى طالعة في بعض الآفاق ستة أشهر وغاربة كذلك كما في أفق عرض تسعين وقد تغيب مقدار ساعة ويظهر نورها من قبل المشرق في بعض العروض كما في بلغار في بعض أيام السنة فالشمس على ما هو الحق لم تزل سائرة طالعة على قوم غاربة على آخرين بحسب آفاقهم بل قال إمام الحرمين : لا خلاف في ذلك ، ويدل على ما ذكر ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال : الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من شرقها وكذلك القمر ، وكذا ما أخرجه ابن عساكر عن الزهري أن خزيمة بن حكيم السلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سخونة الماء في الشتاء وبرده في الصيف فقال : إن الشمس إذا سقطت تحت الأرض سارت حتى تطلع من مكانها فإذا طال الليل كثر لبثها في الأرض فيسخن الماء لذلك فإذا كان الصيف مرت مسرعة لا تلبث تحت الأرض لقص الليل فثبت الماء على حاله بارداً ، ولا يخفي أن هذا السير تحت الأرض تختلف فيه الشمس من حيث المسامتة بحسب الآفاق والأوقات فتسامت الأقدام تارة ولا تسامتها أخرى فما أخرجه أبو الشيخ عن الحسن قال : إذا غربت الشمس دارت في فلك السماء مما يلي دبر القبلة حتى ترجع إلى المشرق الذي تطلع منه وتجري منه في السماء من شرقها إلى غربها ثم ترجع إلى الأفق مما يلي دبر القبلة إلى شرقها كذلك هي مسخرة في فلكها وكذلك القمر لا يكاد يصح .

ويشكل على ما ذكر ما أخرجه البخاري عن أبي ذر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال : يا أبا ذر أتذري أين تغرب الشمس ؟ قلت الله ورسوله أعلم قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى : { والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا } [ يس : 38 ] .

وأجيب بأن المراد أنها تذهب تحت الأرض حتى تصل إلى غاية الانحطاط وهي عند وصولها دائرة نصف النهار في سمت القدم بالنسبة إلى أفق القوم الذين غربت عنهم وذلك الوصول أشبه شيء بالسجود بل لا مانع أن تسجد هناك سجوداً حقيقياً لائقاً بها فالمراد من تحت العرش مكاناً مخصوصاً مسامتاً لبعض أجزاء العرش وإلا فهي في كل وقت تحت العرش وفي جوفه ، وهذا مبني على أنه جسم كري محيط بسائر الأفلاك والفلكيات وبه تحدد الجهات وهذا قول الفلاسفة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة طه ما يتعلق بذلك ، وعلى ما ذكر فالمراد بمستقرها محل انتهاء انحطاطها فهي تجري عند كل قوم لذلك المخل تم تشرع في الارتفاع ، وقال الخطابي : يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش إنها تستق تحته استقراراً لا نحيط به نحن وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها انتهى ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك في سورة يس ، وبالجملة لا يلزم على هذا التأويل خروج الشمس عن فكلها الممثل بل ولا عن خارج المركز وإن اختلف قربها وبعدها من العرش بالنسبة إلى حركتها في ذلك الخارج .

نعم ورد في بعض الآثار ما يدل على خروجها عن حيزها ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشمس إذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع ثم ينطلق بها ما بين السماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة فتنحدر حيال المشرق من سماء إلى سماء فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذلك حين تطلع الشمس وهو وإن لم تأباه قواعدنا من شمول قدرة الله تعالى سائر الممكنات وعدم امتناع الخرق والالتئام على الفلك مطلقاً إلا أنه لا يتسنى مع تحقق غروبها عند قوم وطولعها عند آخرين وبقائها طالعة نحو ستة أشهر في بعض العروض إلى غير ذلك مما لا يخفي فلعل الخبر غير صحيح .

وقد نص الجلال السيوطي على أن أبا الشيخ رواه بسند واه ثم إن الظاهر على رواية البخاري ورواية ابن أبي شيبة ومن معه أن أبا ذرّ رضي الله تعالى عنه سئل مرتين إلا أنه رد العلم في الثانية إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم طلباً لزيادة الفائدة ومبالغة في الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم .

{ وَوَجَدَ عِندَهَا } أي عند تلك العين على ساحل البحر { قَوْماً } لباسهم على ما قيل : جلود السباع وطعامهم ما لفظه البحر ، قال وهب بن منبه : هم قوم يقال لهم : ناسك لا يحصيهم كثرة إلا الله تعالى .

وقال أبو زيد السهيلي : هم قوم من نسل ثمود كانوا يسكنون جابرسا وهي مدينة عظيمة لها اثنا عشر باباً ويقال لها بالسريانية : جرجيسا ، وروى نحو ذلك عن ابن جريج ، وزعم ابن السائب أنه كان فيهم مؤمنون وكافرون ، والذي عليه الجمهور أنهم كانوا كفاراً فخيره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإيمان وذلك قوله تعالى : { قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ } بالفتل من أول الأمر { وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } أي أمراً ذا حسن على حذف المضاف أو على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة وذلك بالدعوة إلى الحق والإرشاد إلى ما فيه الفوز بالدرجات ؛ ومحل إن مع صلته إما الرفع على الابتداء أو على الخبر وإما النصب على المفعولية أما تعذيبك واقع أو اما أمرك تعذيبك أو اما تفعل أو توقع تعذيبك وهكذا الحال في الاتخاذ ، وقدم التعذيب لأنه الذي يستحقونه في الحال لكفرهم ، وفي التعبير بإما أن تتخذ فيهم حسناً دون إما أن تدعوهم مثلاً إيماء إلى ترجيح الشق الثاني ، واستدل بالآية من قال بنبوته ، والقول عند بعضهم بواسطة ملك وعند آخرين كفاحاً ومن لم يقل بنبوته قال : كان الخطاب بواسطة نبي في ذلك العصر أو كان ذلك إلهاماً لا وحياً بعد أن كان ذلك التخيير موافقاً لشريعة ذلك النبي . وتعقب هذا بأن مثل هذا التخييل المتضمن لإزهاق النفوس لا يجوز أن يكون بالإلهام دون الاعلام وإن وافق شريعة ، ونقض ذلك بقصة إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه بالرؤية وهي دون الإلهام ، وفيه أن رؤية الأنبياء عليهم السلام وإلهاماتهم وحي كما بين في محله ، والكلام هنا على تقدير عدم النبوة وهو ظاهر .

وقال علي بن عيسى : المعنى قلنا يا محمد قالوا أي جنده الذين كانوا معه يا ذا القرنين فحذف القول اعتماداً على ظهور أنه ليس بنبي وهو من التكلف بمكان ، وقريب منه دعوى أن القائل العلماء الذين معه قالوه عن اجتهاد ومشاورة له بذلك ونسبه الله تعالى إليه مجازاً ، والحق أن الآية ظاهرة الدلالة في نبوته ولعلها أظهر في ذلك من دلالة قوله تعالى : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } [ الكهف : 82 ] على نبوة الخضر عليه السلام ، وكأن الداعي إلى صرفها عن الظاهر الأخبار الدالة على خلافها ، ولعل الأول في تأويلها أن يقال : كان القول بواسطة نبي .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا} (86)

فأعطاه الله ، ما بلغ به مغرب الشمس ، حتى رأى الشمس في مرأى العين ، كأنها تغرب في عين حمئة ، أي : سوداء ، وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء ، رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع ، ووجد عندها ، أي : عند مغربها قوما . { قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ْ } أي : إما أن تعذبهم بقتل ، أو ضرب ، أو أسر ونحوه ، وإما أن تحسن إليهم ، فخير بين الأمرين ، لأن الظاهر أنهم كفار أو فساق ، أو فيهم شيء من ذلك ، لأنهم لو كانوا مؤمنين غير فساق ، لم يرخص في تعذيبهم ، فكان عند ذي القرنين من السياسة الشرعية ما استحق به المدح والثناء ، لتوفيق الله له لذلك ، فقال : سأجعلهم قسمين .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا} (86)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: حتى إذَا بَلَغَ ذو القرنين "مَغْرِبَ الشّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، فاختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة: في عَيْنٍ حَمِئَةٍ بمعنى: أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة، وقرأته جماعة من قراء المدينة، وعامّة قرّاء الكوفة: «في عَيْنٍ حَامِيَةٍ» يعني أنها تغرب في عين ماء حارّة.

واختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته... عن ابن عباس "وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ "قال: في طين أسود...

وقال آخرون: بل هي تغيب في عين حارّة...

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولكلّ واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارّة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ في عين حامية بصفتها التي هي لها، وهي الحرارة، ويكون القارئ في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأة وطين. وقد رُوي بكلا صيغتيها اللتين قلت إنهما من صفتيها أخبار...

وقوله: "وَوَجَدَ عَنْدَها قَوْما"... وقوله: "قُلْنا يا ذَا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذّبَ" يقول: إما أن تقتلهم إن هم لم يدخلوا في الإقرار بتوحيد الله، ويذعنوا لك بما تدعوهم إليه من طاعة ربهم. "وإمّا أنْ تَتّخِذَ فِيهِمْ حُسْنا" يقول: وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}... فيها وجهان:

الثاني: أنه وجدها تَغرُب وراء العينِ حتى كأنها تَغيب في نفس الْعَيْن...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سببا يوصله إليه حتى بلغه.

{وجدها تغرب في عين حمئة} ففيه مباحث:

...

...

...

البحث الثاني: أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضا قال: {ووجد عندها قوما} ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: {تغرب في عين حمئة} من وجوه:

الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.

الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار...

الثالث: قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحمأة وهذا في غاية البعد، وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفا قمريا فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أول الليل ورأينا المشرقيين قالوا: حصل في أول النهار فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث. ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار. وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلاما على خلاف اليقين وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه.

{ووجد عندها قوما} الضمير في قوله عندها إلى ماذا يعود؟ فيه قولان:

الأول: أنه عائد إلى الشمس ويكون التأنيث للشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان هذا الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

والقول الثاني: أن يكون الضمير عائدا إلى العين الحامية، وعلى هذا القول فالتأويل ما ذكرناه،

{قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} وفيه مباحث:

الأول: أن قوله تعالى: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} يدل على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيا، وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر.

البحث الثالث: قوله تعالى: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} يدل على أن سكان آخر المغرب كانوا كفارا فخير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم وبين المن عليهم والعفو عنهم وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح الأمرين كما خير نبيه عليه السلام بين المن على المشركين وبين قتلهم، وقال الأكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

رأى الشمسَ في مَنظَرِه تَغرُب في البحر المُحيط، وهذا شأنُ كلِّ مَن انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تَغرُب فيه...

{قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} معنى هذا: أن الله تعالى مَكَّنَه منهم وحَكَّمَه فيهم، وأَظْفَرَه بهم وخَيّرَه: إنْ شاء َقَتَل وسَبَى، وإنْ شاء مَنَّ أو فَدَى. فعرف عدْله وإيمانه فيما أبداه عدْلُه وبيانُه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

... {و وَجَدَ عِنْدَها} أي على السّاحل المتّصِل بتلك العَيْنِ {قوماً} كفاراً لهم قوةٌ على ما يحاولونه ومَنَعَةٌ، فكأنه قيل: ماذا أُمِرَ فيهم؟ فأجيب بقوله: {قلنا} بمَظْهَر العظمة: {يا ذا القرنين} إعلاماً بقُرْبِه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أَمَره به، إما بواسطة المَلَك إن كان نبياً وهو أظهر الاحتمالات،... أو باجتهاده في شريعته الاجتهادَ المُصيبَ، {إمّا أنْ تُعَذِّبَ}... {وإمّا أنْ تَتَّخِذَ} أي بغاية جُهْدِك {فيهم حُسْناً} أمراً له حُسْنٌ عظيمٌ، وذلك هو البَداءة بالدُّعاء، إشارةً إلى أن القتل وإن كان جائزاً فالأَوْلَى أن لا يُفعَل إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجِبه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي -وكان يسمى بحر الظلمات ويظن أن اليابسة تنتهي عنده- فرأى الشمس تغرب فيه...

ولكن يتعذر علينا تحديد المكان، لأن النص لا يحدده. وليس لنا مصدر آخر موثوق به نعتمد عليه في تحديده. وكل قول غير هذا ليس مأمونا لأنه لا يستند إلى مصدر صحيح...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

اِتَّجَه في سَيْره إلى غرب بلاده أوّلاً، لأنها الأقاليم التي تُصاقِبُه، وإن الحاكِم العادلَ يُؤَمِّن أرضَه من جيرانه أوّلاً، ثم يتّجِه إلى ما بعدها شيئا فشيئا حتى يصل إلى أقصاها، وكذلك فَعَلَ، ولذا قال تعالى عنه: {حتى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ}...

وما المراد من هذه العين؟ المراد منها الماءُ، ولكن أهو ماءُ المحيطِ، أم البحرِ، أم هو ماء نهرٍ؟ الظاهِر لدي أنه ماءُ النهر، لا ماءُ محيطٍ، لأنه ذَكَر أنه عين، وماء العيون في أكثر أحواله ليس ماء ملحا، وإن كان فهو معدني إلى العذوبة أمْيَل، ولأنه ذكر أنها عينٌ حَمِئَةٌ، أي التي اختَلط ماؤها بطين، وتلك تكون في الأنهار لا في البحار. ومهما يكن فقد كان اتجاهُه ونهايتُه إلى الغرب من آسيا وأصْقابِها كبلاد البلغار، ونحوها...

{وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فيهم حُسْناً}... والحسن هو ضد القبيح، واتخاذ الحسن معناه اتخاذ ما ليس بقبيحٍ في ذاته ولا يَستنكِرُه عُرْفٌ ولا عقلٌ، وهذا هو معنى الإحسان وهو الإتقان وفَضْلُ العدلِ وزيادتُه...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً} استطاع أن يسيطر عليهم بالقوة القاهرة التي كان يملكها، وأن يحكمها بالمنهج الذي يراه أساساً للحكم، ولكنه ليس المنهج الذي يتخذ السلطة وسيلةً للقهر أو لأخْذ المُحسِن بذنب المسيء، أو للعمل على خنق حريتهم ومُصادَرة إنسانيّتهم، كما يفعل الأقوياء. وهكذا واجه الخِيار الذي يقف أمامه في موقع الاختيار بين العذاب الذي يَسومُهم به، وبين العفو والتسامح والرحمة التي يعاملهم بها. وهذا هو ما يستوحيه من التعاليم الإلهية المُنزلة على الرسل الذين عاصَرهم، أو تَقدَّموا عليه، وذلك كما لو كان يستمع إلى كلام الله بشكلٍ مباشرٍ، لأن الإنسان الواعي المنفتح على الرسالة يواجِه كلام الله الذي يقرأه أو يسمعه، كما لو كان يَستمع إليه من ربه...