{ ءاتُونِى زُبَرَ الحديد } جمع زبرة كغرف في غرفة وهي القطعة العظيمة ، وأصل الزبر الاجتماع ومنه زبرت الكتاب جمعت حروفه وزبرة الأسد لما اجتمع على كاهله من الشعر ، وأخرج الطشتس عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق ساله عن { زُبَرَ الحديد } فقال : قطعة وأنشد قول كعب بن مالك :
تلظى عليهم حين شد حميها*** بزبر الحديد والحجارة شاجر
وطلب إيتاء الزبر لا ينافي أنه لم يقبل منهم شيئاً لأن المراد من الايتاء المأمور به الايتاء بالثمن أو مجرد لمناولة والايطال وإن كان ما آتوه له لا إعطاء ما هو لهم فهو معونة مطلوبة ، وعلى تسليم كون الايتاء بمعنى الإعطاء لا المناولة يقال : إن إعطاء الآلة للعمل لا يلزمه تملكها ولو تملكها لا يعد ذلك جعلاً فإنه إعطاء المال لا إعطاء مثل هذا ، ويبنىء عن أن المراد ليس الإعطاء قراءة أبي بكر عن عاصم { رَدْمًا ائتونى } [ الكهف : 95 ، 96 ] بكسر التنوين ووصل الهمزة من أتاه بكذا إذ جاء به له وعلى هذه القراءة نصب { زُبُراً } بنزع الخافض أي جيئوني بزبر الحديد وتخصيص زبر الحديد بالذكر دون الصخور والحطب ونحوهما لما أن الحاجة إليها أمس إذ هي الركن القوي في السد ووجودها أعز .
وقرأ الحسن { زُبُرِ } بضم الباء كالزاي { حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين } في الكلام حذف أي فأتوه إياها فأخذ يبني شيئاً فشيئاً حتى إذا جعل ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في العلو فبين مفعول ساوى وفاعله ضمير ذي القرنين ، وقيل : الفاعل ضمير السد المفهوم من الكلام أي فاتوه إياها فأخذ يسد بها حتى إذا ساوى السد الفضاء الذي بين الصدفين ويفهم من ذلك مساواة السد في العلو للجبلين ، والصدف كما أشرنا إليه جانب الجبل وأصله على ما قيل : الميل ، ونقل في «الكشف » أنه لا يقال للمنفرد صدف حتى يصادفه الآخر ثم قال : فهو من الأسماء المتضايفة كالزوج وأمثاله ، وقال أبو عبيدة : هو كل بناء عظيم مرتفع ولا يخفي أنه ليس بالمراد هنا .
وزعم بعضهم أن المراد به هنا الجبل وهو خلاف ما عليه الجمهور ، وقرأ قتادة سوى من التسوية .
وقرأ ابن أبي أمية عن أبي بكر عن عاصم { سووى } بالبناء للمجهول ، وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . وابن عامر . والزهري . ومجاهد . والحسن { بَيْنَ الصدفين } بضم الصاد والدار وهي لغة حمير كما أن فتحهما في قراءة الأكثرين لغة تميم ، وقرأ أبو بكر . وابن محيصن . وأبو رجاء . وأبو عبد الرحمن { الصدفين } بضم فسكون .
وقرأ ابن جندب بفتح فسكون ، وروي ذلك عن قتادة ، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ بضم ففتح وهي قراءة أبان عن عاصم ، وقرأ الماجشون بفتح فضم .
{ قَالَ } للعملة { انفخوا } أي بالكيران في زبر الحديد الموضوعة بين الصدفين ففعلوا { حتى إِذَا جَعَلَهُ } أي جعل المنفوخ فيه { نَارًا } أي كالنار في الحرارة والهيئة فهو من التشبيه البليغ ، وإسناد الجعل المذكور إلى ذي القرنين مع أنه فعل الفعلة للتنبيه على أنه العمدة في ذلك وهم بمنزلة الآلة { قَالَ } الذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها ، وقيل لأولئك النافخين قال لهم بعد أن نفخوا في ذلك حتى صار كالنار وتم ما أراده منهم أولاً { ءَاتُوني } من الذين يتولون أمر النحاس { اتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } أي آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه ، وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني في باب التنازع أولى إذ لو كان { قِطْراً } مفعول { ءاتُونِى } لأضمر مفعول { أَفْرِغْ } وحذفه وإن جاز لكونه فضلة إلا أنه يوقع في لبس .
والقطر كما أشرنا إليه النحاس المذاب وهو قول الأكثرين ، وقيل : الرصاص المذاب ، وقيل : الحديد المذاب وليس بذاك ، وقرأ الأعمش . وطلحة . وحمزة . وأبو بكر بخلاف عنه { ائتونى } بهمزة الوصل أي جيئوني كأنه يستدعيهم للإغاثة باليد عند الإفراغ ، وإسناد الإفراغ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفاً ، وكذا الكلام في قوله { اجعل } وقوله : { سَاوِى } على أحد القولين .
{ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ْ } أي : قطع الحديد ، فأعطوه ذلك . { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ْ } أي : الجبلين اللذين بني بينهما السد { قَالَ انْفُخُوا ْ } النار أي : أوقدوها إيقادا عظيما ، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد ، فتذيب النحاس ، فلما ذاب النحاس ، الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد { قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ْ } أي : نحاسا مذابا ، فأفرغ عليه القطر ، فاستحكم السد استحكاما هائلا ، وامتنع من وراءه من الناس ، من ضرر يأجوج ومأجوج .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ءاتوني زبر الحديد}، يعني: قطع الحديد،
{حتى إذا ساوى بين الصدفين}، يعني: حشى بين الجبلين بالحديد، والصدفين: الجبلين... {قال انفخوا} على الحديد،
{حتى إذا جعله نارا قال ءاتوني أفرغ عليه قطرا}، قال: أعطوني الصفر المذاب أصبه عليه ليلحمه فيكون أشد له...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول عزّ ذكره: قال ذو القرنين للذين سألوه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدّا "آتونِي "أي جيئوني بِزُبَر الحديد، وهي جمع زُبْرة، والزّبْرة: القطعة من الحديد...
وقوله: "حتى إذَا ساوَى بينَ الصّدفَيْنِ" يقول عزّ ذكره: فآتوهُ زُبَر الحديد، فجعلها بين الصدفين حتى إذا ساوى بين الجبلين بما جعل بينهما من زُبر الحديد، ويقال: سوّى. والصدفان: ما بين ناحيتي الجبلين ورؤوسهما... وقوله: "قالَ انْفُخُوا" يقول عزّ ذكره، قال للفعلة: انفخوا النار على هذه الزّبر من الحديد.
وقوله: "حتى إذَا جَعَلَهُ نارا" وفي الكلام متروك، وهو: فنفخوا، حتى إذا جعل ما بين الصدفين من الحديد نارا "قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قَطْرا"...
وقوله: "أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا" يقول: أصبّ عليه قطرا، والقِطْر: النّحاس... عن قتادة "أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا" أي النحاس ليلزمه به...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
ذُكر أنه كان يبسط الحديد صدرا، ثم يبسط الحطب فوقه صدرا، ثم حديدا فوق الحطب حتى بلغ رأس الجبلين، وسوى بينهما على هذا السبيل. ثم أذيب القطر، فَصُبَّ فيه، فجعل القطر يحرق الحطب، ويذيب الحديد حتى دخل القطر مكان الحطب، وصار مكانه، فالتزق القطر بالحديد. على هذا ذُكر أنه بنى ذلك السد. وقال الحسن: كان القطر له كالملاط لنا، والله أعلم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{ءاتوني} بفتح الهمزة بعدها ساكنة، ومدها على قراءة الجماعة أي أعطوني وبهمزة وصل، وهمزة بعدها ساكنة أي جيئوني وتعالوا إليّ فقد أجبتكم إلى سؤالكم، ثم ابتدأ مغرياً على هذه القراءة فقال: {زبر الحديد} أي عليكم به فأحضروا إليّ قطعة، فأتوه بذلك فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفاً من الحديد وصفاً من الحطب، قال البغوي: فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد. {حتى إذا ساوى} أي بذلك البناء {بين الصدفين} أي أعلى منقطع الجبلين الموصوفين، سميا لتصادفهما -أي تقابلهما وتقاربهما- بالبناء على تلك الحالة عرضاً وطولاً، وقراءة من فتح الصاد والدال -وهم نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم- دالة على أن تقابلهما في غاية الاستقامة، فكأنهما جدار فتح فيه باب، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك في غاية القوة حتى أن أعلاه وأسفله سواء، وقراءة شعبة عن عاصم بالضم وإسكان الدال على أشد ثبات وأتقنه في كل منهما، فلا ينتخر شيء منهما على طول الزمان بريح ولا غيرها من فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره {قال} أي للصناع: {انفخوا} في الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار، واستمر كذلك {حتى إذا جعله} أي كله {ناراً قال} للقوم: {ءاتوني} بالنحاس {أفرغ عليه} أي الحديد المحمى {قطراً} منه بعد إذابته، فإن القطر: النحاس الذائب،... ففعلوا ذلك فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية الحديد؛ فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته. وكان هذا الذي هدى الله إليه ذا القرنين، وسجله في كتابه الخالد سبقا للعلم البشري الحديث بقرون لا يعلم عددها إلا الله...
لم يكن ذو القرنين رَجُلاً رَحّالةً، يَسير هكذا بمُفرَده، بل مَكَّنَه اللهُ من أسباب كل شيءٍ، ومعنى ذلك أنه لم يكن وحده، بل معه جيشٌ وقوةٌ وعددٌ وآلاتٌ، معه رجالٌ وعُمّالٌ، معه القُوتُ ولوازمُ الرِّحلة، وكان بمَقْدورِه أن يأمُر رجالَه بعملِ هذا السّدِّ، لكنه أمَر القومَ وأَشْرَكَهم معه في العمل ليُدَرِّبَهم ويُعَلِّمَهم ماداموا قادرِين، ولديهم الطاقةُ البشريّةُ اللازمةُ لهذا العمل. والحَقُّ تبارَك وتعالَى يقول: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلا مَا آتَاها.. "7 "} (سورة الطلاق): فمادامَ رَبُّكَ قد أعطاكَ القوّةَ فاعْمَلْ، ولا تَعتمِدْ على الآخرين؛ لذلك تجد هنا أوامرَ ثلاثةً: أَعِينوني بقوّةٍ، آتُونِي زُبَرَ الحديدِ، آتُونِي أُفْرِغْ عليه قِطْراً...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
(قال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً). وبهذا الشَّكل قام بتغطية هذا السّدِّ الحديديِّ بطبقةِ النُّحاسِ حتى لا يَنْفُذَ فيه الهواءُ ويُحْفَظَ مِن التآكُل...