روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

وقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن في السموات وَمَن في الأرض } الخ بيان لما يوجب الفصل المذكور من أعمال الفرق مع الإشارة إلى كيفيته وكونه بطريق التعذيب والإثابة والإكرام والإهانة ، وجوز أن يكون تنويراً لكونه تعالى شهيداً على كل شيء ، وقيل : هو تقريع على اختلاف الكفرة واستبعاد له لوجوب الصارف ، والمراد بالرؤية العلم والخطاب لكل من يتأتى منه ذلك . والمراد بالسجود دخول الأشياء تحت تسخيره تعالى وإرادته سبحانه وقابليتها لما يحدث فيها عز وجل ، وظاهر كلام الآمدي أنه معنى حقيقي للسجود . وفي مفردات الراغب السجود في الأصل التطامن والتذلل وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله تعالى وعبادته وهو عام في الإنسان والحيوان والجماد . وذلك ضربان سجود باختيار يكون للإنسان وبه يستحق الثواب وسجود بتسخير يكون للإنسان وغيره من الحيوانات والنباتات . وخص في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة وما جرى مجراه من سجود التلاوة وسجود الشكر انتهى .

وذكر بعضهم أنه كما خص في الشريعة بذلك خص في عرف اللغة به . وقال ابن كمال : إن حقيقته على ما نص عليه في المجمل وضع الرأس ، وقال العلامة الثاني : حقيقته وضع الجبهة لا الرأس حتى لو وضع الرأس من جانب القفا لم يكن ساجداً ، وعلى هذين القولين على علاتهما قيل السجود هنا مجاز عن الدخول تحت تسخيره تعالى والانقياد لإرادته سبحانه . وجوز أن يكون مجازاً عن دلالة لسان حال الأشياء بذلتها وافتقارها على صانعها وعظمته جلت عظمته ، ووجه التنوير على هذا ظاهر وكذا التقريع على الاختلاف . و { مِنْ } إما خاصة بالعقلاء وإما عامة لهم ولغيرهم بطريق التغليب وهو الأولى لأنه الأنسب بالمقام لإفادته شمول الحكم لكل ما فيها بطريق القرار فيهما أو بطريق الجزئية منهما ، ويكون قوله تعالى :

{ والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب } أفراداً لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها بحسب الظاهر في بادئ النظر القاصر كما قيل أو لأنها قد عبدت من دون الله تعالى إما باعتبار شخصها أو جنسها . فالشمس عبدتها حمير . والقمر عبدته كنانة . وعبد الدبران من النجوم تميم . والشعري لخم . وقريش ، والثريا طىء ، وعطارداً أسد . والمرزم ربيعة ، وعبد أكثر العرب الأصنام المنحوتة من الجبال . وعبدت غطفان العزى وهي سمرة واجدة السمر شجر معروف ، ومن الناس من عبد البقر . وقرأ الزهري . وابن وثاب { الدواب } بتخفيف الباء . وخص ابن جني في المحتسب هذه القراءة بالزهري ، وقال : لا أعلم من خففها سواه وهو قليل ضعيف قياساً وسماعاً لأن التقاء الساكنين على حده وعذره كراهة التضعيف ولذا قالوا في ظللت ظلت وقالوا جان بالتخفيف وذكر له نظائر كثيرة .

وقوله تعالى : { وَكَثِيرٌ مّنَ الناس } قيل مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس يجود الطاعة المعروف . واعترض بأنه صرح في «المغني » بأن شرط الدليل اللفظي على المحذوف أن يكون طبقه لفظاً ومعنى أو معنى لا لفظاً فقط فلا يجوز زيد ضارب وعمرو على أن خبر عمرو محذوف وهو ضارب من الضرب في الأرض أي مسافر والمذكور بمعناه المعروف . وأجاب الخفاجي بأن ما ذكر غير مسلم لما ذكره النحاة من أن المقدرة قد يكون لازماً للمذكور نحو زيداً ضربت غلامه أي أهنت زيداً ولا يكون مشتركاً كالمثال المذكور إلا أن يكون بينهما ملاءمة فيصح إذا اتحدا لفظاً وكان من المشترك وبينهما ملازمة تدل على المقدر ولذا لم يصح المثال المذكور انتهى ، وعطفه بعضهم على المذكورات قبله وجعل السجود بالنسبة إليه بمعنى السجود المعروف وفيما تقدم بمعنى الدخول تحت التسخير أو الدلالة على عظمة الصانع جل شأنه .

واستدل بذلك على جواز استعمال المشترك في معنييه أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، والجواب ما علمت ، ولا يجوز العطف وجعل السجود في الجميع بمعنى الدخول تحت التسخير أو الدلالة على العظمة لأن ذلك عام لجميع الناس فلا يليق حينئذٍ ذكر { كَثِيرٍ } وغير العام إنما هو السجود بالمعنى المعروف فيفيد ذكر { كَثِيرٍ } إذا أريد أن منهم من لم يتصف بذلك وهو كذلك ، وما قيل : إنه يجوز أن يكون تخصيص الكثير على إرادة السجود العام للدلالة على شرفهم والتنويه بهم ليس بشيء إذ كيف يتأتى التنويه وقد قرن بهم غير العقلاء كالدواب ، وقال ابن كمال : تمسك من جوز حمل المشترك في استعمال واحد على أكثر من معنى بقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن في السموات وَمَن في الأرض } الآية بناءً على أن المراد بالسجود المنسوب إلى غير العقلاء الانقياد لتعذر السجود المعهود في حقه ومن المنسوب إليهم ما هو المعهود دون الانقياد لأنه شامل للكل غير مخصوص بالكثير ولا متمسك لهم في ذلك لأن كلاً من التعليلين في معرض المنع ، أما الأول فلأن حقيقة السجود وضع الرأس ولا تعذر في نسبته إلى غير العقلاء ولا حاجة إلى إثبات حقيقة الرأس في الكل لأن التغليب سائغ شائع ، وأما الثاني فلأن الكفار لاسيما المتكبرين منهم لا حظ لهم من الانقياد لأن المراد منه الإطاعة بما ورد في حقه من الأمر تكليفياً كان أو تكوينياً على وجه ورد به الأمر وتقدير فعل آخر في هذا المقام من ضيق العطن كما لا يخفى على أرباب الفطن انتهى . وفيه القول بجواز العطف على كلا معنى السجود وضع الرأس والانقياد وبيان فائدة تخصيص الكثير على الثاني ، ولا يخفى أن المتبادر من معتبرات كتب اللغة أن السجود حقيقة لغوية في الخضوع مطلقاً وأن ما ذكره من حديث التغليب خلاف الظاهر وكذا حمل الانقياد على ما ذكره ، وقد أخذ رحمه الله تعالى كلا المعنيين من التوضيح وقد أسقط مما فيه ما عنه غنى ، وما زعم أنه من ضيق العطن هو الذي ذهب إليه أكثر القوم وعليه يكون { مِنَ الناس } صفة { كَثِيرٍ } وأورد أنه حينئذٍ يرد أن سجود الطاعة المعروف لا يختص بكثير من الناس فإن كثيراً من الجن متصف به أيضاً ، وكونهم غير مكلفين خلاف القول الأصح .

نعم يمكن أن يقال : إنهم لم يكونوا مأمورين بالسجود عند نزول الآية وعلى مدعيه البيان ، والقول بأنه يجوز أن يراد بالناس ما يعم الجن فإنه يطلق عليهم حسب إطلاق النفر والرجال عليهم ليس بشيء . ومن الناس من أجاب عن ذلك بأن يسجد المقدر داخل في الرؤية وقد قالوا : المراد بها العلم والتعبير بها عنه للإشعار بظهور المعلوم وظهور السجود بمعنى الدخول تحت التسخير في الأشياء المنسوب هو إليها مما لا سترة عليها وكذا ظهوره بمعنى السجود المعروف في كثير من الناس ، وأما في الجن فليس كذلك فلذا وصف الكثير بكونه من الناس . وتعقب بأن الخطاب في { أَلَمْ تَرَ } لمن يتأتى منه ذلك ولا سترة في ظهور أمر السجود مطلقاً بالنسبة إليه . ورد بأن مراد المجيب أن سجود الجن ليس بظاهر في نفس الأمر ومع قطع النظر عن المخاطب كائناً من كان ظهور دخول الأشياء المذكورة أولاً تحت التسخير بخلاف سجود كثير من الناس فإنه ظاهر ظهور ذلك في نفس الأمر فخص الكثير بكونه من الناس ليكون الداخل في حيز الرؤية من صقع واحد من الظهور في نفس الأمر .

وقيل المقام يقتضي تكثير الرائين لما يذكر في حيز الرؤية والتخصيص أوفق بذلك فلذا خص الكثير بكونهم من الناس والكل كما ترى ، والأولى أن يقال : تخصيص الكثير من الناس بنسبة السجود بالمعنى المعروف إليهم على القول بأن كثيراً من الجن كذلك للتنويه بهم ، ولا يرد عليه ما مر لأنه لم يقرن بهم في هذا السجود غير العقلاء فتأمل ، وقيل : إن { كَثِير } مرفوع على الابتداء حذف خبره ثقة بدلالة خبر قسيمه عليه نحو حق له الثواب ويفيد الكلام كثرة الفريقين ؛ والأول أولى لما فيه من الترغيب في السجود والطاعة للحق المعبود ، وجوز أن يكون { كَثِير } مبتدأ و { مِنَ الناس } خبره والتعريف فيه للحقيقة والجنس أي وكثير من الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون المتقون ، وقال الراغب : قد يذكر الناس ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزاً ، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به فإن كل شيء عدم فعله المختص به لا يكاد يستحق اسمه والمخصص للمبتدأ النكرة أنه صفة محذوف بالحقيقة على أن المعادلة من المخصصات إذا قلت رجال مكرمون ورجال مهانون لأنه تفصيل مجمل فهو موصوف تقديراً ولأن كلاً من المقابلين موصوف بمغايرة الآخر فهذا داخل في الوصف المعنوي ، وأن يكون { كَثِير } مبتدأ و { مِنَ الناس } صفته وقوله تعالى : { وَكَثِيرٌ } معطوف عليه وقوله سبحانه : { حَقَّ عَلَيْهِ العذاب } أي ثبت وتقرر خبر ، ويكون الكلام على حد قولك : عندي ألف وألف أي ألوف كثيرة ومثله شائع في كلامهم فيفيد كثرة من حق عليه العذاب من الناس ، وهذان الوجهان بعيدان ، وقال في «البحر » : ضعيفان .

والظاهر أن { كَثِير } الثاني مبتدأ والجملة بعده خبره وقد أقيمت مقام لا يسجد فكأنه قيل ويسجد كثير من الناس ولا يسجد كثير منهم ، ولا يخفى ما في تلك الإقامة من الترهيب عن ترك السجود والطاعة ، ولا يخفى ما في عدم التصريح بتقييد الكثير بكونه من الناس مما يقوى دعوى أن التقييد فيما تقدم للتنويه ، وحمل عدم التقييد ليعم الكثير من الجن خلاف الظاهر جداً .

وجوز أن يكون معطوفاً على من والسجود بأحد المعنيين السابقين وجملة { حَقّ } الخ صفته ويقدر وصف لكثير الأول بقرينة مقابله أي حق له الثواب و { مِنَ الناس } صفة له أيضاً ، ولا يخفى ما فيه ، وقرئ { حَقّ } بضم الحاء و { حَقّاً } أي حق عليه العذاب حقاً فهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة { وَمَن يُهِنِ الله } بأن كتب الله تعالى عليه الشقاء حسبما استعدت له ذاته من الشر ، ومن مفعول مقدر ليهن { فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } يكرمه بالسعادة .

وقرأ ابن أبي عبلة { مُّكْرِمٍ } بفتح الراء على أنه مصدر ميمي كما في «القاموس » أي مما له إكرام ، وقيل اسم مفعول بمعنى المصدر ولا حاجة إلى التزامه ، وقيل يجوز أن يكون باقياً على ما هو الشائع في هذه الصيغة من كونه اسم مفعول ، والمعنى ما له من يكرم ويشفع فيه ليخلص من الإهانة . ولا يخفى بعده { إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الأشياء التي من جملتها الإكرام والإهانة ، وهذا أولى من تخصيص ما بقرينة السياق بهما .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ألم تر} يعني: ألم تعلم {أن الله يسجد له من في السماوات} من الملائكة وغيرهم {ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم}...

{و} يسجد {والجبال والشجر والدواب}...

ثم قال سبحانه: {و} يسجد {وكثير من الناس} يعني: المؤمنين.

{و} يسجد {وكثير} ممن {حق عليه العذاب} من كفار الإنس والجن، سجودهم هو سجود ظلالهم. {ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} في خلقه، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فسجد لها هو وأصحابه، رضي الله عنهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السموات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجنّ وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدوابّ في الأرض... وقوله:"وكَثيرٌ منَ النّاسِ" يقول: ويسجد كثير من بني آدم، وهم المؤمنون بالله... وقوله: "وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ "يقول تعالى ذكره: وكثير من بني آدم حق عليه عذاب الله فوجب عليه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله ظله... عن مجاهد: "وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ" وهو يسجد مع ظله.

فعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد، وقع قوله: "وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ" بالعطف على قوله: "وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ" ويكون داخلاً في عداد من وصفه الله بالسجود له، ويكون قوله: "حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ" من صلة «كثير». ولو كان «الكثير» الثاني ممن لم يدخل في عداد من وصفه بالسجود، كان مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله: "حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ" وكان معنى الكلام حينئذٍ: وكثير أبى السجود، لأن قوله: "حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ" يدلّ على معصية الله وإبائه السجود، فاستحقّ بذلك العذاب.

يقول تعالى ذكره: ومن يهنه الله من خلقه فَيشْقِه، "فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ" بالسعادة يسعده بها لأن الأمور كلها بيد الله، يوفّق من يشاء لطاعته ويخذل من يشاء، ويُشقي من أراد ويسعد من أحبّ.

وقوله: "إنّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ" يقول تعالى ذكره: إن الله يفعل في خلقه ما يشاء من إهانة من أراد إهانته وإكرام من أراد كرامته، لأن الخلق خلقه والأمر أمره. "لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ".

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... سجود هذه الأشياء يخرج على وجوه:

أحدها: سجود خلقه، يسجد كل شيء ذكر بخلقته لله على ما ذكرنا في التسبيح.

والثاني: سجود عبادة؛ وهو سجود كل ممكن منه السجود وتركه، وهو سجود الممتحن.

والثالث: سجود بذل؛ فما جعل في هذه الأشياء من المنافع، لا يتأتي بذلها لأحد، من الماء والشمس والشجر والدواب وكل شيء.

والرابع: ما ألهم هذه الأشياء من الطاعة لله والخضوع له. ألا ترى أنه قال: {أتينا طائعين}؟ [فصلت: 11] ألا ترى أنه ألهم الدواب معرفة إتيان الصالح واتقاء المهالك؟ فجائز أن يعرفن طاعته والخضوع له، والله أعلم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ومعناه ألم تعلم "أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض "من العقلاء. ويسجد له "الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب" فسجود الجماد هو ما فيه من ذلة الخضوع التي تدعو العارفين إلى السجود، سجود العبادة لله المالك للأمور، وسجود العقلاء هو الخضوع له تعالى والعبادة له...

"وكثير حق عليه العذاب" يعني لإبائه السجود..

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أهل العرفان يسجدون له سجودَ عبادة، وأربابُ الجحود كُلُّ جزءٍ منهم يسجد له سجودَ دلالة وشهادة...

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

وذلك أن كل شيء منقاد لله عز وجل على ما خلقه وعلى ما رزقه وعلى ما أصحه وعلى ما أسقمه، فالبر والفاجر والمؤمن والكافر في هذا سواء...

["ومن يهن الله فما له من مكرم"]... يهين من يشاء بالكفر ويكرم من يشاء بالإيمان...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ألم تر} تنبيه رؤية القلب، وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جمع لله وخضوعها، وذكر في الآية كل ما عبد الناس إذ في المخلوقات أعظم مما قد ذكر كالرياح والهواء...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين}، {أن نقول له كن فيكون}، {وإن منها لما يهبط من خشية الله}، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}، {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن} والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود، فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله: {وكثير من الناس} فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس، فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصا من غير فائدة،إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. {إن الله يفعل ما يشاء} أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها... وسجود [كل شيء مما] يختص به،...

{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ}: إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عُبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37]...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان جميع ما تقدم في هذه السورة دالاً على أنه على كل شيء قدير، وأنه يفعل ما يريد، وختم ذلك بأنه بكل شيء عليم لم يغب ولا يغيب شيء عنه، فاقتضى ذلك قيوميته، وكان بحيث يستعظم لكثرة الخلائق فكيف بأحوالهم، قرر ذلك في جواب من كأنه سأل فهي في معنى العلة، فقال: {ألم تر أن الله} أي الحائز لجميع الكمال المبرأ عن كل نقص {يسجد له} أي يخضع منقاداً لأمره مسخراً لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها {من في السماوات}.

ولما كان السياق مقتضياً للإبلاغ في صفة القيومية بشهادة ذكر الفصل بين جميع الفرق، أكد بإعادة الموصول فقال: {ومن في الأرض} إن أخلت غير العاقل فبالتغليب، وإن خصصت فبالعاقل أفهم خضوع غيره من باب الأولى. ولما ذكر ما يعم العاقل وغيره، أتبعه بأشرف ما ذكر مما لا يعقل لأن كلاًّ منهما عبد من دون الله أو عبد شيء منه فقال: {والشمس والقمر والنجوم} من الأجرام العلوية... ثم أتبع ذلك أعلام الذوات السفلية فقال: {والجبال} أي التي تنحت منها الأصنام {والشجر} التي عبد بعضها {والدواب} التي عبد منها البقر، كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله، ومن المعلوم لكون هذه لا تعقل -أن أمره لها هو مراده منها.

ولما كان العقلاء من المكلفين قد دخلوا في قوله {ومن في الأرض} دخولاً أولياً، وكان السجود الممدوحون عليه إنما هو الموافق للأمر، لا الموافق للإرادة المجردة عن الأمر، قال دالاً على إرادته هنا بتكريرهم وتقسيمهم بعد إدخالهم في سجود الإدارة وتعميمهم: {وكثير من الناس} أي يسجد سجوداً هو منه عبادة شرعية فحق له الثواب {وكثير} أي منهم {حق عليه العذاب} بقيام الحجة عليه بكونه لم يسجد، فجحد الأمر الذي من جحده كان كافراً وإن كان ساجداً عابداً بالمعنى اللغوي الذي هو الجري مع المراد، وعلى القول بأن هذا في تقدير عامل من لفظ الأول بغير معناه هو قريب من الاستخدام الذي يعاد فيه ضمير على لفظ مراد منه معنى آخر، والآية من الاحتباك: إثبات السجود في الأول دليل على انتفائه في الثاني، وذكر العذاب في الثاني دليل على حذف الثواب في الأول.

ولما علم بهذا أن الكل جارون مع الإرادة منقادون أتم انقياد تحت طوع المشيئة، وأنه إنما جعل الأمر والنهي للمكلفين سبباً لإسعاد السعيد منهم وإشقاء الشقي، لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه من أحوالهم فيما بينهم، كان المعنى: فمن يكرم الله بتوفيقه لا متثال أمره فما له من مهين، فعطف عليه: {ومن يهن الله} أي الذي له الأمر كله بمنابذة أمره {فما له من مكرم} لأنه لا قدرة لغيره أصلاً، ولعله إنما ذكره وطوى الأول لأن السياق لإظهار القدرة، وإظهارها في الإهانة أتم، مع أن أصل السياق للتهديد؛ ثم علل أن الفعل له لا لغيره بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {يفعل ما يشاء*} أي كله، فلو جاز أن يمانعه غيره ولو في لحظة لم يكن فاعلاً لما يشاء، فصح أنه لا فعل لغيره...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن في السماوات وَمَن في الأرض} الخ، بيان لما يُوجب الفصلَ المذكور من أعمال الفرقِ المذكورةِ مع الإشارةِ إلى كيفيَّتِه وكونه بطريقِ التَّعذيبِ والإثابة والإكرام والإهانة إثرَ بيان ما يُوجبه من كونِه تعالى شهيداً على جميع الأشياء التي من جُملتها أحوالُهم وأفعالُهم والمراد بالرُّؤيةِ العلم عبَّر عنه بها إشعاراً بظهورِ المعلوم والخطاب لكلِّ أحدٍ ممَّن يتأتَّى منه الرُّؤيةُ بناء على أنَّه من الجلاءِ بحيث لا يخفى على أحدٍ.

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

وفي مفردات الراغب؛ السجود في الأصل: التطامن والتذلل، وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله تعالى وعبادته، وهو عام في الإنسان والحيوان والجماد. وذلك ضربان؛ سجود باختيار يكون للإنسان وبه يستحق الثواب، وسجود بتسخير يكون للإنسان وغيره من الحيوانات والنباتات. وخص في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة وما جرى مجراه من سجود التلاوة وسجود الشكر.انتهى.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وإذا كان الناس بتفكيرهم ونزعاتهم وميولهم، فإن الكون كله -فيما عداهم- يتجه بفطرته إلى خالقه، يخضع لناموسه، ويسجد لوجهه...

ويتدبر القلب هذا النص، فإذا حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك. وإذا حشد من الأفلاك والأجرام. مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم. وإذا حشد من الجبال والشجر والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان.. إذا بتلك الحشود كلها في موكب خاشع تسجد كلها لله، وتتجه إليه وحده دون سواه. تتجه إليه وحده في وحدة واتساق. إلا ذلك الإنسان فهو وحده الذي يتفرق: (وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب) فيبدو هذا الإنسان عجيبا في ذلك الموكب المتناسق.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

دلائل أحوال المخلوقات كلها عاقِلها وجمادها شاهدة بتفرد الله بالإلهية. وفي تلك الدلالة شهادة على بطلان دعوة من يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه. والرؤية: علمية. والخطاب لغير معين. والاستفهام إنكاريّ. أنكر على المخاطبين عدم علمهم بدلالة أحوال المخلوقات على تفرد الله بالإلهية. ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام تقريرياً، لأنّ حصول علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك متقرّر من سورة الرعد وسورة النحل، وهذا موضع سجود من سجود القرآن باتفاق الفقهاء.

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

والصلة كذلك غير منقطعة بين هذه الآية وما قبلها وبخاصة الآية السابقة لها مباشرة كما هو المتبادر. وهي بسبيل التدليل على عظمة الله وشمول حكمه، وخضوع من في الكون له، وتوكيد كون الدعوة النبوية هي المتسقة مع واجب الإنسان بالاعتراف بالله وحده والاتجاه إليه وحده. وهي كذلك بسبيل تطمين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين وتثبيتهم، والتنديد بالمنحرفين عن الطريق القويم وإنذارهم بالخزي وسوء العاقبة. وأسلوبها قوي نافذ.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

قوله تعالى: {ألم تر} يعني: ألم تعلم، لأن السجود من هذه الأشياء سجود على حقيقته كما نعلمه في السجود من أنفسنا، ولكل جنس من أجناس الكون سجود يناسبه.

وسبق أن تحدثنا عن أجناس الكون وهي أربعة: أدناها الجماد، ثم يليه النبات، حيث يزيد عليه خاصية النمو وخاصية الحركة، ثم يليه الحيوان الذي يزيد خاصية الإحساس، ثم يليه الإنسان ويزيد عليه خاصية الفكر والاختيار بين البدائل...

البعض يقول عن سجود هذه المخلوقات أنه سجود دلالة، لا سجودا على حقيقته، لكن هذا القول يعارضه قول الله تعالى: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} [النور 41].

فلكل مخلوق مهما صغر صلاة وتسبيح وسجود، يتناسب وطبيعته، إنك لو تأملت سجود الإنسان بجبهته على الأرض لوجدت اختلافا بين الناس باختلاف الأحوال، وهم نوع واحد، فسجود الصحيح غير سجود المريض الذي يسجد وهو على الفراش، أو جالس على مقعد، وربما يشير بعينه، أو أصبعه للدلالة على السجود، فإن لم يستطع أجرى السجود على خاطره.

فإذا كان السجود يختلف بهذه الصورة في الجنس الواحد حسب حاله وقدرته وطاقته، فلماذا نستبعد أن يكون لكل جنس سجوده الخاص به، والذي يتناسب مع طبيعته؟...

{ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} لأن أحقية العذاب من مساو لك. قد يأتي من هو أقوى منه فيمنعه، أو يأتي شافع يشفع له، وكأن الحق- سبحانه وتعالى- ييئس هؤلاء من النجاة من عذابه، فلن يمنعهم أحد. فمن أراد الله إهانته فلن يكرمه أحد، لا بنصرته ولا بالشفاعة له...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

كل ما في الكون ساجدٌ لله:

كيف يريد الله لنا أن نجسّد عظمته في وعينا الفكري والروحي والعملي، لنتمثلها ونعيشها في إيماننا به؟ إنه يريدنا أن نتطلع إلى خلقه، لنرى المخلوقات كلها تمارس العبادة والخشوع أمامه بطرق متنوعة، تختلف أشكالها وأوضاعها تبعاً لاختلاف طبيعة هذه المخلوقات. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّمَوَاتِ وَمَن في الأرض} من مخلوقات عاقلةٍ وغير عاقلة عبر خضوعها المطلق له، وانفعالها بجلال عظمته، {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} اللذان يجريان وفق النظام الكوني الموضوع لهما من قبل الله، هذا النظام الحاكم حركة الإنسان والحياة، {وَالنُّجُومُ} التي تتلألأ في السماء، فتبدو كما لو أنها مصابيح معلّقة في الفضاء، ولكنها في الواقع أكوان فسيحة تختلف في طبيعتها وأشكالها وخصائصها، ولكنها لا تختلف في خضوعها لله، عبر ما أودعه فيها من قوانين ونظم كونية، يتجلى فيه السجود الكونيّ له، {وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ} الذي يهتز فيه الورق ويخضرّ، وتنمو فيه الثمرة وتنضج، وتعلو فيه الأغصان وتتمدّد، وينطلق فيه جذعها ويرتفع في الفضاء، في موسم معيّن، للاخضرار، وللنموّ، وللقطاف، ضمن تخطيطٍ إِلهيٍّ كامل لا يبتعد عنه ولو مقدار شعرة.. {والدواب} التي يمشي بعضها على أربع، ويزحف بعضها على بطنه، ضمن إلهام إلهيّ حدّد لها حركة الحياة وأخضعها لخط سير محدد يمثل سجوداً واقعياً بأكثر من طريقةٍ وطريقة.. {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} الذين آمنوا بالله فكراً وشعوراً وحركة حياةٍ، فعفّروا جباههم ووجوههم بالتراب على صورة ما يعنيه السجود في حياة الإنسان. حق العذاب على العاصين {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} ممن تمردوا على الله فلم يؤمنوا به، ولم يطيعوه، ولم يخضعوا له، ولم يسجدوا بين يديه، استكباراً وجهلاً، فأهانهم الله بالعذاب الذي يذيقهم إيّاه يوم القيامة جزاءً على انحرافهم، دون أية حجةٍ لهم في ذلك كله، {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} لأن إكرام الله هو الإكرام، فهو الذي يملك الأمر كله، والقيمة كلها، فلا قيمة لإِكرام غيره في الشكل والمضمون والامتداد، لأن غيره لا يملك لنفسه أيّة قيمةٍ أو كرامةٍ إلا بالله.. {إِ نَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يشاء} في ما يكرم به عباده المؤمنين به المطيعين له، أو في ما يهين به عباده الكافرين به العاصين له.. الذين يرفضون السجود له في كل وجودهم...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

جاء في القرآن المجيد ذكر «السجود العامّ» لجميع المخلوقات في العالم، وكذا «التسبيح» و «الحمد» و «الصلاة»، وأكّد القرآن الكريم على أنّ هذه العبادات الأربع، لا تختص بالبشر وحدهم، بل يشاركهم فيها حتّى الموجودات التي تبدو عديمة الشعور...

إنّ للموجودات مع ملاحظة ما ورد في الآية موضع البحث شكلين من السجود «سجود تكويني» و «سجود تشريعي». فالسجود التكويني هو الخضوع والتسليم لإرادة الله ونواميس الخلق والنظام المسيطر على هذا العالم دون قيد أو شرط، وهو يشمل ذرّات المخلوقات كلّها، حتّى أنّه يشمل خلايا أدمغة الفراعنة والمنكرين العنودين وذرّات أجسامهم فالجميع يسجدون لله تعالى تكويناً. وحسبما يقوله عدد من الباحثين، فإنّ ذرّات العالم كلّها لها نوع من الإدراك والشعور، ولذا يسبّحون الله ويحمدونه ويسجدون له ويصلّون له بلسانهم الخاص... أمّا «السجود التشريعي» فهو غاية الخضوع من العقلاء المدركين العارفين لله سبحانه ...

... إنّ سجود الشمس والقمر والنجوم والجبال والأشجار والأحياء تكويني، وسجود البشر تشريعي يؤدّيه ناس ويأباه آخرون، فصدق فيهم القول: (و كثير حقّ عليه العذاب)...