روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ} (21)

{ لأعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً } قيل بنتف ريشه وروي ذلك عن ابن عباس . ومجاهد . وابن جريج .

والظاهر أن المراد جميع ريشه ، وقال يزيد بن رومان بنتف ريش جناحيه ، وقال ابن وهب بنتف نصف ريشه . وزاد بعضهم مع النتف إلقاءه للنمل وآخر تركه في الشمس ، وقيل : ذلك بطليه بالقطران وتشميسه وقيل بحبسه في القفص ، وقيل بجمعه مع غير جنسه ، وقيل بإبعاده من خدمة سليمان عليه السلام ، وقيل بالتفريق بينه وبين الفه ، وقيل بإلزامه خدمة أقرانه . وفي البحر الأجود أن يجعل كل من الأقوال من باب التمثيل وهذا التعذيب للتأديب . ويجوز أن يبيح الله تعالى له ذلك لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة كما أباح سبحانه ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر من أجله إلا بالتأديب والسياسة جاز أن يباح له ما يستصطلح به . وفي إلا كليل للجلال السيوطي قد يستدل بالآية على جواز تأديب الحيوانات والبهائم بالضرب عند تقصيرها في المشي أو إسراعها أو نحو ذلك . وعلى جواز نتف ريش الحيوان لمصلحة بناء على أن المراد بالتعذيب المذكور نتف ريشه .

وذكر فيه أن ابن العربي استدل بها على أن العذاب على قدر الذنب لا على قدر الجسد . وعلى أن الطير كانوا مكلفين إذ لا يعاقب على ترك فعل إلا من كلف به اه فلا تغفل { أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ } كالترقي من الشديد إلى الأشد فإن في الذبح تجريع كاس المنية . وقد قيل :

كل شيء دون المنية سهل ***

{ أو ليأتيني بسلطان مُّبِينٍ } أي بحجة تبين عذره في غيبته . وما ألطف التعبير بالسلطان دون الحجة هنا لما أن ما أتى به من العذر انجر إلى الاتيان ببلقيس وهي سلطان ، قم ان هذا الشق وان قرن بحرف القسم ليس مقسما عليه في الحقيقة وإنما المقسم عليه حقيقة الأولان وأدخل هذا في سلكهما للتقابل . وهذا كما في الكشف نوع من التغليب لطيف المسلك ، ومآل كلامه عليه السلام ليكونن أحد الأمور على معنى إن كان الاتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح وإن لم يكن كان أحدهما فأو في الموضعين للترديد . وقيل : هي في الأول للتخيير بين التعذيب والذبح . وفي الثاني للترديد بينهما وبين الاتيان بالسلطان وهو كما ترى .

وزعم بعضهم أنها في الأول للتخيير وفي الثاني بمعنى إلا وفيه غفلة عن لام القسم ، وجوز أن تكون الآمور الثلاثة مقسماً عليها حقيقة ، وصح قسمه عليه السلام على الاتيان المذكور لعلمه بالوحي أنه سيكون أو غلبة ظنه بذلك لأمر قام عنده يفيدها وإلا فالقسم على فعل الغير في المستقبل من دون علم أو غلبة ظن به لا يكاد يسوغ في شريعة من الشرائع .

وتعقب بأن قوله : { سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين } [ النمل : 27 ] ينافي حصول العلم وما حاكاه له . ودفع المنافاة بأنه يجوز أن يأتي بحجة لا يعلم سليمان عليه السلام ولا يظن صدقها وكذبها غير سديد إذ قوله : { مُّبِينٌ } يأباه . وبالجملة الوجه ما ذك أولاً فتأمل . وقرأ عيسى بن عمر { ليأتين } بنون مشددة مفتوحة بغير ياء ، وكتب في الإمام { لا } بزيادة ألف بين الذال والألف المتصلة باللام ولا يعلم وجهه كأكثر ما جاء فيه مما يخالف الرسم المعروف ، وقيل : هو التنبيه على أن الذبح لم يقع .

وقال ابن خلدون في مقدمة تاريخه : إن الكتابة العربية كانت في غاية الاتقان والجودة في حمير ومنهم تعلمها مضر إلا أنهم لم يكونوا مجيدين لبعدهم عن الحضارة وكان الخط العربي أول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الاتقان والجودة وإلى التوسط لمكان الغرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع وما وقع في رسم المصحف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الرسوم المخالفة لما اقتضته أقيسة رسوم الخطر وصناعته عند أهلها كزيادة الألف في { لا } من قبلة الاجادة لصنعة الخط واقتفاء السلف رسمهم ذلك من باب التبرك . وتوجيه بعض المغلفين تلك المخالفة بما وجهه بها ليس بصحيح . والداعي له إذا ذلك تنزيه الصحابة عن النقص لما زعم أن الخط كمال ولم يتفطن لأن الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية وذلك ليس بكمال في حقهم إذ الكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ونحوه وإنما يعود على أسباب المعاش . وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أمياً وكان ذلك كما لا في حقه وبالنسبة إلى مقامه عليه الصلاة والسلام . ومثل الأمية تنزهه عليه الصلاة والسلام عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران ولا يعد ذلك كمالا في حقنا إذ هو صلى الله عليه وسلم منقطع إلى ربه عز وجل ونحن متعاونون على الحياة الدنيا ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام : «أنتم أعلم بأمور دنياكم » انتهى ملخصاً .

وأنت تعلم أن كون زيادة الألف في { لا } لقلة اجادتهم رضي الله تعالى عنهم صنعة الكتابة في غاية البعد ، وتعليل ذلك بما تقدم من التنبيه على عدم وقوع الذبح كذلك وإلا لزادوها في { لا } لأن التعذيب لم يقع أيضاً . وما أشار إليه من أن الإجادة في الخط ليس بكمال في حقهم أن أراد به أن تحسين الخط وإخراجه على صور متناسبة يسحسنها الناظر وتميل إليها النفوس كسائر النقوش المستحسنة ليس بكمال في حقهم ولا يضر بشأنهم فقده فمسلم لكن هذا شيء وما نحن فيه شيء ، وإن أراد به أن الاتيان بالخط على وجهه المعروف عند أهله من وصل ما يصلونه وفصل ما يفصلونه ورسم ما يرسمونه وترك ما يتركونه ليس بكمال فهذا محل بحث ألا ترى أنه لا يعترض على العالم بقبح الخط وخروجه عن الصور الحسنة والهيآات المستحسنة ويعترض عليه بوصل ما يفصل وفصل ما يوصل ورسم ما لا يرسم وعدم رسم ما يرسم ونحو ذلك إن لم يكن ذلك لنكتة .

والظاهر أن الصحابة الذين كتبوا القرآن كانوا متقنين رسم الخط عارفين ما يقتضي أن يكتب وما يقتضي أن لا يكتب . وما يقتضي أن يوصل . وما يقتضي أن لا يوصل إلى غير ذلك لكن خالفوا القواعد في بعض المواضع لحكمة ؛ ويستأنس لذلك بما أخرجه ابن الأنباري في كتابه التكملة عن عبد الله بن فروخ قال : قلت لابن عباس يا معشر قريش أخبروني عن هذا الكتاب العربي هل كنتم تكتبونه قبل أن يبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم تجمعون منه ما اجتمع وتفرقون منه ما افترق مثل الألف . واللام . والنون ؟ قال : نعم قلت : وممن أخذتموه ؟ قال : من حرب بن أمية قلت : وممن أخذه حرب ؟ قال : من عبد الله بن جدعان قلت : وممن أخذه عبد الله بن جدعان ؟ قال : من أهل الأنبار قلت : وممن أخذه أهل الأنبار ؟ قال : من طار طرأ عليهم من أهل اليمن قلت : وممن أخذ ذلك الطارىء ؟ قال : من الخلجان بن القسم كاتب الوحي لهود النبي عليه السلام وهو الذي يقول :

في كل عام سنة تحدثونها *** ورأى على غير الطريق يعبر

وللموت خير من حياة تسبنا *** بها جرهم فيمن يسب وحمير

انتهى ، وفي كتاب «محاصرة الأوائل ومسامرة الأواخر » أن أول من اشتهر بالكتابة في الإسلام من الصحابة أبو بكر . وعمر . وعثمان . وعلي . وأبي بن كعب . وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم ، والظاهر أنهم لم يشتهروا في ذلك إلا لأصابتهم فيها . والقول بأن هؤلاء الأجلة وسائر الصحابة لم يعرفوا مخالفة رسم الألف هنا لما يقتضيه قوانين أهل الخط وكذا سائر ما وقع من المخالفة مما لا يقدم عليه من له أدنى أدب وإنصاف .

ومثل هذا القول بأنه يحتمل أنه عرف ذلك من عرف منهم إلا أنه ترك تغييره إلى الموافق للقوانين أو وافقه على الغلط للتبرك ، ومن الناس من جوز أن يكون ما وقع من الصحابة من الرسم المخالف بسبب قلة مهارة من أخذوا عنه صنعة الخط فيكون هو الذي خالف في مثل ذلك ولم يعلموا أنه خالف فالقصور إن كان ممن أخذوا عنه وأما هم فلا قصور فيهم إذ لم يخلوا بالقواعد التي أخذوها وإخلالهم بقواعد لم تصل إليهم ولم يعلموا بها لا يعد قصوراً ، وهذا قريب مما تقدم إلا أنه ليس فيه ما فيه من البشاعة ، ثم أن الإنصاف بعد كل كلام يقتضي الإقرار بقوة دعوى أن المخالفة لضعف صناعة الكتابة إذ ذاك إن صح أنها وقعت أيضاً في غير الإمام من المكاتبات وغيرها ولعله لم يصح وإلا لنقل فتأمل والله تعالى يتولى هداك .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ} (21)

فحينئذ تغيظ عليه وتوعده فقال : { لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا } دون القتل ، { أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي : حجة واضحة على تخلفه ، وهذا من كمال ورعه وإنصافه أنه لم يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب ، وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح فلذلك استثناه لورعه وفطنته .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ} (21)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{لأعذبنه عذابا شديدا}... {أو لأذبحنه} يعني: لأقتلنه، {أو ليأتيني بسلطان مبين}، يعني: حجة بينة أعذره بها.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا" يقول: فلما أخبر سليمان عن الهدهد أنه لم يحضر وأنه غائب غير شاهد، أقسم "لأُعَذّبَنّه عَذَابا شَدِيدا"

[عن] الضحاك في قوله: "أوْ لأَذْبَحَنّه "يقول: أو لأقتلنه...

وقوله: "أوْ لَيَأْتِيَنّي بسُلْطانٍ مُبِينٍ" يقول: أو ليأتيني بحجة تبين لسامعها صحتها وحقيقتها... عن قَتادة "أوْلَيَأْتِيَنّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ" قال: بعذر بيّن...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

في هذه الآية دليل على مقدار الجُرْمِ، وأنه لا عِبْرَةَ بصغر الجثة وعِظَمِها...

وتعيين ذلك العذاب الشديدِ غيرُ ممكنٍ قطعاً، إلا تجويزاً واحتمالاً.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: من أين حل له تعذيب الهدهد؟ قلت: يجوز أن يبيح له الله ذلك، لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة؛ كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع؛ وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر له من أجله إلا بالتأديب والسياسة، جاز أن يباح له ما يستصلح به.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّيْرَ كَانُوا مُكَلَّفِينَ؛ إذْ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ فِعْلٍ إلَّا مَنْ كُلِّفَ ذَلِكَ الْفِعْلَ...

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَانَ الْهُدْهُدُ صَغِيرَ الْجرْمِ، وَوُعِدَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ لِعَظِيمِ الْجُرْمِ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ عَلَى قَدْرِ الذَّنْبِ، لَا عَلَى قَدْرِ الْجَسَدِ..

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{لأعذبنه} أي بسبب غيبته فيما لم آذن فيه {عذاباً شديداً} أي مع إبقاء روحه تأديباً له وردعاً لأمثاله. {أو لأذبحنه} أي تأديباً لغيره، {أو ليأتيني} أي ليكونن أحد هذه الثلاثة الأشياء، أو تكون {أو} الثانية بمعنى إلا أن فيكون المعنى: ليكونن أحد الأمرين: التعذيب أو الذبح: إلا أن يأتيني {بسلطان مبين} أي حجة واضحة في عذره، فكأنه قال: والله ليقيمن عذره أو لأفعلن معه أحد الأمرين.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويتضح أنه غائب، ويعلم الجميع من سؤال الملك عنه أنه غائب بغير إذن! وحينئذ يتعين أن يؤخذ الأمر بالحزم، كي لا تكون فوضى. فالأمر بعد سؤال الملك هذا السؤال لم يعد سرا. وإذا لم يؤخذ بالحزم كان سابقة سيئة لبقية الجند. ومن ثم نجد سليمان الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه).. ولكن سليمان ليس ملكا جبارا في الأرض، إنما هو نبي. وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن يقضي في شأنه قضاء نهائيا قبل أن يسمع منه، ويتبين عذره.. ومن ثم تبرز سمة النبي العادل: أو ليأتيني بسلطان مبين. أي حجة قوية توضح عذره، وتنفي المؤاخذة عنه.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

فإذا كان قد غاب مستهينا مستهترا فإني أعذبه عذابا شديدا، وإن كان متمردا فإني أذبحه، وأكد العذاب والتذبيح بما يشبه القسم وباللام وبنون التوكيد الثقيلة، وإن كان غائبا لحاجة، فليأتيني بسلطان مبين أي بحجة بينة مبينة لأمر جديد.