روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ} (16)

{ وَوَرِثَ سليمان دَاوُودَ } أي قام مقامه في النبوة والملك وصار نبياً ملكاً بعد موت أبيه داود عليهما السلام فوراثته إياه مجاز عن قيامه مقامه فيما ذكر بعد موته ، وقيل : المراد وراثة النبوة فقط ، وقيل : وراثة الملك فقط ، وعن الحسن ونسبه الطبرسي إلى أئمة أهل البيت أنها وراثة المال ، وتعقب بأنه قد صح " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " وقد ذكره الصديق . والفاروق رضي الله تعالى عنهما بحضرة جمع من الصحابة وهم الذين لا يخافون في الله تعالى لومة لائم ولم ينكره أحد منهم عليهما .

وأخرج أبو داود . والترمذي عن أبي الدرداء قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر " وروى محمد بن يعقوب الرازي في «الكافي » عن أبي البحتري عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال ذلك أيضاً ، ومما يدل على أن هذه الوراثة ليست وراثة المال ما روى الكليني عن أبي عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان صلى الله عليه وسلم ، وأيضاً وراثة المال لا تختص بسليمان عليه السلام فإنه كان لداود عدة أولاد غيره كما رواه الكليني عنه أيضاً ، وذكر غيره أنه عليه السلام توفي عن تسعة عشر ابناً فالإخبار بها عن سليمان ليس فيه كثير نفع وإن كان المراد الأخبار بما يلزمها من بقاء سليمان بعد داود عليهما السلام فما الداعي للعدول عما يفيده من غير خفاء مثل وقال سليمان بعد موت أبيه داود «يا أيها الناس » الخ .

وأيضاً السياق والسباق يأبيان أن يكون المراد وراثة المال كما لا يخفى على منصف ، والظاهر أن الرواية عن الحسن غير ثابتة وكذا الرواية عن أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم ، فقد سمعت في رواية الكليني عن الصادق رضي الله تعالى عنه ما ينافي ثبوتها ، ووراثة غير المال شائعة في الكتاب الكريم فقد قال عز من قائل : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب } [ فاطر : 32 ] ، وقال سبحانه : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب } [ الأعراف : 169 ] ولا يضر تفاوت القرينة فافهم .

وكان عمره يوم توفى داود عليهما السلام اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة وكان داود قد أوصى له بالملك فلما توفي ملك وعمره ما ذكر ، وقيل : إن داود عليه السلام ولاه على بني إسرائيل في حياته حكاه في «البحر » .

{ وَقَالَ } تشهيراً لنعمة الله تعالى وتعظيماً لقدرها ودعاءً للناس إلى التصديق بنبوته بذكر المعجزات الباهرات التي أوتيها لا افتخاراً { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } الظاهر عمومه جميع الناس الذين يمكن عادة مخاطبتهم .

وقال بعض الأجلة : المراد به رؤساء مملكته وعظماء دولته من الثقلين وغيرهم ، والتعبير عنهم بما ذكر للتغليب ، وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي أنه قال : الناس عندنا أهل العلم { عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير } أي نطقه وهو في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفرداً أو مركباً ، وقد يطلق على كل ما يصوت به على سبيل الاستعارة المصرحة ، ويجوز أن يعتبر تشبيه المصوت بالإنسان ويكون هناك استعارة بالكناية وإثبات النطق تخييلاً ، وقيل يجوز أيضاً أن يراد بالنطق مطلق الصوت على أنه مجاز مرسل وليس بذاك .

ويحتمل الأوجه الثلاثة قوله :

لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت *** حمامة في غصون ذات أو قال

وقد يطلق على ذلك للمشاكلة كما في قولهم : الناطق والصامت للحيوان والجماد ، والذي علمه عليه السلام من منطق الطير هو على ما قيل ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه ، ويحكى أنه عليه السلام مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول ؟ قالوا : الله تعالى ونبيه أعلم قال : يقول أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء . وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول ليت ذا الخلق لم يخلقوا ، وصاح طاوس فقال يقول كما تدين تدان ، وصاح هدهد فقال : يقول استغفروا الله تعالى يا مذنبون ، وصاح طيطوى فقال : يقول كل حي ميت وكل جديد بال ، وصاح خطاف فقال : يقول قدموا خيراً تجدوه ، وصاحت رخمة فقال : تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه ، وصاح قمري فأخبر أنه يقال : سبحان ربي الأعلى ، وقال الحدأ : يقول كل شيء هالك إلا الله تعالى ، والقطاة تقول : من سكت سلم ، والببغاء يقول : ويل لمن الدنيا همه ؛ والديك يقول : اذكروا الله تعالى يا غافلون . والنسر يقول : يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت . والعقاب يقول : في البعد من الناس أنس . والضفدع يقول : سبحان ربي القدوس . والقنبرة تقول : اللهم العن مبغض محمد وآل محمد ، والزرزور يقول : اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق . والدراج يقول : الرحمن على العرش استوى انتهى . ونظم الضفدع في سلك المذكورات من الطير ليس في محله ، ومع هذا الله تعالى أعلم بصحة هذه الحكاية . وقيل : كانت الطير تكلمه عليه السلام معجزة له نحو ما وقع من الهدهد في القصة الآتية . وقيل : علم عليه السلام ما تقصده الطير في أصواتها في سائر أحوالها فيفهم تسبيحها ووعظها وما تخاطبه به عليه السلام وما يخاطب به بعضها بعضاً . وبالجملة علم من منطقها ما علم الإنسان من منطق بني صنفه ، ولا يستبعد أن يكون للطير نفوس ناطقة ولغات مخصوصة تؤدي بها مقاصدها كما في نوع الإنسان إلا أن النفوس الإنسانية أقوى وأكمل ، ولا يبعد أن تكون متفاوتة تفاوت النفوس الإنسانية الذي قال به من قال .

ويجوز أن يعلم الله تعالى منطقها من شاء من عباده ولا يختص ذلك بالأنبياء عليهم السلام ، ويجري ما ذكرناه في سائر الحيوانات . وذهب بعض الناس إلى أن سليمان عليه علم منطقها أيضاً إلا أنه نص على الطير لأنها كانت جنداً من جنوده يحتاج إليها في التظليل من الشمس وفي البعض في الأمور ، ولا يخفى أن الآية لا تدل على ذلك فيحتاج القول به إلى نقل صحيح ، وزعم بعضهم أنه عليه السلام علم أيضاً منطق النبات فكان يمر على الشجرة فتذكر له منافعها ومضارها . ولم أجد في ذلك خبراً صحيحاً . وكثير من الحكماء من يعرف خواص النبات بلونه وهيئته وطعمه وغير ذلك . ولا يحتاج في معرفتها إلى نطقه بلسان القال . والضمير في { عَلِمْنَا . وَأُوتِينَا } قيل : له ولأبيه عليهما السلام وهو خلاف الظاهر . والأولى كونه له عليه السلام . ولما كان ملكاً مطاعاً خاطب رعيته على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة من التمهيد لما يراد من الرعية من الطاعة والانقياد في الأوامر والنواهي ولم يكن ذلك تعاظماً وتكبراً منه عليه السلام ، ومراعاة قواعد السياسة للتوصل بها إلى ما فيه رضا الله عز وجل من الأمور المهمة .

وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم العباس بحبس أبي سفيان حتى تمر عليه الكتائب يوم الفتح لذلك ، و { كُلٌّ } في الأصل للإحاطة وترد للتكثير كثيراً نحو قولك : فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء وهي كناية في ذلك أو مجاز مشهور . وهذا المعنى هو المراد هنا إذا جعلت { مِنْ } صلة وهو المناسب لمقام التحدث بالنعم ، وإن لم تجعل صلة فهي على أصلها فيما قيل . وأنت تعلم أنه لا يتسنى ذلك إلا إذا أريد الكل المجموعي وهو كما ترى .

وفي «البحر » أن قوله تعالى : { عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير } إشارة إلى النبوة . وقوله سبحانه : { وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } إشارة إلى الملك . والجملتان كالشرح للميراث . وعن مقاتل أنه أريد بما أوتيه النبوة . والملك . وتسخير الجن والإنس والشياطين والريح . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو ما يهمه عليه السلام من أمر الدنيا والآخرة . وقد يقال : إنه ما يحتاجه الملك من آلات الحرب وغيرها { إِنَّ هَذَا } إشارة إلى ما ذكر من التعليم والإيتاء { لَهُوَ الفضل } والإحسان من الله تعالى { المبين } الواضح الذي لا يخفى على أحد أو أن هذا الفضل الذي أوتيته لهو الفضل المبين . فيكون من كلامه عليه السلام قطعاً ذيل به ما تقدم منه ليدل على أنه إنما قال ما قال على سبيل الشكر كما قال صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " بالراء المهملة آخره كما في الرواية المشهورة أي أقول هذا القول شكراً لا فخراً . ويقرب من هذا المعنى ولا فخز بالزاي كما في الرواية الغير المشهورة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ} (16)

فلما مدحهما مشتركين خص سليمان بما خصه به لكون الله أعطاه ملكا عظيما وصار له من الماجريات ما لم يكن لأبيه صلى الله عليهما وسلم فقال : { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } .

أي : ورث علمه ونبوته فانضم علم أبيه إلى علمه ، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه كما تقدم من قوله ففهمناها سليمان ، وقال شكرا لله وتبجحا بإحسانه وتحدثا بنعمته : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ } فكان عليه الصلاة [ والسلام ] يفقه ما تقول وتتكلم به كما راجع الهدهد وراجعه ، وكما فهم قول النملة للنمل كما يأتي وهذا لم يكن لأحد غير سليمان عليه الصلاة والسلام .

{ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أي : أعطانا الله من النعم ومن أسباب الملك ومن السلطنة والقهر ما لم يؤته أحدا من الآدميين ، ولهذا دعا ربه فقال : { وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي } {[590]} فسخر الله له الشياطين يعملون له كل ما شاء من الأعمال التي يعجز عنها غيرهم ، وسخر له الريح غدوها شهر ورواحها شهر .

{ إِنَّ هَذَا } الذي أعطانا الله وفضلنا واختصنا به { لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } الواضح الجلي فاعترف أكمل اعتراف بنعمة الله تعالى .


[590]:- في النسختين: فقال: (رب هب) وهو خطأ.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ} (16)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وورث سليمان داود} يعني: ورث سليمان علم داود وملكه، {وقال} سليمان لبني إسرائيل: {يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء} يعني: أعطينا الملك والنبوة والكتاب والرياح، وسخرت لنا الشياطين، ومنطق الدواب، ومحاريب، وتماثيل، وجفان كالجوابي، وقدور راسيات وعين القطر، (يعني عين الصفر). {إن هذا} الذي أعطينا {لهو الفضل المبين} يعني: البين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"وَوَرِثَ سُلَيْمانُ" أباه "دَاوُدَ "العلم الذي كان آتاه الله في حياته، والمُلك الذي كان خصه به على سائر قومه، فجعله له بعد أبيه داود دون سائر ولد أبيه.

"وَقالَ يا أيّها النّاس عُلّمْنا مَنْطِقَ الطّيْرِ" يقول: وقال سليمان لقومه: يا أيها الناس علمنا منطق الطير، يعني: فهمنا كلامها وجعل ذلك من الطير كمنطق الرجل من بني آدم إذ فهمه عنها...

وقوله: "وأُوتينا مِنْ كلّ شَيْءٍ" يقول: وأُعطينا ووُهب لنا من كلّ شيء من الخيرات. "إنّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ" يقول: إن هذا الذي أوتينا من الخيرات لهو الفضل على جميع أهل دهرنا "المبين"، يقول: الذي يبين لمن تأمّله وتدبره أنه فضل أُعطِيناه على من سوانا من الناس.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وورث سليمان داوود} قال أهل التأويل: ورث النبوة والحكم، والوارث هو الباقي بعد هلاك الآخر وفنائه..فعلى ذلك قوله: {وورث سليمان داوود} أي بقي في ملكه ونبوته...

.

{يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء} لا يحتمل أن يذكر هذا، صلوات الله عليه، على الافتخار والتياهة، ولكن ذكر فضل الله ونعمه التي أعطاه، ومنَّ عليه...ثم قوله: {وأوتينا من كل شيء} لا يحتمل كل شيء، لأنهم لم يؤتوا كل شيء حتى لم يبق شيء، إنما أتوا شيئا دون شيء، ولكن كأنه قال: وأوتينا من كل شيء سألناه أن يؤتينا، ويحتمل أن يكون {وأوتينا من كل شيء} مما يؤتى الأنبياء والملوك وما يحتاج إليه، والله أعلم.

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

{وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير} سمى صوت الطير منطقاً لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ورث منه النبوّة والملك دون سائر بنيه...

{وَقَالَ يا أيها الناس} تشهيراً لنعمة الله، وتنويهاً بها، واعترافاً بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور...

فإن قلت: كيف قال علمنا وأوتينا وهو من كلام المتكبرين؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يريد نفسه وأباه. والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع -وكان ملكاً مطاعاً- فكلم أهل طاعته على صفته وحاله التي كان عليها، وليس التكبر من لوازم ذلك، وقد يتعلق بتجمل الملك وتفخمه...

التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :

{وأوتينا من كل شيء} عموم معناه الخصوص، والمراد بهذا اللفظ التكثير: كقولك فلان يقصده كل أحد..

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان كل منهما عليهما السلام قد أوتي ما ذكر، أشار إلى فضل سليمان عليه السلام بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه فقال: {وورث سليمان داود} أي أباه عليهما السلام دون إخوته في النبوة والعلم والملك الذي كان قد خصه الله دون قومه بجمعه له إلى النبوة، فشكر الله على ما أنعم به عليه أولاً وثانياً {وقال} أي سليمان عليه السلام محدثاً بنعمة ربه ومنبهاً على ما شرفه الله به، ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم إليه من الخير: {يا أيها الناس}.

ولما كان من المعلوم أنه لا معلم له إلا الله، فإنه لا يقدر على ذلك غيره، قال بانياً للمفعول: {علمنا} أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ممن لا يقدر على ما علمنا سواء ولو كان المقصود هو وحده لم يكن من التعاظم في شيء، بل هو كلام الواحد المطاع، تنبيهاً على تعظيم الله بما عظمه به مما يختص بالقدرة عليه أو بالأمر به كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا كان هناك حال يحوج إليه كما قال في الزكاة: إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا عز وجل، وكما كان يكتب لبعض الجبابرة {منطق الطير} أي فهم ما يريد كل طائر إذا صوت، والمنطق ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، ولا بدع في أن الذي آتى كل نفس هداها وعلمها تميز منافعها ومضارها يؤتيها قوة تدرك بها تخاطباً بينها يتفاهم كل نوع منها به فيما يريد، ويكون ذلك قاصراً عن إدراك الإنسان لخصوصه بالجزئيات الناشئة عن الحسيات {وأوتينا} ممن له العظمة بأيسر أمر من أمره {من كل شيء} أي يكمل به ذلك من اسباب الملك والنبوة وغيرهما، وعبر بأداة الاستغراق تعظيماً للنعمة كما يقال لمن يكثر تردد الناس إليه: فلان يقصده كل أحد.

ولما كان هذا أمراً باهراً، دل عليه بقوله مؤكداً بأنواع التأكيد وشاكراً حاثاً لنفسه على مزيد الشكر وهازاً لها إليه: {إن هذا} أي الذي أوتيناه {لهو الفضل المبين} أي البين في نفسه لكل من ينظره، الموضح لعلو قدر صاحبه ووحدانية مفيضه مؤتية.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{وورث سليمان داود}

طوى خبر ملك داود وبعض أحواله إلى وفاته لأن المقصود هو قصة سليمان كما قدمناه آنفاً. وقد كان داود ملكاً على بني إسرائيل ودام ملكه أربعين سنة وتوفي وهو ابن سبعين سنة.

فخلفه سليمان فهو وارث ملكه والقائم في مقامه في سياسة الأمة وظهور الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم. فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي وهو تشبيه الأحوال الجليلة بالمال وتشبيه الخلفة بانتقال ملك الأموال لظهور أن ليس غرض الآية إفادة من انتقلت إليه أموال داود بعد قوله: {ولقد آتينا داوود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضَّلنا} [النمل: 15] فتعين أن إرث المال غير مقصود فإنه غرض تافه.

وقد كان لداود أحدَ عشر ولداً فلا يختص إرثُ ماله بسليمان وليس هو أكبرهم، وكان داود قد أقام سليمان ملكاً على إسرائيل. وبهذا يظهر أن ليس في الآية ما يحتج به لجواز أن يورث مال النبي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا نُورث ما تركنَا صدقة"، وظاهره أنه أراد من الضمير جماعة الأنبياء وشاع على ألسنة العلماء: إنا أو نَحن معاشرَ الأنبياء لا نورث، ولا يعرف بهذا اللفظ، ووقع في كلام عمر بن الخطاب مع العباس وعلي في شأن صدقة النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر: « أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله قال: لا نُورث ما تركنا صدقة، يريد رسولُ الله نفسَه» وكذلك قالت عائشة، فإذا أخذنا بظاهر الآية كان هذا حكماً في شرع من قبلنا فينسخ بالإسلام، وإذا أخذنا بالتأويل فظاهر. وقد أجمع الخلفاء الراشدون وغيرهم على ذلك، خلافاً للعباس وعلي، ثم رجعا حين حاجهما عمر. والعلة هي سدّ ذريعة خطور تمني موت النبي في نفس بعض ورثته.

{وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين}

قال سليمان هذه المقالة في مجمع عظيم لأن لهجة هذا الكلام لهجة خطبته في مجمع من الناس الحاضرين مجلسه من الخاصة والسامعين من العامة. فهذه الجملة متضمنة شكر الله تعالى ما منحه من علم ومُلك، وليقدر الناس قدره ويعلموا واجب طاعته إذ كان الله قد اصطفاه لذلك، وأطلعه على نوايا أنفر الحيوان وأبعده عن إلف الإنسان وهو الطير، فما ظنك بمعرفة نوايا الناس من رعيته وجنده فإن تخطيط رسوم الملك وواجباته من المقاصد لصلاح المملكة بالتفاف الناس حول ملكهم وصفاء النيات نحوه، وبمقدار ما يحصل ذلك من جانبهم يكون التعاون على الخير وتنزل السكينة الربانية، فلما حصل من جانب سليمان الاعتراف بهذا الفضل لله تعالى فقد أدى واجبه نحو أمته فلم يبق إلا أن تؤدي الأمة واجبها نحو مَلِكها، كما كان تعليم فضائل النبوة من مقاصد الشارع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

« أنا سيِّد ولدِ آدم ولا فخر» أي أقوله لقصد الإعلام بواجب التقادير لا لقصد الفخر على الناس، ويعلموا واجب طاعته.

وعِلم منطق الطير أوتيه سليمان من طريق الوحي بأن أطلعه الله على ما في تقاطيع وتخاليف صفير الطيور أو نعيقها من دلالة على ما في إدراكها وإرادتها. وفائدة هذا العلم أن الله جعله سبيلاً له يهتدي به إلى تعرف أحوال عالمية يسبق الطير إلى إدراكها بما أودع فيه من القُوى الكثيرة، وللطير دلالة في تخاطب أجناسها واستدعاء أصنافها والإنباء بما حولها ما فيه عون على تدبير ملكه وسياسة أمته، مثل استخدام نوع الهدهد في إبلاغ الأخبار وردها ونحو ذلك.

ووراء ذلك كله انشراحُ الصدر بالحكمة والمعرِفة لكثير من طبائع الموجودات وخصائصها. ودلالة أصوات الطير على ما في ضمائرها: بعضُها مشهور كدلالة بعض أصواته على نداء الذكور لإناثها، ودلالة بعضها على اضطراب الخوف حين يمسكه مُمسك أو يهاجمه كاسر، ووراء ذلك دلالات فيها تفصيل، فكل كيفية من تلك الدلالات الإجمالية تنطوي على تقاطيع خفية من كيفيات صوتية يخالف بعضها بعضاً فيها دلالات على أحوال فيها تفضيل لما أجملته الأحوال المجملة، فتلك التقاطيع لا يهتدي إليها الناس ولا يطلع عليها إلا خالقها، وهذا قريب من دلالة مخارج الحروف وصفاتها في لغة من اللغات وفكّها وإدغامها واختلاف حركاتها على معان لا يهتدي إليها مَن يعرف تلك اللغة معرفة ضعيفة ولم يتقن دقائقها. مثل أن يسمع ضَلَلْت وظَللت، فالله تعالى اطلع سليمان بوحي على مختلف التقاطيع الصوتية التي في صفير الطير وأعلمه بأحوال نفوس الطير عندما تصفر بتلك التقاطيع...

والاقتصار على منطق الطير إيجاز لأنه إذا عَلِم منطق الطير وهي أبعد الحيوان عن الركون إلى الإنسان وأسرعها نفوراً منه، علم أن منطق ما هو أكثر اختلاطاً بالإنسان حاصل له بالأحرى كما يدل عليه قوله تعالى فيما يأتي قريباً: {فتبسّم ضَاحكاً من قولها} [النمل: 19]، فتدل هذه الآية على أنه علِّم منطق كل صنف من أصناف الحيوان...

وعُبر عن أصوات الطير بلفظ {منطق} تشبيهاً له بنطق الإنسان من حيث هو ذو دلالة لسليمان على ما في ضمائر الطير، فحقيقة المنطق الصوتُ المشتمل على حروف تدل على معان.

وضمير {عُلِّمنا أُوتينا} مراد به نفسه، جاء به على صيغة المتكلم المشارك؛ إما لقصد التواضع كأنَّ جماعة عُلموا وأُوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض احتمالات قوله تعالى آنفاً: {وقالا الحمد لله الذي فضّلنا}، وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك، وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند الرعية، وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال...

والمراد ب {كل شيء} كل شيء من الأشياء المهمة ففي {كل شيء} عمومان عموم {كلّ} وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي، ف {كلّ} مستعملة في الكثرة و {شيء} مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان، وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد. {وأوتِيَتْ من كل شيء} [النمل: 23]، أي كثيراً من النفائس والأموال. وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه.

والتأكيد في {إن هذا لهو الفضل المبين} بحرف التوكيد ولامه الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها بالمستطاع من العبارة.

و {الفضل}: الزيادة من الخير والنفع. و {المبين}: الظاهر الواضح.