روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

{ مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء } استئناف متضمن تقبيح حال أولئك المهلكين الظالمين لأنفسهم وأضرابهم ممن تولى غير الله عز وجل ، وفيه إشارة إلى أعظم أنواع ظلمهم فالمراد بالموصول جميع المشركين الذين عبدوا من دون الله عز وجل الأوثان .

وجوز أن يكون جميع من اتخذ غيره تعالى متكلاً ومعتمداً آلهة كان ذلك أو غيرها ، ولذا عدل إلى أولياء من آهلة أي صفتهم أو شبههم { كَمَثَلِ العنكبوت } أي كصفتها أو شبهها .

{ اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت } بيانا لصفة العنكبوت التي يدور عليها أمر التشبيه ، والجملة على ما نقل عن الأخفش من لزوم الوقف على العنكبوت مستأنفة لذلك { وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت } الخ في موضع الحال من فاعل اتخذت المستكن فيه ، وجوز كونه في موضع الحال من مفعوله بناء على جواز مجيء الحال من النكرة ، وعلى الوجهين وضع المظهر موضع الضمير الراجع إلى ذي الحال ، والجملة من تتمة الوصف . واللام في البيوت للاستغراق ، والمعنى مثل المتخذين لهم من دون الله تعالى أولياء في اتخاذهم إياهم كمثل العنكبوت وذلك أنها اتخذت لها بيتاً والحال أن أوهن كل البيوت وأضعفها بيتها ، وهؤلاء اتخذوا لهم من دون الله تعالى أولياء والحال أن أوهن كل الأولياء وأضعفها أولياؤهم ، وإن شئت فقل : إنها اتخذت بيتاً في غاية الضعف وهؤلاء اتخذوا لها أو متكلاً في غاية الضعف فهم وهي مشتركان في اتخاذ ما هو في غاية الضعف في بابه ، ويجوز أن تكون جملة اتخذت حالاً من العنكبوت بتقدير قد أو بدونها أو صفة لها لأن أل فيها للجنس ، وقد جوزوا الوجهين في الجمل الواقعة بعد المعرف بأل الجنسية نحو قوله تعالى : { كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } [ الجمعة : 5 ] وعن الفراء أن الجملة صلة لموصول محذوف وقع صفة { العنكبوت } أي التي اتخذت ، وخرج الآية التي ذكرناها على هذا واختار حذف الموصول في مثله ابن درستويه ، وعليه لا يوقف على العنكبوت ، وأنت تعلم أن كون الجملة صفة أظهر . والمعنى حينئذ مثل المشرك الذي عبد الوثن بالقياس إلى الموحد الذي عبد الله تعالى كمثل عنكبوت اتخذت بيتاً بالإضافة إلى رجل بني بيتاً بآجر وجص أو نحته من صخر وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبارة الأوثان ، وهو وجه حسن ذكره الزمخشري في الآية ، وقد اعتبر فيه تفريق التشبيه ، والغرض إبراز تفاوت المتخذين والمتخذ مع تصوير توهين أمر أحدهما وإدماج توطيد الآخر ، وعليه يجوز أن يكون قوله تعالى : { وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت } جملة حالية لأنه من تتمة التشبيه ، وإن يكون اعتراضية لأنه لو لم يؤت به لكان في ضمنه ما يرشد إلى هذا المعنى وإلى كونه جملة حالية ذهب الطيبي .

وقال «صاحب الكشف » : كلام الزمخشري إلى كونه اعتراضية أقرب لأن قوله : وكما أن أوهن البيوت الخ ليس فيه إيماء إلى تقييد الأول ، وقد تعقب أبو حيان هذا الوجه بأنه لا يدل عليه لفظ الآية ، وإنما هو تحميل اللفظ ما لا يحتمله كعادته في كثير من «تفسيره » ، وهذه مجازفة على «صاحب الكشاف » كما لا يخفى ، ويجوز أن يكون المعنى مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء فيما اتخذوه معتمداً ومتكلاً في دينهم وتولوه من دون الله تعالى كمثل العنكبوت فيما نسجته واتخذته بيتاً ، والتشبيه على هذا من المركب فيعتبر في جانب المشبه اتخاذ ومتخذ واتكال عليه ، وكذلك في الجانب الآخر ما يناسبه ويعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من ذلك كله بالهيئة المنتزعة من هذا بالأسر ، والغرض تقرير وهن أمر دينهم وأنه بلغ الغاية التي لا غاية بعدها ، ومدار قطب التشبيه أن أولياءهم بمنزلة منسوج العنكبوت ضعف حال وعدم صلوح اعتماد ، وعلى هذا يكون قوله تعالى : { إن أَوْهَنَ البيوت } تذييلاً يقرر الغرض من التشبيه .

وجوز أن يكون المعنى والغرض من التشبيه ما سمعت إلا أنه يجعل التذييل استعارة تمثيلية ويكون ما تقدم كالتوطئة لها ، فكأنه قيل : وإن أو عن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان ، وهي تقرر الغرض من التشبيه بتبعية تقرير المشبه ، وكأن التقرير في الوجه السابق بتبعية تقرير المشبه به ، وهذا قريب من تجريد الاستعارة وترشيحها ، ونظير ذلك قولك : زيد في الكلام بحر والبحر لا يخيب من أتاه إذا كان البحر الثاني مستعاراً للكريم ، وذكر الطرفين إنما يمنع من كونه استعارة لو كان في جملته ، ورجح السابق لأن عادة البلغاء تقرير أمر المشبه به ليدل به على تقرير المشبه ، ولأن هذا إنما يتميز عن الإلغاز بعد سبق التشبيه .

وجوز أن يكون قوله تعالى : { مَثَلُ الذين } الخ كالمقدمة الأولى ، وقوله سبحانه : { وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت } كالثانية وما هو كالنتيجة محذوف مدلول عليه بما بعد كما في الكشف ، والمجموع يدل على المراد من تقرير وهن أمر دينهم وأنه بلغ الغاية التي لا غاية بعدها على سبيل الكناية الإيمائية فتأمل ، والظاهر أن المراد بالعنكبوت النوع الذي ينسج بيته في الهواء ويصيد به الذباب لا النوع الآخر الذي يحفر بيته في الأرض ويخرج في الليل كسائر الهوام ، وهي على ما ذكره غير واحد من ذوات السموم فيسن قتلها لذلك ، لا لما أخرج أبو داود في مراسيله عن يزيد بن مرثد من قوله صلى الله عليه وسلم : " العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى فمن وجدها فليقتلها " فإنه كما ذكر الدميري ضعيف .

وقيل : لا يسن قتلها فقد أخرج الخطيب عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت أنا وأبو بكر الغار فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن " ذكر هذا الخبر الجلال السيوطي في الدر المنثور ، والله تعالى أعلم بصحته وكونه مما يصلح للاحتجاج به ، ونصوا على طهارة بيتها لعدم تحقق كون ما تنسج به من غذائها المستحيل في جوفها مع أن الأصل في الأشياء الطهارة ، وذكر الدميري أن ذلك لا تخرجه من جوفها بل من خارج جلدها ، وفي هذا بعد . وأنا لم أتحقق أمر ذلك ولم أعين كونه من فمها أو دبرها أو خارج جلدها لعدم الاعتناء بشأن ذلك لا لعدم إمكان الوقوف على الحقيقة ، وذكر أنه بحسن إزالة بيتها من البيوت لما أسند الثعلبي . وابن عطية وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإنه تركه في البيوت يورث الفقر » وهذا إن صح عن الإمام كرم الله تعالى وجهه فذاك ، وإلا فحسن الإزالة لما فيها من النظافة ولا شك بندبها . والتاء في العنكبوت زائدة كتاء طالوت فوزنه فعلوت وهو يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، ومن استعماله مذكراً قوله :

على هطالهم منهم بيوت *** كأن العنكبوت هو ابتناها

واستظهر الفاضل سعدي جلبي كون المراد به هنا الواحد ، وذهب إلى تأنيثه أيضاً فذكر أنه اختير هنا تأنيثه لأنه المناسب لبيان الخور والضعف فيما يتخذه ، وقال مولانا الخفاجي معرضاً به : الظاهر أن المراد الجمع لا الواحد لقوله تعالى : { الذين } وأما افراد البيت فلأن المراد الجنس ، ولذلك أنث { اتخذت } لا لأن المراد المؤنث ، وفي القاموس العنكبوت معروف وهي العنكباة والعكنباة والعنكبوة والعنكباء ، والذكر عنكب وهي عنكبة ، وجمعه عنكبوتات وعناكب ، والعكاب . والعكب والأعكب أسماء الجموع ، وتعقب بأن عد ما عدا ما ذكره أولا اسم جمع لا وجه له لأن أعكب لا يصح فيه ذلك ، وذكروا في جمعه أيضاً عناكيب ، واختلف في نونه فقيل أصلية ، وقيل : زائدة كالتاء ، وجمعه على عكاب يدل على ذلك . وذكر السجستاني في غريب سيبويه أنه ذكر عناكب في موضعين فقال في موضع : وزنه فناعل وفي آخر فعالل ، فعلى الأول النون زائدة وهو مشتق من العكب وهو الغلظ اه المراد منه ، ولعل الأقرب على ذلك كونه مشتقاً من الكعب بالفتج بمعنى الشدة في السير فكأنه لشدة وثبه لصيد الذباب أو لشدة حركته عند فراره أطلق عليه اسم العنكبوت { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي لو كانوا يعلمون شيئاً من الأشياء لعلموا أن هذا مثلهم أو أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن ، وقيل : أي لو كانوا يعلمون وهن الأوثان لما اتخذوها أولياء من دون الله تعالى ، وفي الكشف أن قوله تعالى : { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } على جميع التقادير أي المذكورة في الكشاف وقد ذكرناها فيما مر من الايغال ، جعلهم سبحانه في الاتخاذ ثم زادهم جل وعلا تجهيلاً أنهم لا يعلمون هذا الجهل البين الذي لا يخفى على من له أدنى مسكة ، و { لَوْ } شرطية وجوابها محذوف على ما أشرنا إليه ، وجوز بعضهم كونها للتمني فلا جواب لها وهو غير ظاهر .

ومن باب الإشارة : { مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت } [ العنكبوت : 1 4 ] أشار سبحانه وتعالى إلى من اعتمد على غير الله عز وجل في أسباب الدنيا والآخرة فهو منقطع عن مراده غير واصل إليه ، قال ابن عطاء : من اعتمد شيئاً سوى الله تعالى كان هلاكه في نفس ما اعتمد عليه ، ومن اتخذ سواه عز وجل ظهيراً قطع عن نفسه سبيل العصمة ورد إلى حوله وقوته .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

هذا مثل ضربه اللّه لمن عبد معه غيره ، يقصد به التعزز والتَّقَوِّي والنفع ، وأن الأمر بخلاف مقصوده ، فإن مثله كمثل العنكبوت ، اتخذت بيتا يقيها من الحر والبرد والآفات ، { وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ } أضعفها وأوهاها { لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ } فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة ، وبيتها من أضعف البيوت ، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا ، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء ، فقراء عاجزون من جميع الوجوه ، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم ، ازدادوا ضعفا إلى ضعفهم ، ووهنا إلى وهنهم .

فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم ، وألقوها عليهم ، وتخلوا هم عنها ، على أن أولئك سيقومون بها ، فخذلوهم ، فلم يحصلوا منهم على طائل ، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل .

فلو كانوا يعلمون حقيقة العلم ، حالهم وحال من اتخذوهم ، لم يتخذوهم ، ولتبرأوا منهم ، ولتولوا الرب القادر الرحيم ، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه ، كفاه مئونة دينه ودنياه ، وازداد قوة إلى قوته ، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} يعني الآلهة، وهي الأصنام اللات والعزى ومناة وهبل... {كمثل العنكبوت} وذلك أن الله عز وجل ضرب مثل الصنم في الضعف، يعني كشبه العنكبوت إذا {اتخذت بيتا وإن أوهن} يعني أضعف {البيوت} كلها {لبيت العنكبوت} فكذلك ضعف الصنم هو أضعف من بيت العنكبوت {لو} يعني إن {كانوا يعلمون} ولكن لا يعلمون.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نَصْرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، كمَثلِ العنكبوت في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، اتخذت بيتا لنفسها، كيما يُكِنّها، فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم حين نزل بهم أمر الله، وحلّ بهم سخطه أولياؤُهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئا، ولم يدفعوا عنهم ما أحلّ الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم... وقوله:"وإنّ أوْهَنَ البُيُوتِ" يقول: وإن أضعف البيوت "لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ "يقول تعالى ذكره: لو كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء، يعلمون أن أولياءهم الذين اتخذوهم من دون الله في قلة غنائهم عنهم، كغناء بيت العنكبوت عنها، ولكنهم يجهلون ذلك، فيحسبون أنهم ينفعونهم ويقرّبونهم إلى الله زلفى.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... بل في بيت العنكبوت للعنكبوت شيء من المنفعة، وليس لأولئك العبدة بتلك الأصنام شيء، مما كانوا يأملون؛ فهي دون بيت العنكبوت في المنفعة...

لكنه، والله أعلم، ضرب مثلها ببيت العنكبوت لما لا شيء أوهن وأضعف عند الخلق من بيتها. وهو ما شبه أعمال الكفرة برماد {اشتدت به الريح} [إبراهيم: 18] وبسراب {بقيعة} [النور: 39] لما ليس شيء أضيع ولا أبعد في الوجود والقدرة عليه في الوهم مما ذكر، فشبه أعمالهم به. فعلى ذلك تشبيه أولئك الأصنام آلهة وأولياء من دون الله ببيت العنكبوت، والله أعلم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

الاتخاذ: أخذ الشيء على إعداده لنائبة... فلما أخذوا عبادة غير الله إعدادا لنائبة، كانوا اتخذوا الأولياء من دون الله، وذلك فاسد لأن عبادة الله هي العاصمة من المكاره دون عبادة الأوثان. والمولى هو المتولي للنصرة، وهو أبلغ من الناصر، لأن الناصر قد يكون ناصرا بأن يأمر غيره بالنصرة، والولي هو الذي يتولى فعلها بنفسه...

(لو) متعلقة بقوله "اتخذوا "أي لو علموا أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتا سخيفا لم يتخذوهم أولياء، ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت" لأنهم كانوا عالمين بأن بيت العنكبوت واه ضعيف.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

العنكبوت يتخذ لنفسه بيتاً، ولكن كلما زاد نسجاً في بيته ازداد بُعْداً في الخروج منه؛ فهو يبني ولكن على نفسه يبني... كذلك الكافر يسعى ولكن على نفسه يجني. وبيتُ العنكبوتِ أكثره في الزوايا من الجدران، كذلك الكافر أمره على التّقِيّةِ والكتمان، وأمَّا المؤمِن فظاهِرُ المعاملةِ، لا ستر ولا يُدَخْمِس. وبيتُ العنكبوت أوهنُ البيوت لأنه بلا أساسٍ ولا جدران ولا سقف ولا يمسك على أَدْوَن دَفْع.. كذلك الكافر؛ لا أصلَ لشأنه، ولا أساسَ لبنيانه، يرى شيئاً ولكن بالتخييل، فأمَّاً في التحقيق.. فَلاَ.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان "لو كانوا يعلمون".

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

... وفي الآية لطائف نذكرها في مسائل:...

المسألة الأولى: ما الحكمة في اختيار هذا المثل من بين سائر الأمثال؟ فنقول فيه وجوه؛

الأول: أن البيت ينبغي أن يكون له أمور: حائط حائل، وسقف مظل، وباب يغلق، وأمور ينتفع بها ويرتفق، وإن لم يكن كذلك فلا بد من أحد أمرين؛ إما حائط حائل يمنع من البرد وإما سقف مظل يدفع عنه الحر، فإن لم يحصل منهما شيء فهو كالبيداء ليس ببيت، لكن بيت العنكبوت لا يجنها ولا يكنها وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق وجر المنافع وبه دفع المضار، فإن لم تجتمع هذه الأمور فلا أقل من دفع ضر أو جر نفع، فإن من لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنسبة إليه سواء، فإذن كما لم يحصل للعنكبوت باتخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء، كذلك الكافر لم يحصل له باتخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شيء.

الثاني: هو أن أقل درجات البيت أن يكون للظل فإن البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضا الهواء والماء والنار والتراب، والبيت من الخشب يفيد الاستظلال ويدفع الحر والبرد ولا يدفع الهواء القوي ولا الماء ولا النار، والخباء الذي هو بيت من الشعر أو الخيمة التي هي من ثوب، إن كان لا يدفع شيئا، يظل ويدفع حر الشمس، لكن بيت العنكبوت لا يظل، فإن الشمس بشعاعها تنفذ فيه، فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر في الغير، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد، فإن لم يكن فلا أقل من أن لا ينفذ أمر العابد فيه، لكن معبودهم تحت تسخيرهم إن أرادوا أجلوه وإن أحبوا أذلوه.

الثالث: أدنى مراتب البيت أنه إن لم يكن سبب ثبات وارتفاق لا يصير سبب شتات وافتراق، لكن بيت العنكبوت يصير سبب انزعاج العنكبوت، فإن العنكبوت لو دام في زاوية مدة لا يقصد ولا يخرج منها، فإذا نسج على نفسه واتخذ بيتا يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت، فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحق الثواب، فإن لم يستحقه فلا أقل من أن لا يستحق بسببها العذاب، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب...

المسألة الثانية: مثل الله اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذ العنكبوت نسجه بيتا ولم يمثله بنسجه وذلك لوجهين؛

أحدهما: أن نسجه فيه فائدة له، لولاه لما حصل وهو اصطيادها الذباب به من غير أن يفوته ما هو أعظم منه، واتخاذهم الأوثان وإن كان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا، لكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير وأبقى فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت.

الوجه الثاني: هو أن نسجه مفيد لكن اتخاذها ذلك بيتا أمر باطل، فكذلك هم لو اتخذوا الأوثان دلائل على وجود الله وصفات كماله وبراهين على نعوت إكرامه وأوصاف جلاله لكان حكمة، لكنهم اتخذوها أولياء كجعل العنكبوت النسج بيتا وكلاهما باطل...

المسألة الثالثة: كما أن هذا المثل صحيح في الأول فهو صحيح في الآخر، فإن بيت العنكبوت إذا هبت ريح لا يرى منه عين ولا أثر بل يصير هباء منثورا، فكذلك أعمالهم للأوثان كما قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}...

المسألة الرابعة: قال: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} ولم يقل آلهة إشارة إلى إبطال الشرك الخفي أيضا، فإن من عبد الله رياء لغيره فقد اتخذ وليا غيره فمثله مثل العنكبوت يتخذ نسجه بيتا...

ثم قال تعالى: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}. إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يخرب بأدنى شيء ولا يبقى منه عين ولا أثر فكذلك عملهم لو كانوا يعلمون...

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

... وجوز أن يكون جميع من اتخذ غيره تعالى متكلاً ومعتمداً آلهة كان ذلك أو غيرها، ولذا عدل إلى أولياء من آلهة أي صفتهم أو شبههم {كَمَثَلِ العنكبوت} أي كصفتها أو شبهها.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفا إلى ضعفهم، ووهنا إلى وهنهم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والآن، وعلى مصارع العتاة البغاة من الكفرة والظلمة والفسقة على مدار القرون.. والآن. وبعد الحديث في مطالع السورة عن الفتنة والابتلاء والإغراء.. الآن يضرب المثل لحقيقة القوى المتصارعة في هذا المجال.. إن هنالك قوة واحدة هي قوة الله. وما عداها من قوة الخلق فهو هزيل واهن، من تعلق به أو احتمى، فهو كالعنكبوت الضعيفة تحتمي ببيت من خيوط واهية...

إنه تصوير عجيب صادق لحقيقة القوى في هذا الوجود. الحقيقة التي يغفل عنها الناس أحيانا، فيسوء تقديرهم لجميع القيم، ويفسد تصورهم لجميع الارتباطات، وتختل في أيديهم جميع الموازين. ولا يعرفون إلى أين يتوجهون. ماذا يأخذون وماذا يدعون؟ وعندئذ تخدعهم قوة الحكم والسلطان يحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضونها ليكفوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها! وتخدعهم قوة المال، يحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة. ويتقدمون إليها في رغب وفي رهب؛ ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها ويتسلطوا على الرقاب كما يحسبون! وتخدعهم قوة العلم يحسبونها أصل القوة وأصل المال، وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول، ويتقدمون إليها خاشعين كأنهم عباد في المحاريب! وتخدعهم هذه القوى الظاهرة. تخدعهم في أيدي الأفراد وفي أيدي الجماعات وفي أيدي الدول، فيدورون حولها، ويتهافتون عليها، كما يدور الفراش على المصباح، وكما يتهافت الفراش على النار! وينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة، وتملكها، وتمنحها، وتوجهها، وتسخرها كما تريد، حيثما تريد. وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى سواء كانت في أيدي الأفراد، أو الجماعات، أو الدول.. كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت... حشرة ضعيفة رخوة واهنة لا حماية لها من تكوينها الرخو، ولا وقاية لها من بيتها الواهن. وليس هنالك إلا حماية الله، وإلا حماه، وإلا ركنه القوي الركين. هذه الحقيقة الضخمة هي التي عني القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة، فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها؛ وداست بها على كبرياء الجبابرة في الأرض ودكت بها المعاقل والحصون...

قوة الله وحدها هي القوة. وولاية الله وحدها هي الولاية. وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل؛ مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل. إنها العنكبوت: وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت: (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون). وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرضون للفتنة والأذى، وللإغراء والإغواء. لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة ولا ينسوها لحظة، وهم يواجهون القوى المختلفة. هذه تضر بهم وتحاول أن تسحقهم. وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم.. وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله، وفي حساب العقيدة حين تصح العقيدة، وحين تعرف حقيقة القوى وتحسن التقويم والتقدير...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لما بينت لهم الأشباه والأمثال من الأمم التي اتخذت الأصنام من دون الله فما أغنت عنهم أصنامهم لما جاءهم عذاب الله أعقب ذلك بضرب المثل لحال جميع أولئك وحال من ماثلهم من مشركي قريش في اتخاذهم ما يحسبونه دافعاً عنهم وهو أضعف من أن يدفع عن نفسه، بحال العنكبوت تتخذ لنفسها بيتاً تحسب أنها تعتصم به من المعتدي عليها فإذا هو لا يصمد ولا يثبت لأضعف تحريك فيسقط ويتمزق. والمقصود بهذا الكلام مشركو قريش، وتعلم مساواة غيرهم لهم في ذلك بدلالة لحن الخطاب، والقرينة قوله بعده {إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء} [العنكبوت: 42] فضمير {اتخذوا} عائد إلى معلوم من سياق الكلام وهم مشركو قريش.