{ ولسليمان الريح } أي وسخرنا له الريح ، وقيل : { لسليمان } عطف على { لَهُ } في { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد } [ سبأ : 10 ] والريح عطف على { الحديد } وإلانة الريح عبارة عن تسخيرها .
وقرأ أبو بكر { الريح } بالرفع على أنه مبتدأ و { لسليمان } خبره والكلام على تقدير مضاف أي ولسليمان تسخير الريح ، وذهب غير واحد إلى أنه مبتدأ ومتعلق الجار كون خاص هو الخبر وليس هناك مضاف مقدر أي ولسليمان الريح مسخرة ، وعندي أن الجملة على القراءتين معطوفة على قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً } [ سبأ : 0 1 ] الخ عطف القصة على القصة ، وقال ابن الشيخ : العطف على القراءة الأولى على { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد } وكلتا الجملتين فعلية وعلى القراءة الثانية العطف على اسمية مقدرة دلت عليها تلك الجملة الفعلية لا عليها للتخالف فكأنه قيل : ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح فإنها كانت له كالمملوك المخص بالمالك يأمرها بما يريد ويسير عليها حيثما يشاء ، ثم قال : وإنما لم يقل ومع سليمان الريح لأن حركتها ليست بحركة سليمان بل هي تتحرك بنفسها وتحرك سليمان وجنوده بحركتها وتسير بهم حيث شاء وهذا على خلاف تأويب الجبال فإنه كان تبعاً لتأويب داود عليه السلام فلذا جيء بهناك بمعه .
وقرأ الحسن . وأبو حيوة . وخالد بن الياس { الرياح } بالرفع جمعاً { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك ، والجملة إما مستأنفة أو حال من { الريح } ولا بد من تقدير مضاف في الخبر لأن الغدو والرواح ليس نفس الشهر وإنما يكونان فيه ، ولا حاجة إلى تقدير في المبتدأ كما فعل مكي حيث قال : أي مسير غدوها مسيرة شهر ومسير رواحها كذلك لما لا يخفى ، وقال ابن الحاجب في أماليه الفائدة في إعادة لفظ الشهر الإعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح والألفاظ التي تأتي مبنية للمقادير لا يحسن فيها الإضمار ألا ترى أنك تقول زنه هذا مثقال وزنة هذا مثقال فلا يحسن الإضمار كما لا يحسن في التمييز ، وأيضاً فإنه لو أضمر فالضمير إنما يكون لما تقدم باعتبار خصوصيته فإذا لم يكن له بذلك الاعتبار وجب العدول إلى الظاهر ، ألا ترى أنك إذا أكرمت رجلاً وكسوت ذلك الرجل بخصوصه لكانت العبارة أكرمت رجلاً وكسوته ولو أكرمت رجلاً وكسوت رجلاً آخر لكانت العبارة أكرمت رجلاً وكسوت رجلاً فتبين أنه ليس من وضع الظاهر موضع الضمير كذا في حواشي الطيبي عليه الرحمة ، ولا يخفى أن ما ذكره مبني على ما هو الغالب وإلا فقد قال تعالى : { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } [ فاطر : 11 ] ولم يقتصر على الإعلام بزمن الغدو ليقاس عليه زمن الرواح لأن الريح كثيراً ما تسكن أو تضعف حركتها بالعشي فدفع بالتنصيص على بيان زمن الرواح توهم اختلاف الزمانين ، قال قتادة : كانت الريح تقطع به عليه السلام في الغدو إلى الزوال مسيرة شهر وفي الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر .
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أنه قال في الآية كان سليمان عليه السلام يغدو من بيت المقدس فيقيل باصطخر ثم يروح من اصطخر فيقيل بقلعة خراسان .
وقد ذكر حديث هذه الريح في بعض الأشعار القديمة قال وهب : ونقله عنه في «البحر » وجدت أبياتاً منقورة في صخرة بأرض كسكر لبعض أصحاب سليمان عليه السلام وهي :
ونحن ولا حول سوى حول ربنا *** نروح من الأوطان من أرض تدمر
إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا *** مسيرة شهر والغدو لآخر أناس
شروا لله طوعاً نفوسهم *** بنصر ابن داود النبي المطهر
لهم في معالي الدين فضل ورفعة *** وإن نسبوا يوماً فمن خير معشر
متى تركب الريح المطيعة أسرعت *** مبادرة عن شهرها لم تقصر
تظلهم طير صفوف عليهم *** متى رفرفت من فوقهم لم تنفر
وذكر أيضاً رضي الله تعالى عنه أنه عليه السلام كان مستقره تدمر وأن الجن قد بنتها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأشقر وقال : وفيه يقول النابغة :
ألا سليمان إذ قال الإله له *** قم في البرية فاسددها عن الفند
وجيش الجن إني قد أذنت لهم *** يبنون تدمر بالصفاح والعمد
انتهى ، وما ذكره في تدمر هو المشهور عند العامة وقد ذكر ذلك الثعالبي في تفسيره مع الأبيات المذكورة لكن في «القاموس » تدمر كتنصر بنت حسان بن أذينة بها سميت مدينتها وهو ظاهر في المخالفة ، ولعل التعويل على ما فيه إن لم يمكن الجمع والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
وقرأ ابن أبي عبلة { غدوتها . وروحتها } على وزن فعلة وهي المرة الواحدة من غدا وراح { وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر } أي النحاس الذائب من قطر يقطر قطراً وقطراناً بسكون الطاء وفتحها ، وقيل الفلزات النحاس والحديد وغيرهما ، وعلى الأول جمهور اللغويين ، وأريد بعين القطر معدن النحاس ولكنه سبحانه أساله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سمي عين القطر باسم ما آل إليه ، وذكر الجلبي أن نسبة الإسالة إلى العين مجازية كما في جري النهر .
وقال الخفاجي : إن كانت العين هنا بمعنى الماء المعين أي الجاري وإضافته كما في لجين الماء فلا تجوز في النسبة وإنما هو من مجاز الأول على أن العين منبع الماء ولا حاجة إليه اه فتأمل .
وقال بعضهم : القطر النحاس وعين بمعنى ذات ومعنى أسلنا أذبنا فالمعنى أذبنا له النحاس على نحو ما كان الحديد يلين لداود عليه السلام فكانت الأعمال تتأتى منه وهو بارد دون نار ولم يلن ولا ذاب لأحد قبله والظاهر المؤيد بالآثار أنه تعالى جعله في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء .
أخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه قال في الآية : أسال الله تعالى له القطر ثلاثة أيام يسيل كما يسيل الماء قيل : إلى أين ؟ قال : لا أدري . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : سيلت له عين من نحاس ثلاثة أيام ، وفي «البحر » عن ابن عباس . والسدي . ومجاهد قالوا : أجريت له عليه السلام ثلاثة أيام بلياليهن وكانت بأرض اليمن ، وفي رواية عن مجاهد أن النحاس سال من صنعاء وقيل : كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام .
{ وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ } يحتمل أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف هو خبر مقدم و { مِنْ } في محل رفع مبتدأ ويحتمل أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً مقدماً من { مِنْ } وهي في محل نصب عطف على { الريح } وجوز أن يكون { مّن الجن } عطفاً على الريح على أن من للتبعيض و { مَن يَعْمَلُ } بدل منه وهو تكلف و { يَعْمَلُ } إما منزل منزلة اللازم أو مفعوله مقدر يفسره ما سيأتي إن شاء الله تعالى ليكون تفصيلاً بعد الإجمال وهو أوقع في النفس { بِإِذْنِ رَبّهِ } بأمره عز وجل { وَمنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } أي ومن يعدل منهم عما أمرناه به من طاعة سليمان عليه السلام . وقرئ { يَزِغْ } بضم الياء من أزاغ مبنياً للفاعل ومفعوله محذوف أي من يمل ويصرف نفسه أو غيره ، وقيل مبنياً للمفعول فلا يحتاج إلى تقدير مفعول { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير } أي عذاب النار في الآخرة كما قال أكثر المفسرين وروي ذلك عن ابن عباس ، وقال بعضهم : المراد تعذيبه في الدنيا .
روي عن السدي أنه عليه السلام كان معه ملك بيده سوط من نار كل ما استعصى عليه جنى ضربه من حيث لا يراه الجني .
وفي بعض الروايات أنه كان يحرق من يخالفه ، واحتراق الجني مع أنه مخلوق من النار غير منكر فإنه عندنا ليس ناراً محضة وإنما النار أغلب العناصر فيه .
ومن باب الإشارة : { ولسليمان الريح } ريح العناية { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } فكان يتصرف بالهمة وقذف الأنوار في قلوب متبعيه من مسافة شهر { وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ } [ سبأ : 12 ] إشارة إلى قوة باطنه حيث انقاد له من جبل على المخالفة وفعل الشرور
{ 12 - 14 } { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ }
لما ذكر فضله على داود عليه السلام ، ذكر فضله على ابنه سليمان ، عليه الصلاة والسلام ، وأن اللّه سخر له الريح تجري بأمره ، وتحمله ، وتحمل جميع ما معه ، وتقطع المسافة البعيدة جدا ، في مدة يسيرة ، فتسير في اليوم ، مسيرة شهرين . { غُدُوُّهَا شَهْرٌ } أي : أول النهار إلى الزوال { وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } من الزوال ، إلى آخر النهار { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ } أي : سخرنا له عين النحاس ، وسهلنا له الأسباب ، في استخراج ما يستخرج منها من الأواني وغيرها .
وسخر اللّه له أيضا ، الشياطين والجن ، لا يقدرون أن يستعصوا عن أمره ، { وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ }
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم ذكر ابنه سليمان عليهما السلام، وما أعطاه الله عز وجل من الخير والكرامة، فقال عز وجل: {و} سخرنا {ولسليمان الريح غدوها شهر} يعني مسيرة شهر...
{وأسلنا له عين القطر} يعني أخرجنا لسليمان عين الصفر...
{ومن الجن من يعمل} وسخرنا لسليمان من الجن من يعمل {بين يديه} بين يدي سليمان {بإذن ربه} يعني رب سليمان عز وجل.
{ومن يزغ منهم} ومن يعدل منهم {عن أمرنا}...
{نذقه من عذاب السعير} الوقود في الدنيا.
ابن كثير: قال مالك عن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: القطر: النحاس.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"وَلِسُلَيْمانَ الرّيحَ":... ولقد آتينا داود منا فضلاً، وسخرنا لسليمان الريحَ...
وقوله: "غُدُوّها شَهْرٌ "يقول تعالى ذكره: وسخرنا لسليمان الريح، غدوّها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر...
وقوله: "وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ "يقول: وأذبنا له عين النحاس، وأجريناها له... وقوله: "وَمِنَ الجِنّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيْهِ بإذْنِ رَبّهِ" يقول تعالى ذكره: ومن الجنّ من يطيعه، ويأتمر بأمره، وينتهي لنهيه، فيعمل بين يديه ما يأمره طاعة له بإذن ربه يقول: بأمر الله بذلك، وتسخيره إياه له.
"وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أمْرِنا" يقول: ومن يزُل ويعدل من الجنّ عن أمرنا الذي أمرناه من طاعة سليمان، "نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السّعِيرِ فِي الآخرة"، وذلك عذاب نار جهنم الموقدة...
المسخر لسليمان كانت ريحا مخصوصة لا هذه الرياح، فإنها لمنافع عامة في أوقات الحاجات ويدل عليه أنه لم يقرأ إلا على التوحيد فما قرأ أحد الرياح.
{عن أمرنا} بلفظ التعظيم الموجب لزيادة الخوف.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{ولسليمان} أي عوضاً من الخيل التي عقرها لله ولما ذكر الريح، أتبعها ما هي من أسباب تكوينه فقال: {وأسلنا له} أي بعظمتنا {عين القطر} أي النحاس أذبناه له حتى صار كأنه عين ماء، وذلك دال على أنه تعالى يفعل في الأرض ما يشاء، فلو أراد لأسالها كلها فهلك من عليها، ولو أراد لجعل بدل الإسالة الخسف والإزالة.
{الجن} أي الذين سترناهم عن العيون من الشياطين وغيرهم.
{من يعمل} ولما كان قد أمكنه الله منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره قال: {بين يديه} ولما كان ربما ظن ظان أن لهم استبداداً بأعمالهم نفاه بقوله:
{بإذن ربه} أي بتمكين المحسن إليه له ولهم بما يريد فعله.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ذلك ما آتاه الله داود -عليه السلام- فأما سليمان فقد آتاه الله أفضالاُ أخرى:
(ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وأسلنا له عين القطر، ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه. ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب. وقدور راسيات. اعملوا آل داود شكراً. وقليل من عبادي الشكور).
وتسخير الريح لسليمان تتكاثر حوله الروايات، وتبدو ظلال الإسرائيليات واضحة في تلك الروايات -وإن تكن كتب اليهود الأصلية لم تذكر شيئا عنها- والتحرج من الخوض في تلك الروايات أولى. والاكتفاء بالنص القرآني أسلم. مع الوقوف به عند ظاهر اللفظ لا نتعداه. ومنه يستفاد أن الله سخر الريح لسليمان، وجعل غدوها أي توجهها غادية إلى بقعة معينة [ذكر في سورة الأنبياء أنها الأرض المقدسة] يستغرق شهراً، ورواحها أي انعكاس اتجاهها في الرواح يستغرق شهراً كذلك. وفق مصلحة تحصل من غدوها ورواحها، يدركها سليمان -عليه السلام- ويحققها بأمر الله.. ولا نملك أن نزيد هذا إيضاحاً حتى لا ندخل في أساطير لا ضابط لها ولا تحقيق.
والقطر النحاس. وسياق الآيات يشير إلى أن هذا كان معجزة خارقة كإلانة الحديد لداود. وقد يكون ذلك بأن فجر الله له عيناً بركانية من النحاس المذاب من الأرض. أو بأن ألهمه الله إذابة النحاس حتى يسيل ويصبح قابلاً للصب والطرق. وهو فضل من الله كبير.
(ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه)..
وكذلك سخر له طائفة من الجن يعملون بأمره بإذن ربه. والجن كل مستور لا يراه البشر. وهناك خلق سماهم الله الجن ولا نعرف نحن من أمرهم شيئاً إلا ما ذكره الله عنهم. وهو يذكر هنا أن الله سخر طائفة منهم لنبيه سليمان -عليه السلام- فمن عصى منهم ناله عذاب الله:
(ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير)..
ولعل هذا التعقيب -قبل الانتهاء من قصة التسخير- يذكر على هذا النحو لبيان خضوع الجن لله. وكان بعض المشركين يعبدهم من دون الله. وهم مثلهم معرضون للعقاب عندما يزيغون عن أمر الله.
وهم مسخرون لسليمان -عليه السلام -:
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف فضيلة سليمان على فضيلة داود للاعتبار بما أوتيه سليمان من فضل كرامةً لأبيه على إنابته ولسليمان على نشأته الصالحة عند أبيه، فالعطف على {لقد آتينا داود منا فضلاً} [سبأ: 10] والمناسبة مثل مناسبة ذكر داود فإن سليمان كان موصوفاً بالإِنابة قال تعالى: {ثم أناب} في سورة ص (34).
ومعنى تسخيره الريح: خلق ريح تلائم سيرَ سفائنه للغزو أو التجارة، فجعل الله لمراسيه في شطوط فلسطين رياحاً موسمية تهبّ شهراً مشرّقة لتذهب في ذلك الموسم سفنه، وتهبّ شهراً مغرّبة لترجع سفنه إلى شواطئ فلسطين، كما قال تعالى: {ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} في سورة الأنبياء (81).
{عذاب السعير}: عذاب النار تشبيه، أي عذاباً كعذاب السعير، أي كعذاب جهنم، وأما عذاب جهنم فإنما يكون حقيقة يوم الحساب.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وذكر كتاب الله في حق داوود اشتغاله بآلة الحرب، بينما ذكر في حق سليمان اشتغاله بمهام السلم؛ لأن ملكه كان موطدا من عهد أبيه.
يعني: كما آتينا داود منّا فضلاً، وكان من هذا الفضل أنْ أوَّبَتْ معه الجبال، وألنَّا له الحديد، كذلك كان من فضل الله على ولده سليمان أنْ طوَّعنا له الريح، وجعلناها تأتمر بأمره.
وسبق أنْ بينَّا أن كلمة الريح إنْ وردت مفردة، فهي في الشر والعذاب، وإنْ جاءت جمعاً دلَّت على الخير والرحمة، واقرأ قوله تعالى:
{وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 41-42] وقال:
{بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24].
وفي الرياح قال: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ..} [الحجر: 22].
وبيان ذلك، أن الريح إنْ كانت مفردة تُعَدّ ريحاً مدمرة؛ لأنها تأتي من ناحية واحدة، والذي يقيم الأشياء ويحفظ توازنها أن الرياح تحيط بها من كل جانب فتستقيم، فالذي يدعم ناطحات السحاب مثلاً الهواء الذي يحيط بها، فإنْ أفرغتَ الهواء من ناحية منها انهارتْ نحو هذه الناحية؛ لذلك كانت الريح الواحدة من جنس العذاب، والرياح من جنس الرحمة، ألاَ ترى الأعاصير تدمر؛ لأنها تأتي من جهة واحدة؟
لكن، هل سخَّر الله تعالى لسليمان الرياح؟ أمْ سخَّر له الريح؟ قالوا: لم تُسخَّر لسليمان الرياح كلها، إنما ريحاً مخصوصة وظَّفها له وطوَّعها لأمره، وهذه الريح أعطتْ سليمان عليه السلام عزَّة ومنعة بحيث لا يَقْوَى أحد على مواجهته أو التصدي له.
لذلك كان هو -عليه السلام- النبي والملك الذي لم يحاربه أحد، ولم يجرؤ أحد على منازعته مُلْكَه ولا نبوته. كيف وفي يده من القوة ما لم يتوفر لغيره، فسلطانه سلطان قَهْر إنْ أراد شيئاً أذعن الجميع لإرادته.
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت دعوته لاستمالة القلوب، لا لإرغام القوالب؛ لذلك خاطبه ربه بقوله:
{إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]...
ثم يذكر الحق سبحانه أمراً آخر مما خصَّ به سليمان عليه السلام: {وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ..} ومعنى {بِإِذْنِ رَبِّهِ..} أن المسألة كلها تسخير من الله لنبيه سليمان، وليس أمراً ذاتياً من عنده.
لذلك قال: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا..} أي: يميل، أو ينحرف عنه، أو يعصاه {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} فأَمْر سليمان للجن من باطن أَمْر الله، ومَنْ يَعْصِ أمره كأنه عَصَى أمرنا.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي ينحرف عن شريعة الله في ما يريد الله للعباد أن يفعلوه أو يتركوه.
{نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} فذلك هو جزاء المنحرفين من العصاة والمتمردين،
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
الملفتُ هنا أنّ الله تبارك وتعالى حينما سخّر للأب جسماً خشناً وصلباً جدّاً وهو الحديد، نرى أنّه قد سخّر للابن موجوداً لطيفاً للغاية، ولكنّ العملين كانا نافعين وإعجازيين، جسم صلب يلين لداود، وأمواج الهواء اللطيفة تجعل محكمة وفعّالة لسليمان!!
والجدير بالملاحظة. هو أنّه لإدارة حكومة كبيرة، ودولة واسعة كدولة سليمان يلزم وجود عوامل عديدة، ولكن أهمّها ثلاثة عوامل ذكرتها الآية أعلاه وهي:
الأوّل: توفّر واسطة نقل سريعة مهيّأة على الدوام، لكي يستطيع رئيس الحكومة تفقّد جميع أطراف دولته بواسطتها.
الثاني: مواد أوّلية يستفاد منها لصناعة المعدّات اللازمة لحياة الناس والصناعات المختلفة.
الثالث: قوّة عاملة فعّالة، تستطيع الإفادة من تلك المواد بدرجة مناسبة، وتصنيعها بالكيفية اللازمة، وسدّ حاجة البلاد من هذه الجهة.
ونرى أنّ الله تعالى قد قيّض لسليمان هذه العناصر الثلاثة، وقد حقّق سليمان منها أحسن الفائدة في ترقية الناس وتعمير البلاد وتحقيق الأمن فيها.
وهذا الموضوع لا يختّص فقط بعصر سليمان (عليه السلام) وحكومته، فالالتفات إليه ومراعاته من الضروريات اليوم وغداً، وفي كلّ مكان لأجل إدارة الدول بطريقة صحيحة.