{ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } معمول لا ذكر ، وإيراد الفعل هنا مبنياً للمفعول جرياً على سنن الكبرياء مع الإيذان بأن الفاعل غني عن التصريح أي اذكر لهم وقت قولنا لأسلافهم { اسكنوا هذه القرية } القريبة منكم وهي بيت المقدس أو أريجاء ، والنصب مبني على المفعولية كسكنت الدار على الظرفية اتساعاً والتعبير بالسكنى هنا للإيذان بأن المأمور به في البقرة الدخول بقصد الإقامة أي أقيموا في هذه القرية { وَكُلُواْ مِنْهَا } أي مطاعمها وثمارها أو منها نفسها على أن من تبعيضية أو ابتدائية { حَيْثُ شِئْتُمْ } أي من نواحيها من غير أن يزاحمكم أحد ؛ وجيء بالواو هنا وبالفاء في البقرة لأنه قيل هناك ادخلوا ذكر التعقيب معه وهنا اسكنوا والسكنى أمر ممتد والأكر معه لا بعده ، وقيل : إن إذا تفرع المسبب عن السبب اجتمعا في الوجود فيصح الاتيان بالواو والفاء ، وفيه أن هذا إنما يدل على صحة العبارتين وليس السؤال عن ذلك ، وذكر { رَغَدًا } [ البقرة : 58 ] هناك لأن الأكل في أول الدخول يكون ألذ وبعد السكنى واعتباره لا يكون كذلك وقيل : إنه اكتفى بالتعبير باسكنوا عن ذكره لأن الأكل المستمر من غير مزاحم لا يكون إلا رغداً واسعاً ، وإلى الأول ذهب صاحب اللباب ، ويرد على القولين أنه ذكر { رَغَدًا } [ البقرة : 35 ] مع الأمر بالسكنى في قصة آدم عليه السلام ، ولعل الأمر في ذلك سهل { وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّدًا } مر الكلام فيه في البقرة غير أن ما فيها عكس ما هنا في التقديم والتأخير ولا ضير في ذلك لأن المأمور به هو الجمع بين الأمرين من غير اعتبار الترتيب بينهما ، وقال القطب : فائدة الاختلاف التنبيه على حسن تقديم كل من المذكورين على الآخر لأنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى وإظهار الخشوع والخشوع لم يتفاوت الحال في التقديم والتأخير { نَّغْفِرْ لَكُمْ } جزم في جواب الأمر . وقرأ نافع . وابن عامر . ويعقوب { لَّمْ تَغْفِرْ } بالتاء والبناء للمفعول و { *خطيآتكم } بالرفع والجمع غير ابن عامر فإنه وحد ، وقرأ أبو عمرو { لَكُمْ خطاياكم } كما في صورة [ البقرة : ] ، وبين القطب فائدة الاختلاف بين ما هناك وبين ما هنا على القراءة المشهورة بأنها الإشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهي مغفور بعد الاتيان بالمأمور به ، وطرح الواو هنا من قوله سبحانه وتعالى : { سَنَزِيدُ المحسنين } إشارة إلى أن هذه الزيادة تفضل محض ليس في مقابلة ما أمروا به كما قيل .
والمراد أن امتثالهم جازاه الله تعالى بالغفران وزاد عليه وتلك الزيادة فضل محض منه تعالى فقد يدخل في الجزاء صورة لترتبه على فعلهم وقد يخرج عنه لأن زيادة على ما استحقوه ، ولذا قرن بالسين الدالة على أنه وعد وتفضل ، ومفعول نزيد محذوف أي ثواباً وزيادة منهم في قوله تعالى شأنه :
( 161 ) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ أي : ادخلوها لتكون وطنا لكم ومسكنا ، وهي ( إيلياء ) وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ أي : قرية كانت كثيرة الأشجار ، غزيرة الثمار ، رغيدة العيش ، فلذلك أمرهم اللّه أن يأكلوا منها حيث شاءوا .
وَقُولُوا حين تدخلون الباب : حِطَّةٌ أي : احطط عنا خطايانا ، واعف عنا .
وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أي : خاضعين لربكم مستكينين لعزته ، شاكرين لنعمته ، فأمرهم بالخضوع ، وسؤال المغفرة ، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال : نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ من خير الدنيا والآخرة ،
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضا يا محمد من خطأ فعل هؤلاء القوم وخلافهم على ربهم وعصيانهم نبيهم موسى عليه السلام وتبديلهم القول الذي أمروا أن يقولوه حين قال الله لهم:"اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ" وهي قرية بيت المقدس، "وكُلُوا مِنْها "يقول: من ثمارها وحبوبها ونباتها، "حَيْثُ شِئْتُمْ" منها يقول: أنى شئتم منها، "وَقُولُوا حِطّةٌ" يقول: وقولوا: هذه الفعلة حطة تحطّ ذنوبنا، "نَغْفِرْ لَكُمْ": يتغمد لكم ربكم ذنوبكم التي سلفت منكم، فيعفو لكم عنها، فلا يؤاخذكم بها. "سَنزِيدُ المُحْسِنِينَ" منكم، وهم المطيعون لله، على ما وعدتكم من غفران الخطايا.
وقد ذكرنا الروايات في كل ذلك باختلاف المختلفين والصحيح من القول لدينا فيه فيما مضى بما أغني عن إعادته.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
قوله تعالى:"وادخلوا الباب سجدا" يعني متواضعين، وكانوا أمروا بأن يدخلوا بابا منه معينا في هذا الموضع كانوا فيه -في قول الجبائي- وقال ذلك قبل دخلوهم إلى بيت المقدس. وقوله "وقولوا حطة "معناه قولوا حط عنا ذنوبنا وهو بمنزلة الاستغفار والتوبة. وقوله "نغفر لكم خطاياكم" جواب الأمر وفيه معنى الجزاء. والتقدير أنكم إن فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم. وقوله "سنزيد المحسنين" معناه سنزيد المحسنين منكم نعما وفضلا في الدنيا والآخرة، ولا نقتصر لهم على نعم هذه القرية.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود، وما حصل منهم من نقض العهود. وعما ألزمهم من التكليف، ولقَّاهم به من صنوف التعريف، وإكرامه من شاءَ منهم بالتوفيق والتصديق، وإذلاله من شاء منهم بالخذلان وحرمان التحقيق، ثم ما عاقبهم به من فنون البلاء فما لقوا تعريفاً، وأذاقهم من سوء الجزاء، حُكْماً -من الله- حتما، وقضاء جزماً.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر ما حباهم بهم في القفار، أتبعه إنعامه عليهم عند الوصول إلى الدار فقال: {وإذ} أي اذكر لهم هذا ليصدقوك أو يصيروا في غاية الظلم كأصحاب السبت فيتوقعوا مثل عذابهم، واذكر لهم ما لم تكن حاضره ولا أخذته عنهم، وهو وقت إذ، وعدل عن الإكرام بالخطاب ونون العظمة، لأن السياق للإسراع في الكفر فقال: {قيل لهم اسكنوا} أي ادخلوا مطمئنين على وجه الإقامة، ولا يسمى ساكناً إلا بعد التوطن بخلاف الدخول، فإنه يكون بمجرد الولوج في الشيء على أيّ وجه كان... ولما خلت نعمة الأكل في هذا السياق عما دعا إليه سياق البقرة من التعقيب وهو الاستعطاف، ذكرت بالواو الدالة على مطلق الجمع، وهي لا تنافي تلك، فقال: {وكلوا منها} أي القرية {حيث شئتم} وأسقط الرغد لذلك، وقدم {وقولوا حطة} ليكون أول قارع للسمع مما أمروا به من العبادة مشعراً بعظيم ما تحملوه من الآثام، إيذاناً بما سيقت له هذه القصص في هذه السورة من المقام. ولما أمروا بالحطة قولاً، أمروا أن يشفعوها بفعل، لتحط عنهم ذنوبهم، ولا ينافي التقديم هنا التأخير في البقرة، لأن الواو لا ترتب، فقال: {وادخلوا الباب} أي باب بيت المقدس حال كونكم {سجداً نغفر لكم} ولما كان السياق هنا لبيان إسراعهم في الكفر، ناسب ذلك جمع الكثرة في قوله: {خطاياكم} في قراءة أبي عمرو، وأما قراءة ابن عامر {خطيتكم} بالإفراد وقراءة غيرهما {خطياتكم} جمع قلة فللإشارة إلى أنها قليل في جنب عفوه تعالى، وكذا بناء {نغفر} للمجهول تأنيثاً وتذكيراً، كل ذلك ترجية لهم واستعطافاً إلى التوبة، ولذلك ساق سبحانه ما بعده مساق السؤال لمن كأنه قال: هذا الرجاء قد حصل، فهل مع المغفرة من كرامة؟ فقال: {سنزيد} أي بوعد لا خلف فيه عن قريب، وهو لا ينافي إثبات الواو في البقرة {المحسنين} أي العريقين في هذا الوصف،...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
أي: ادخلوها لتكون وطنا لكم ومسكنا، وهي (إيلياء) وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ أي: قرية كانت كثيرة الأشجار، غزيرة الثمار، رغيدة العيش، فلذلك أمرهم اللّه أن يأكلوا منها حيث شاءوا. "وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا "أي: خاضعين لربكم مستكينين لعزته، شاكرين لنعمته، فأمرهم بالخضوع، وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال: "نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ" من خير الدنيا والآخرة،
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والآن فلننظر كيف تلقى بنو إسرائيل رعاية الله لهم؛ وكيف سارت خطواتهم الملتوية على طول الطريق:
(وإذ قيل لهم: اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا: حطة، وأدخلوا الباب سجداً، نغفر لكم خطيئاتكم، سنزيد المحسنين. فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم، فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون)..
لقد عفا الله عنهم بعد اتخاذهم العجل؛ وعفا عنهم بعد الرجفة على الجبل. ولقد أنعم عليهم بكل تلك النعم.. ثم ها هم أولاء تلتوي بهم طبيعتهم عن استقامة الطريق! ها هم أولاء يعصون الأمر، ويبدلون القول! ها هم أولاء يؤمرون بدخول قرية بعينها -أي مدينة كبيرة- لا يعين القرآن اسمها -لأنه لايزيد في مغزى القصة شيئاً- وتباح لهم خيراتها جميعاً، على أن يقولوا دعاء بعينه وهم يدخلونها؛ وعلى أن يدخلوا بابها سجداً، إعلان للخضوع لله في ساعة النصر والاستعلاء -وذلك كما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عام الفتح ساجداً على ظهر دابته- وفي مقابل طاعة الأمر يعدهم الله أن يغفر لهم خطيئاتهم وأن يزيد للمحسنين في حسناتهم..