{ وَإِذْ قَالَتِ } عطف على { إذ يعدون } [ الأعراف : 163 ] مسوق لبيان تماديهم في العدوان وعدم انزجارهم عنه بعد العظات والإنذارات .
قال العلامتان الطيبي والتفتازاني : ولا يجوز أن يكون معطوفاً على { إذ تأتيهم } [ الأعراف : 163 ] وإن كان أقرب لفظاً لأنه إما بدل أو ظرف فيلزم أن يدخل هؤلاء القائلون في حكم أهل العدوان وليس كذلك ، وهذا على ما قيل على تقدير الظرفية ظاهر ، وأما على تقدير الإبدال فلأن البدل أقرب إلى الاستقلال ، واستظهر في بيان وجه ذلك ان زمان القول بعد زمان العدوان ومغاير له واعتبار كونه ممتدا كسنة مثلا يقع فيه ذلك كله تكلف من غير مقتض ، والقول بأن العطف على ذاك يشعر أو يوهم أن القائلين من العادين في السبت لا من مطلق أهل القرية فيه ما فيه { أُمَّةٌ مّنْهُمْ } أي جماعة من صلحائهم الذين لم يألوا جهداً في عظتهم حين يئسوا من احتمال القبول لآخرين لم يقلعوا عن التذكير رجاء النفع والتأثير { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ } أي مستأصلهم بالكلية ومطهر وجه الأرض منهم { أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } دون الاستئصال بالمرة ، وقيل مهلكهم في الدنيا أو معذبهم في الآخرة لعدم إقلاعهم عما هم عليه من الفسق والترديد لمنع الخلو على هذا ، وإيثار صيغة اسم الفاعل في الشقين للدلالة على تحقق كل من الاهلاك والتعذيب وتقررهما البتة كأنهما واقعان ، وإنما قالوا ذلك مبالغة في أن الوعظ لا ينجع فيهم إذ المقصود لا تعظوا أو أتعظون فعدل عنه إلى السؤال عن السبب لاستغرابه لأن الأمر العجيب لا يدري سببه أو سؤالا عن حكمة الوعظ ونفعه ، وقيل : إن هذا تقاول وقع بين الصلحاء الواعظين كأنه قال بعضهم لبعض : لم نشتغل بما لا يفيد ، ويحتمل على كلا القولين أن ذلك صدر من القائل بمحضر من القوم فيكون متضمناً لحثهم على الاتعاظ فإن بت القول بهلاكهم أو عذابهم مما يلقي في قلوبهم الخوف والخشية ، وقيل قائلو ذلك المعتدون في السبت قالوا : تهكما بالناصحين المخوفين لهم بالهلاك والعذاب ، وفيه بعد كما ستقف عليه قريباً إن شاء الله تعالى { قَالُواْ } أي المقول لهم ذلك { مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ } أي نعظهم معذرة إليه تعالى على أنه مفعول له وهو الأنسب بظاهر قولهم : لم تعظون أو نعتذر معذرة على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف ، وقيل : هو مفعول به للقول وهو وإن كان مفرداً في معنى الجملة لأنه الكلام الذي يعتقذر به . والمعذرة في الأصل بمعنى العذر وهو التنصل من الذنب ، وقال الأزهري : إنه بمعنى الاعتذار ، وعداه بإلى لتضمنه معنى الانهاء والإبلاغ ، وفي إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين نوع تعريض بالسائلين ، وهذا الجواب على القولين الأولين ظاهر وعلى الأخير قيل إنه من تلقى السائل بغير ما يترقب فهو من الأسلوب الحكيم ، وقرأ من عدا حفص .
والمفضل { مَعْذِرَةً } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي موعظتنا معذرة إليه تعالى حتى لا ننسب إلى نوع تفريط في النهي عن المنكر { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } عطف على معذرة أي ورجاء أن يتقوا بعض التقاة فإن اليأس المحقق لا يحصل إلا بالهلاك ، قال شيخ الإسلام : وهذا صريح في أن القائلين لم تعظون الخ ليسوا من الفرقة الهالكة وإلا لوجب الخطاب ا ه .
وقد يوجه ذلك على ذلك القول بأنه التفات أو مشاكلة لتعبيرهم عن أنفسهم في السؤال بقوم وإما لجعله باعتبار غير الطائفة القائلين إلا أن كل ذلك خلاف الظاهر .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مّنْهُمْ } وهي القلب وأتباعه للأمة الواعظة وهي الروح وأتباعها { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا } وهم النفس الأمارة وقواها { الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } على { قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى ربكم } أي نعظهم معذرة إليه تعالى وذلك أنا خلقنا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكرة فنريد أن نقضي ما علينا ليظهر أنا ما تغيرنا عن أوصافنا { ولعلهم يتقون } [ الأعراف : 164 ] لأنهم قابلون لذلك بحسب الفطرة فلا نيأس من تقواهم
( 164 ) معظمهم اعتدوا وتجرؤوا ، وأعلنوا بذلك .
وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم .
وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم ، ونهيهم لهم ، وقالوا لهم : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا كأنهم يقولون : لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه ، ولم يصغ للنصيح ، بل استمر على اعتدائه وطغيانه ، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه ، إما بهلاك أو عذاب شديد .
فقال الواعظون : نعظهم وننهاهم مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي : لنعذر فيهم .
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي : يتركون ما هم فيه من المعصية ، فلا نيأس من هدايتهم ، فربما نجع فيهم الوعظ ، وأثر فيهم اللوم .
وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة ، وإقامة حجة على المأمور المنهي ، ولعل اللّه أن يهديه ، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر ، والنهي .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإذ قالت أمة منهم}، يعني عصابة منهم... للواعظة، {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا}، وذلك أن الواعظة نهوهم عن الحيتان، وخوفوهم فلم ينتبهوا، فردت عليهم الواعظة، {قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم}، يعني ولكي ينتهوا فيؤخروا أو يعذبوا فينجوا، {ولعلهم}، يعني ولكي {يتقون} المعاصي.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضا يا محمد، "إذ قالت أمة منهم": جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت وتنهاهم عن معصية الله فيه: "لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكهُمْ "في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرّم عليهم. "أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا" في الاَخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم: عظتنا إياهم "مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ" نؤدّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، "وَلَعَلّهُمْ يَتّقونَ" يقول: ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعدّيه على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: "قالُوا مَعْذِرَةً" فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والكوفة والبصرة: «مَعْذِرَةٌ» بالرفع على ما وصفت من معناها. وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة: "مَعْذِرَةً" نصبا، بمعنى: إعذارا وعظناهم وفعلنا ذلك.
واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: "لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ" هل كانت من الناجية أم من الهالكة؟ فقال بعضهم: كانت من الناجية، لأنها كانت من الناهية الفرقةَ الهالكة عن الاعتداء في السبت... وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: "لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ" كانت من الفرقة الهالكة... قال ابن عباس: كانوا أثلاثا: ثلث نهوا، وثلث قالوا: "لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ"، وثلث أصحاب الخطيئة. فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم...عن ابن عباس: "أنْجَيْنا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السّوءِ..." قال ابن عباس: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وفي ذلك دليل على أنه يجب النهي عن القبيح وإن علم الناهي أن المنهي لا ينزجر ولا يقبل، وأن ذلك هو الحكمة والصواب الذي لا يجوز غيره.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{أُمَّةٌ مّنْهُمْ} جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم، حتى أيسوا من قبولهم، لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ} أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم {أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} لتماديهم في الشرّ. وإنما قالوا ذلك، لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم {قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ} أي: موعظتنا إبلاء عذر إلى الله، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التفريط {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ولطمعنا في أن يتقوا بعض الاتقاء.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق، فرقة عصت وصادت، وفرقة نهت وجاهرت وتكلمت واعتزلت، وفرقة اعتزلت ولم تعص ولم تنه، وإن هذه الفرقة لما رأت مجاهرة الناهية وطغيان العاصية وعتوها قالت للناهية {لم تعظون قوماً} يريدون العاصية {الله مهلكهم أو معذبهم} على غلبة الظن وما عهد من فعل الله حينئذ بالأمم العاصية، فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى الله، ثم اختلف بعد هذا فقالت فرقة إن الطائفة التي لم تعص ولم تنه هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي، قاله ابن عباس، وقال أيضاً: ما أدري ما فعل بهم، وقالت فرقة بل نجت مع الناهية لأنها لم تعص ولا رضيت قاله عكرمة والحسن وغيرهما...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
أي واسألهم عن حال أهل تلك القرية في الوقت الذي قالت أمة وجماعة منهم كيت وكيت. تدل هذه الآية على أن الذين كانوا يعدون في السبت بعض أهل القرية لا كلهم وأن أهلها كانوا ثلاث فرق: فرقة العادين التي أشير إليها في الآية الأولى، وفرقة الواعظين الذين نهوا العادين عن العدوان، ووعظوهم ليكفوا عنه وهي التي أشير إليها في هذه الآية. وفرقة اللائمين للواعظين التي قالت لهم: لم تعظون قوما قضى الله عليهم بالهلكة أو العذاب الشديد، فهو إما مهلكهم بالاستئصال، أو بعذاب شديد دون الاستئصال، أو المعنى مهلكهم في الدنيا ومعذبهم في الآخرة- وأيا ما كان المراد ف "أو "هنا هي المانعة للخلو من وقوع أحد الجزاءين، لا المانعة لجمعهما، فهي لا تنفي اجتماعهما. وفي الآية من الإيجاز البليغ ما لا يوجد نظيره في غير القرآن.
{قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} أي قال الواعظون للائمين: نعظهم وعظ عذر نعتذر به إلى ربكم عن السكوت على المنكر وقد أمرنا بالتناهي عنه، ورجاء في انتفاعهم بالموعظة، وحملها لهم على اتقاء الاعتداء الذي اقترفوه. أي فنحن لم نيأس من رجوعهم إلى الحق يأسكم.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل اللّه أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(قالوا: معذرة إلى ربكم، ولعلهم يتقون).. فهو واجب لله نؤديه: واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتخويف من انتهاك الحرمات، لنبلغ إلى الله عذرنا، ويعلم أن قد أدينا واجبنا. ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
الوعظ: بيان الحق مقارنا بمغبة الباطل ذاكرا ما ترتب على الباطل من أذى لأهله وهلاك لمن استمسكوا بالباطل استمساكا وتركوا الحق وانحرفوا عنه، والعاقل من اتعظ والجاهل من [لا] يأبه ولا يتعظ...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ}، لنعذر إلى الله بأننا قد قمنا بواجبنا في تجربة الدعوة إليه، وفي الإعلان عن رفضنا لهذا الخط المنحرف بطريقة إيجابيّة في سبيل التغيير... وربما كان في كلمة «ربكم» بدلاً من كلمة «ربنا» بعض الإيحاء لهؤلاء المعترضين بأن المسألة ليست مسألتنا، فلا بد لكم أن تقدموا العذر إلى ربكم في الموقف، كما يجب أن نقدمه إليه في أسلوبنا العملي، لأنه ربنا وربكم...
[...] {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فإذا كان هناك احتمالٌ واحدٌ للوصول إلى نتيجةٍ إيجابيةٍ في خط التقوى لديهم، فيجب أن يُلاحَقَ في تجربةٍ عمليةٍ واعيةٍ، لأن من الممكن أن تنجح التجربة الأخيرة في ما لم تنجح فيه التجارب السابقة، مما لا يجعل مجالاً لليأس... ثم ما معنى أن يفكر الدعاة إلى الله في الانسحاب من الساحة أمام عوامل اليأس، في الوقت الذي تفرض عليهم فيه الدعوة محاربة كل هذه العوامل السلبيّة، ومواجهتها بصبرٍ وثبات، ليفتحوا في داخلها عناصر الأمل...