روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ} (16)

{ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي من قدامه وبين يديه كما قال الزجاج . والطبري . وقطرب . وجماعة ، وعلى ذلك قوله( {[485]} ) :

أليس ورائي إن تراخت منيتي . . . لزوم العصا نحنيي عليها الأصابع

ومعنى كونها قدامه أنه مرصد لها واقف على شفيرها ومبعوث إليها ، وقيل : المراد من خلف حياته وبعدها ، ومن ذلك .

قوله :

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة . . . وليس وراء الله للمرء مذهب

وإليه ذهب ابن الأنباري ، واستعمال { وَرَاء } في هذا وذاك بناء على أنها من الأضداد عند أبي عبيدة والأزهري فهي من المشتركات اللفظية عندهما . وقال جماعة : إنها من المشتركات المعنوية فهي موضوعة لأمر عام صادق على القدام والخلف وهو ما توارى عنك . وقد تفسر بالزمان مجازاً فيقال : الأمر من ورائك على معنى أنه سيأتيك في المستقيل من أوقاتك { ويسقى } قيل عطف على متعلق { مِّن وَرَائِهِ } المقدر ، والأكثر على أنه عطف على مقدر جواباً عن سؤال سائل كأنه قيل : فماذا يكون إذن ؟ فقيل : يلقى فيها ما يلقى ويسقى { مِن مَّاء } مخصوص لا كالمياه المعهودة { صَدِيدٍ } قال مجاهد . وقتادة . والضحاك هو ما يسيل من أجساد أهل النار ، وقال محمد بن كعب . والربيع : ما يسيل من فروج الزناة والزواني ، وعن عكرمة هو الدم والقيح ؛ وأعربه الزمخشري عطف بيان لماء . وفي إبهامه أولاً ثم بيانه من التهويل ما لا يخفى ، وجواز عطف البيان في النكرات مذهب الكوفيين . والفارسي ، والبصريون لا يرونه وعلى مذهبهم هو بدل من { مَاء } أن أعتبر جامداً أو نعت أن أعتبر فيه الاشتقاق من الصد أي المنع من الشرب كأن ذلك الماء لمزيد قبحه مانع عن شربه ، وفي «البحر » قيل : إنه بمعنى مصدود عنه أي لكراهته يصد عنه ، وإلى كونه نعتاً ذهب الحوفي وكذا ابن عطية قال : وذلك كما تقول : هذا خاتم حديد ، وإطلاق الماء على ذلك ليس بحقيقة وإنما أطلق عليه باعتبار أنه بدله ، وقال بعضهم : هو نعت على إسقاط مفيد التشبيه كما تقول مررت برجل أسد ، والتقدير مثل صديد وعلى هذا فإطلاق الماء عليه حقيقة ، وبالجملة تخيص السقي من هذا الماء بالذكر من بين عذابها يدل على أنه من أشد أنواعه .


[485]:- وقوله: أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقوم تميم والفلاة ورائيا عسى الكرب الذي أمسيت فـــيـــه يكون وراءه فرج قريب
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ} (16)

وقوله { مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ } صفة لجبار عنيد .

والمراد بقوله : { مِّن وَرَآئِهِ } أى : من أمامه ، أو من بعد هلاكه .

أى : من أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم ، تنتظر ليحل بها ، بسبب كفرة وظلمه .

قال صاحب أضواء البيان : قوله { مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ . . . } الوراء هنا بمعنى الأمام كما هو ظاهر ، ومنه قوله - تعالى - { وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } أى : وكان أمامهم ملك . . ومنه قول الشاعر :

أترجو بنو مروان سمعى وطاعتى . . . وقومى تميم والفلاة ورائيا

أى : والفلاة أماميا .

وقال بعضهم : قوله { مِّن وَرَآئِهِ } أى من بعد هلاكه ، ومنه قول النابغة :

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة . . . وليس وراء الله للمرء مذهب

أى : وليس بعد الله للمرء مذهب ، والأول هو الظاهر هو الحق .

وعلى أية حال فإن الجملة الكريمة تدل على أن جنهم تنتظر هذا الجبار العنيد ، وتترصد له ، وتتبعه حيث كان ، بحيث لا يستطيع الفرار منها ، أو الهرب عنها .

وجملة { ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ } معطوفة على مقدر ، أى : من ورائه جهنم يلقى فيها مذءوماً مدحوراً ، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة ، هو الصديد ، أى ما يسيل من أجساد هذا النار من دم مختلط بقيح ، واشتقاقه من الصد ، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته . وهو بدل أو عطف بيان من ماء .