الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ} (16)

و { مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ } : جملةٌ في محل جَرٍّ صفةً ل " جبارٍ " . ويجوز أَنْ تكونَ الصفةُ وحدَها الجارِّ ، و " جهنمُ " فاعلٌ به . وقوله : " ويُسْقََى " صفةٌ معطوفةٌ على الصفةِ قبلَها ، جملةٌ فعلية على اسمية . وإنْ جَعَلْتَ الصفةَ من الجارِّ وحدَه ، وعَلَّقْته بفعلٍ كان من عطفِ فعليةٍ على فعلية . وقيل : عطفٌ على محذوفٍ ، أي : يُلْقَى فيها ويُسْقَى .

و " وراء " هنا على بابها . وقيل : بمعنى " أمام " فهو من الأضداد ، وهذا عنى الزمخشري بقوله : " منْ بين يديه " وأنشد :

عَسَى الكربُ الذي أَمْسَيْتُ فيه *** يكون وراءَه فَرَجٌ قريبُ

وهو قولُ أبي عبيدة وقطرب وابن جرير . وقال الآخَرُ في ذلك :

أيَرْجُو بنو مروانَ سَمْعي وطاعتي *** وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائِيا

أي : قُدَّامي . وقال آخر :

أليس ورائي إنْ تراخَتْ مَنِيَّتي *** لُزومُ العَصَا تُحْنى عليها الأَصابعُ

وقال ثعلب : " هو اسمٌ لِما توارَى عنك ، سواءً كان خلفَكَ أم قدَّامك " .

قوله : { مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ } في " صديد " ثلاثةُ أوجهٍ . أحدُها : أنه نعتٌ ل " ماء " وفيه تأويلان ، أحدهما : أنه على حَذْفِ أداة التشبيه ، أي : ماءٍ مثلِ صديد ، وعلى هذا فليس الماءُ الذي يَشْرَبونه صَديداً ، بل مثلُه . والثاني : أنَّ الصديدَ لَمَّا كان يُشبه الماءَ أُطْلِقَ عليه ماءٌ ، وليس هو ماءً حقيقةً ، وعلى هذا فيكونون يشربون نفسَ الصديد المُشْبِهِ للماء . وهو قول ابن عطية . وإلى كونِه صفةً ذَهَبَ الحوفيُّ وغيره . وفيه نظرٌ ؛ إذ ليس بمشتقٍ ، إلا على مَنْ فسَّره بأنه صَدِيدٌ بمعنى مَصْدود ، أخذه مِن الصَّدِّ ، فكأنه لكراهيِتِه مَصْدودٌ عنه ، أي : يَمْتنع عنه كلُّ أحدٍ .

الثاني : أنه عطفُ بيانٍ ، وإليه ذهب الزمخشريُّ ، وليس مذهبَ البصريين جريانُه في النكرات ، إنما قال به الكوفيون ، وتَبعهم الفارسيُّ أيضاً .

الثالث : أن يكونَ بدلاً . وأعرب الفارسيُّ " زَيتونةٍ " مِنْ قولِه : " [ بُوْقَدُ ] مِنْ شجرةٍ مباركةٍ زَيْتُونةٍ " عطفَ بيان أيضاً .

والصَّديدُ : ماءٌ يسيل مِنْ أجساد أهل النار . وقيل : ما حالَ بين الجلدِ واللحمِ مِنَ القَيْحِ .