روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} (25)

{ لِيَحْمِلُواْ } متعلق ب { قالوا } كما هو الظاهر أي قالوا ذلك لأن يحملوا { أَوْزَارَهُمْ } أي آثامهم الخاصة بهم وهي آثام ضلالهم ، وهو جمع وزر ويقال للثقل تشبيهاً بوزر الجبل ، ويعبر بكل منهما عن الإثم كما في هذه الآية ، وقوله تعالى ليحملوا أثقالهم : { كَامِلَةٌ } لم ينقص منها شيء ولم يكفر بنحو نكبة تصيبهم في الدنيا أو طاعة مقبولة فيها كما تكفر بذلك أوزار المؤمنين ، وقال الإمام : معنى ذلك أنه لا يخفف من عذابهم شيء بل يوصل إليه بكليته ، وفيه دليل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً للكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار به فائدة ، وحمل الأوزار مجاز عن العقاب عليها . وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه بلغه أن الكافر يتمثل عمله في صورة أقبح ما خلق الله تعالى وجهاً وأنتنه ريحاً فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء زاده وكلما يخاف شيئاً زاده خوفاً فيقول : بئس الصاحب أنت ومن أنت ؟ فيقول : وما تعرفني ؟ فيقول : لا . فيقول : أنا عملك كان قبيحاً فلذلك تراني قبيحاً وكان منتناً فلذلك تراني منتناً طاطىء إلى أركبك فطالما ركبتني في الدنيا فيركبه وهو قوله تعالى : { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً } { يَوْم القيامة } ظرف ليحملوا { وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ } أي وبعض أوزار من ضل بإضلالهم على معنى ومثل بعض أوزارهم فمن تبعيضية لأن مقابلته لقوله تعالى : { كَامِلَةٌ } يعين ذلك .

والمراد بهذا البعض حصة التسبب فالمضل والضال شريكان هذا يضله وهذا يطاوعه فيتحاملان الوزر وللضال أوزار غير ذلك وليست تلك محمولة ، وقال الأخفش : إن { مِنْ } زائدة أي وأوزار الذين يضلونهم على معنى أنهم يعاقبون عقاباً يكون مساوياً لعقاب كل من اقتدى بهم ، وإلى الزيادة ذهب أبو البقاء واعترض على التبعيض بأنه يقتضي أن المضل غير حامل كل أوزار الضال وهو مخالف للمأثور «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً » وفيه أن المأثور يدل على التبعيض لا أن بينهما مخالفة كما لا يخفى ، ولتوهم هذه المخالفة قال الواحدي : إن من للجنس أي ليحملوا من جنس أوزار الاتباع ، وتعقبه أبو حيان بأن من التي لبيان الجنس لا تقدر بما ذكر وإنما تقدر بقولنا الأوزار التي هي أوزار الذين يضلونهم فيؤل من حيث المعنى إلى قول الأخفش وإن اختلفا في التقدير ، ولام { لِيَحْمِلُواْ } للعاقبة لأن الحمل مترتب على فعلهم وليس باعثاً ولا غرضاً لهم ، وعن ابن عطية أنها تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا أي قدر صدور ذلك ليحملوا ، ويجىء حديث تعليل أفعال الله تعالى بالإغراض وأنت تدري أن فيه خلافاً .

وجوز في «البحر » كونها لام الأمر الجازمة على معنى أن ذلك الحمل متحتم عليهم فيتم الكلام عند قوله سبحانه : { أساطير الاولين } [ النحل : 24 ] والظاهر العاقبة ، وصيغة الاستقبال في { يُضِلُّونَهُمْ } للدلالة على استمرار الإضلال أو باعتبار حال قولهم لا حال الحمل .

{ بِغَيْرِ عِلْمٍ } حال من المفعول كأنه قيل : يضلون من لا يعلم أنهم ضلال على الباطل ، وفيه تنبيه على أن كيدهم لا يروج على ذي لب وإنما يقلدهم الجهلة الأغبياء وفيه زيادة تعيير لهم وذم إذ كان عليهم إرشاد الجاهلين لا إضلالهم ، وقيل : إنه حال من الفاعل أي يضلون غير عالمين بأن ما يدعون إليه طريق الضلال ، وقيل : المعنى حينئذٍ يضلون جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ، ونقل القول بالحالية عن الفاعل بنحو هذا المعنى عن الواحدي ، وزعم بعضهم أنه الوجه لا الحالية من المفعول ، وأيد بأن التذييل بقوله تعالى : { أَلاَ سَآء مَا * يزرَوْنَ } وقوله سبحانه : { مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } [ النحل : 26 ] يقويه ، وليس بذاك ، وما ذكر ظن من هذا المؤيد أنه إذا جعل حالاً من المفعول لم يكن له تعلق بما سيق له الكلام من حال المضلين وقد هديت إلى وجهه .

ورجحه أبو حيان بأن المحدث عنه هو المسند إليه الإضلال على جهة الفاعلية فاعتباره ذا الحال أولى ، ويرد عليه مع ما يعلم مما ذكر أن القرب يعارضه فلا يصلح مرجحاً ، وقيل : هو حال من ضمير الفاعل في { قَالُواْ } [ النحل : 24 ] على معنى قالوا ذلك غير عالمين بأنهم يحملون يوم القيامة أوزار الضلال والإضلال ؛ وأيد بقوله تعالى : { وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } [ النحل : 26 ] من حيث أن حمل ما ذكر من أوزار الضلال والإضلال من قبيل إتيان العذاب من حيث لا يشعرن ، ويرده أن الحمل المذكور كما هو صريح الآية إنما هو يوم القيامة والعذاب المذكور إنما هو العذاب الدنيوي كما ستسمعه إن شاء الله تعالى وجوز أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول كما قال ذلك ابن جني في قوله : { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } [ مريم : 27 ] وهو خلاف الظاهر ، واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث ويميز بين المحق والمبطل ولا يعذر بالجهل ، وهو ظاهر على ما قدمناه من الوجه الأوجه { أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } أي بئس شياً يزرونه ويرتكبونه من الإثم فعلهم المذكور .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} (25)

ثم بين - سبحانه - عاقبة كفرهم ، ونطقهم بالباطل ، فقال - تعالى - : { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة . . . } .

واللام فى قوله - { ليحملوا } هى التى تسمى بلام العاقبة ، وذلك لأنهم لما وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، كانت عاقبتهم تلك العاقبة السيئة .

والأوزار جمع وزر - بكسر الواو وسكون الزاى - بمعنى الشئ الثقيل .

المراد بها الذنوب والآثام التى يقل حملها على صاحبها يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } والمعنى : قالوا ذلك فى القرآن الكريم ، لتكون عاقبتهم أن يحملوا أوزارهم كاملة غير منقوصة يوم القيامة .

قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله { ليحملوا } متعلق - بقالوا - كما هو الظاهر . . واللام للعاقبة ، لأن الحمل مترتب على قولهم وليس باعثا ولا غرضا لهم .

وعن ابن عطية : أنها تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا ، أى : قدر صدور ذلك منهم ليحملوا . . .

وقال - سبحانه - { كاملة } لتأكيد أنه لا يرفع عنهم شئ من ذنوبهم ، بل سيعاقبون عليها جميعها دون أن ينقص منها شئ .

قال الفخر الرازى : وهذا يدل على أن الله - تعالى - قد يسقط بعض العقاب على المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا فى حق الكل ، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى . . .

وقال بعض العلماء : " ويصور التعبير هذه الذنوب بكونها أحمالا ذات ثقل - وساءت أحمالا وأثقالا - ، فهى توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور ، وهى تثقل القلوب ، كما تثقل الأحمال العواتق ، وهى تتعب وتشقى كما تتعب الأثقال حاملها ، بل هى أدهى وأنكى " .

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله فى صورة أقبح ما خلق الله وجها ، وأنتنه ريحا ، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شئ زاده فزعا ، وكلما تخوف من شئ زاده خوفا . فيقول له بئس الصاحب أنت ومن أنت ؟ فيقول له وما تعرفنى ؟ فيقول : لا . فيقول : أنا عملك كان قبيحا فلذلك ترانى قبيحا ، وكان منتنا فلذلك ترانى منتنا . طأطئ إلى أركبك ، فطالما ركبتنى فى الدنيا ، فيركبه ، وهو قوله - تعالى - { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة . . } .

وقوله : { وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } بيان لأثقال أخرى يحملونها فوق أثقالهم .

أى : أن أولئك المستكبرين ، قالوا فى القرآن إنه أساطير الأولين ، فكانت عاقبة قولهم الباطل أن حملوا آثامهم الخاصة ، وأن حملوا فوقها جانبا من آثام من كانوا سببا فى ضلالهم .

قال ابن كثير : أى يصير عليهم خطيئة ضلالهم فى أنفسهم ، وخطيئة إغوائهم لغيرهم ، واقتداء أولئك بهم ، كما جاء فى الحديث : " من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " .

كما قال - تعالى - : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } فهذه الآية وأمثالها ، لا تعارض بنيها وبين قوله - تعالى - { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم فى أنفسهم ، بل تسببوا فى إضلال غيرهم ، فعوقبوا على هذا التسبب السيئ ، الذى هو فعل من أفعالهم القبيحة .

وقوله { بغير علم } فى موضع الحال من الضمير المنصوب فى قوله { يضلونهم } .

أى : يضلون ناسا لا علم عندهم ، فهم كالأنعام بل هم أضل ، وفى ذلك ما فيه من مدح أهل العلم والتفكير ، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر ، يستطيعون إضلال من لا علم عنده ، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا إضلالهم .

قالوا : واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث ، وأن يميز بين الحق والباطل ، ولا يعذر بسبب جهله .

وقيل : إن قوله { بغير علم } فى موضع الحال من الضمير المرفوع فى قوله { يضلونهم } .

أى : هم يضلون غيرهم حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آثام وعقاب ، إذ لو علموا ذلك لما أقدموا على هذا الإِضلال لغيرهم .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : { أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } . قال الجمل : و { ساء } فعل ماض لإِنشاء الذم بمعنى بئس ، و " ما " تمييز بمعنى شيئا ، أو فاعل بساء و { يزرون } صفة لما والعائد محذوف ، أو " ما " اسم موصول ، وقوله { يزرون } صلة الموصول ، والعائد محذوف أى : يزرونه ، والمخصوص بالذم محذوف .

والتقدير : بئس شيئا يزرونه ويحملونه نتيجة كفرهم وكذبهم وإضلالهم لغيرهم ؛ وافتتحت الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح " ألا " للاهتمام بما تضمنه التحذير ، حتى يقلعوا عن كفرهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، ويحترسوا عن الوقوع فى الباطل من القول .