روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ} (6)

{ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } لست ملكاً ولا جنياً لا يمكنكم التلقي منه ، وهو رد لقولهم : { بيننا وبينك حجاب } [ فصلت : 5 ] { يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } أي ولا أدعوكم إلى ما عنه العقول وإنما أدعوكم إلى التوحيد الذي دلت عليه دلائل العقل وشهدت له شواهد السمع ، وهذا جواب عن قولهم : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } [ فصلت : 5 ] { فاستقيموا إِلَيْهِ } فاستووا إليه تعالى بالتوحيد وإخلاص العبادة ولا تتمسكوا بعرا الشرك وتقولوا لمن يدعوكم إلى التوحيد : قلوبنا في أكنة الخ { واستغفروه } مما سلف منكم من القول والعمل وهذا وجه لا يخلو عن حسن في ربط الأمر بما قلبه ، وفي إرشاد العقل السليم أي لست من جنس مغاير لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب وتباين مصحح لتباين الأعمال والاديان كما ينبىء عنه قولكم : { فاعلم إِنَّنَا عاملون } [ فصلت : 5 ] بل إنما أن بشر مثلكم مأمور بما آمركم به حيث أخبرنا جميعاً بالتوحيد بخطاب جامع بيني وبينكم ، فإن الخطاب في { ألهاكم } محكى منتظم للكل لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة كما في مثلكم وهو مبني على اختيار الوجه الأول في { فاعلم إِنَّنَا عاملون } ولا بأس به من هذه الجهة نعم فيه قصور من جهة أخرى ، وقال صاحب الفرائد : ليس هذا جواباً لقولهم إذ لا يقتضي أن يكون له جواب ، وحاصله لا تتركهم وما يدينون لقولهم ذلك المقصود منه أن تتركهم ، سلمنا أنه جواب كلن المراد منه أني بشر فلا أقدر أن أخرج قلوبكم من الأكنة وأرفع الحجاب من البين والوقر من الآذان ولكني أوحى إلي وأمرت بتبليغ { أَنَّمَا إلهكم إله واحد } وللإمام كلام قريب مما ذكر في حيز التسليم ، وكلا الكلامين غير واف بجزالة النظم الكريم ، وجعله الزمخشري جواباً من أن المشركين طالما يتمسكون في رد النبوة بأن مدعيها بشر ويجب أن يكون ملكاً ولا يجوز أن يكون بشراً ولذا لا يصغون إلى قول الرسول ولا يتفكرون فيه فقوله عليه الصلاة والسلام : إني لست بملك وإنما أنا بشر من باب القلب عليهم لا القول بالموجب ولا من الأسلوب الحكيم في شيء كما قيل كأنه صلى الله عليه وسلم قال : ما تمسكتم به في رد نبوتي من أني بشر هو الذي يصحح نبوتي إذ لا يحسن في الحكمة أن يرسل إليكم الملك فهذا يوجب قبولكم لا الرد والغلو في الأعراض .

وقوله : { يُوحِى إِلَىَّ إِنَّمَا إلهكم } تمهيد للمقصود من البعثة بعد إثبات النبوة أولاً مفصلاً بقوله تعالى : { حم } [ فصلت : 1 ] الآيات ومجملاً ثانياً بقوله : { يوحى إِلَىَّ } ثم قيل : { إِنَّمَا إلهكم } بياناً للمقصود فقوله { يُوحَى } إلى مسوق للتمهيد ، وفيه رمز إلى إثبات النبوة ، وهذا المعنى على القول بأن المراد من { فاعمل } الخ فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك ظاهر ، وأما على القول الأول فوجهه أن الدين هو جملة ما يلتزمه المبعوث إليه من طاعة الباعث تعالى بواسطة تبليغ المبعوث فهو مسبب عن نبوته المسببة عن دليلها فأظهروا بذلك أنهم منقادون لما قرر لديهم آباؤهم من منافاة النبوة للبشرية وأنه دينهم فقيل لهم ما قيل ، وهو على هذا الوجه أكثر طباقاً وأبلغ ، وهذا حسن دقيق وما ذكر أولا أسرع تبادراً ، وفي الكشف أن { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ } في مقابلة إنكارهم الاعجاز والنبوة وقوله : { فاستقيموا } يقابل عدم القبول وفيه رمز إلى شيء مما سمعت فتأمل ، وقرأ ابن وثاب . والأعمش { قَالَ إِنَّمَا } فعلا ماضياً ، وقرأ النخعي . والأعمش { يُوحَى } بكسر الحاء على أنه مبني للفاعل أي يوحي الله إلى أنما الهكم إله واحد .

{ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ } من شركهم بربهم عز وجل .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ} (6)

ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يرد به عليهم فقال : { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ } .

أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : إنما أنا بشر مثلكم فى الصفات البشرية أوجدنى الله - تعالى - بقدرته كما أوجدكم ، وينتهى نسبى ونسبكم إلى آدم - عليه السلام - إلا أن الله - تعالى - قد اختصنى بوحيه ورسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم .

. هو إله واحد لا شريك له ، فعليكم أن تخلصلوا له العبادة والطاعة .

وقوله : { فاستقيموا إِلَيْهِ واستغفروه } أى : فالزموا الاستقامة فى طريقكم إليه - تعالى - بالإِيمان به وطاعته والإخلاص فى عبادته .

وقوله - تعالى - : { . . وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ . الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ } تهديد لهم بسوء المصير إذا استمروا على عنادهم وشركهم .

والويل : لفظ دال على الشر أو الهلاك ، وهو مصدر لافعل له من لفظه ، والمراد به هنا : الدعاء عليهم بالخزى والهلاك .

أى : فهلاك وخزى وعقاب شديد لهؤلاء المشركين ، الذين لا يؤتون الزكاة ، أى : لا يؤمنون بها ، ولا يخرجونها إلى مستحقيها ، ولا يعملون على تطهير أنفسهم بأدائها . . . وفضلا عن كل ذلك فهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون .

قال ابن كثير : والمراد بالزكاة ها هنا : طهارة النفس من الأخلاق المرذولة . . .

وقال قتادة : يمنعون زكاة أموالهم ، واختاره ابن جرير . .

وفيه نظر ، لأن إيجاب الزكاة إنما كان فى السنة الثانية من الهجرة ، وهذه الآية مكية . اللهم إلا أن يقال : لا يبعد أن يكون أصل الزكاة - وهو الصدقة - كان مأمورا به فى ابتداء البعثة ، كقوله - تعالى - : { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين أمرها فى المدينة ، ويكون هذا جمعا بين القولين . .

وقال بعض العلماء : قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، لأنه - تعالى - صرح فى هذه الآية الكريمة ، بأنهم مشركون ، وأنهم كافرون بالآخرة ، وقد توعدهم - سبحانه - بالويل على كفرهم بالآخرة ، وعدم إيتائهم الزكاة ، سواء أقلنا إن الزكاة فى الآية هى الزكاة المال المعروفة ، أو زكاة الأبدان عن طريق فعل الطاعات ، واجتناب المعاصى .

ورجع بعضهم - أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأبدان - لأن السورة مكية وزكاة المال المعروفة إنما فرضت فى السنة الثانية من الهجرة .

وعلى أية حال فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإِسلام .

أعنى امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وما دلت عليه هذه الآية من أنهم مخاطبون بذلك ، وأنهم يعذبون على الكفر والمعاصى ، جاء موضحا فى آيات أخر كقوله - تعالى - : { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين . . } وخص - سبحانه - من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة ، لأن أحب شئ إلى الإِنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله للمتحاجين ، فذلك أقوى دليل على استقامته ، وصدق نيته .