التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ} (3)

وجملة : { وأرسل عليهم طيراً أبابيل } يجوز أن تجعل معطوفة على جملة { فَعَل ربك بأصحاب الفيل } [ الفيل : 1 ] ، أي وكيف أرسل عليهم طيراً من صفتها كَيْت وكَيْت ، فبعد أن وقع التقرير على ما فَعل الله بهم من تضليل كيدهم عطف عليه تقرير بعلم ما سُلط عليهم من العقاب على كيدهم تذكيراً بما حلّ بهم من نقمة الله تعالى ، لقصدهم تخريب الكعبة ، فذلك من عناية الله ببيته لإظهار توطئته لبعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بدينه في ذلك البلد ، إجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام ، فكما كان إرسال الطير عليهم من أسباب تضليل كيدهم ، كان فيه جزاء لهم ، ليعلموا أن الله مانع بيته ، وتكون جملة : { ألم يجعل كيدهم في تضليل } معترضة بين الجملتين المتعاطفتين .

ويجوز أن تجعل { وأرسل عليهم } عطفاً على جملة { ألم يجعل كيدهم في تضليل } فيكون داخلاً في حيز التقرير الثاني بأن الله جعل كيدهم في تضليل ، وخص ذلك بالذكر لجمعه بين كونه مبطلاً لكيدهم وكونه عقوبة لهم ، ومَجيئهُ بلفظ الماضي باعتبار أن المضارع في قوله : { ألم يجعل كيدهم في تضليل } قُلب زمانه إلى المضي لدخول حرف { لم } كما تقدم في قوله تعالى : { ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى } في سورة الضحى ( 6 ، 7 ) ، فكأنه قيل : أليس جعَل كيدهم في تضليل .

والطير : اسم جمع طائر ، وهو الحيوان الذي يرتفع في الجو بعمل جناحيه . وتنكيره للنوعية لأنه نوع لم يكن معروفاً عند العرب . وقد اختلف القصّاصون في صفته اختلافاً خيالياً . والصحيح ما رُوي عن عائشة : أنها أشبه شيء بالخطاطيف ، وعن غيرها أنها تشبه الوطواط .

و{ أبابيل } : جماعات . قال الفراء وأبو عبيدة : أبابيل اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل عباديد وشماطيط وتبعهما الجوهري ، وقال الرُّؤَاسي والزمخشري : واحد أبابيل إبَّالة مشددة الموحدة مكسورة الهمزة . ومنه قولهم في المثل : « ضِغث على إبّالة » وهي الحزمة الكبيرة من الحطب . وعليه فوصف الطير بأبابيل على وجه التشبيه البليغ .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ} (3)

قوله تعالى : { وأرسل عليهم طيرا أبابيل }

قال سعيد بن جبير : كانت طيرا من السماء لم ير قبلها ، ولا بعدها مثلها . وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنها طير بين السماء والأرض ، تعشش وتفرخ " . وعن ابن عباس : كانت لها خراطيم كخراطيم الطير ، وأكف كأكف الكلاب . وقال عكرمة : كانت طيرا خضرا ، خرجت من البحر ، لها رؤوس كرؤوس السباع . ولم تر قبل ذلك ولا بعده . وقالت عائشة رضي الله عنها : هي أشبه شيء بالخطاطيف . وقيل : بل كانت أشباه الوطاويط ، حمراء وسوداء . وعن سعيد بن جبير أيضا : هي طير خضر لها مناقير صفر . وقيل : كانت بيضا . وقال محمد بن كعب : هي طير سود بحرية ، في مناقيرها وأظفارها الحجارة . وقيل : إنها العنقاء المُغرِب{[16416]} التي تضرب بها الأمثال . قال عكرمة : " أبابيل " أي مجتمعة . وقيل : متتابعة ، بعضها في إثر بعض . قاله ابن عباس ومجاهد . وقيل : مختلفة متفرقة ، تجيء من كل ناحية من ها هنا وها هنا . قاله ابن مسعود وابن زيد والأخفش . قال النحاس : وهذه الأقوال متفقة ، وحقيقة المعنى : أنها جماعات عظام . يقال : فلان يؤبل على فلان ، أي يعظم عليه ويكثر ، وهو مشتق من الإبل . واختلف في واحد ( أبابيل ) ، فقال الجوهري : قال الأخفش يقال : جاءت إبلك أبابيل ، أي فرقا ، وطيرا أبابيل . قال : وهذا يجيء في معنى التكثير ، وهو من الجمع الذي لا واحد له . وقال بعضهم : واحده أبول . مثل عجول . وقال بعضهم - وهو المبرد - : إبيل مثل سكين . قال : ولم أجد العرب تعرف له واحدا في غير الصحاح . وقيل في واحده : إبال . وقال رؤبة بن العجاج في الجمع :

ولعبتْ طيرٌ بهم أبابيلْ *** فَصُيِّروا مثل كعصف مأكول

وقال الأعشى :

طريقٌ وجَبَّارٌ{[16417]} رِوَاءٌ أصولُهُ *** عليه أبابيل من الطير تَنْعَبُ

وقال آخر :

كادت تُهَدُّ من الأصوات راحلتي*** إذ سالت الأرض بالجُرْدِ{[16418]} الأبابيلِ

وقال آخر :

تراهُمْ إلى الداعي سراعا كأنهم *** أبابيلُ طيرٍ تحت دَجْنِ مُسَخَّنِ{[16419]}

قال الفراء : لا واحد له من لفظه . وزعم الرؤاسي - وكان ثقة - أنه سمع في واحدها " إبالة " مشددة . وحكى الفراء " إبالة " مخففا . قال : سمعت بعض العرب يقول : ضغث{[16420]} على إبالة . يريد : خصبا على خصب . قال : ولو قال قائل : إيبال ، كان صوابا ، مثل دينار ودنانير . وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل : الأبابيل : مأخوذ من الإبل المؤبلة ، وهي الأقاطيع .


[16416]:هي التي أغربت في البلاد، فنأت ولم تحس ولم تر.
[16417]:الجبار من النخل: ما طال وفات اليد.
[16418]:الجرد (بالضم كالجريدة): خيل لا رجالة فيها. والجرد ـ أيضا ـ : قصر شعر الجلد في الفرس، وهو من الأوصاف المحمودة في الخيل.
[16419]:كذا في نسخ الأصل، (بالخاء المعجمة والنون). وفي تفسير الثعلبي: ... تحت دجن مسحر. (بالحاء المهملة والراء). وقد نسبه إلى امرىء القيس ؛ ولم نجده في ديوانه. ولعل صوابه: ... تحت دجن مسخر. (بالخاء المعجمة والراء).
[16420]:الضغث: قبضة من حشيش مختلطة الرطب باليابس. والإبالة: الحزمة الحزمة من الحطب. في فرائد اللآل: يضرب لمن حملك مكروها ثم زادك عليه.