التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ} (93)

قوله : { اذهبوا بقميصي هذا } يدل على أنه أعطاهم قميصاً ، فلعلّه جعل قميصه علامة لأبيه على حياته ، ولعلّ ذلك كان مصطلحاً عليه بينهما . وكان للعائلات في النظام القديم علامات يصطلحون عليها ويحتفظون بها لتكون وسائل للتعارف بينهم عند الفتن والاغتراب ، إذ كانت تعتريهم حوادث الفقد والفراق بالغزو والغارات وقطع الطريق ، وتلك العلامات من لباس ومِن كلمات يتعارفون بها وهي الشعار ، ومن علامات في البَدن وشَامات .

وفائدة إرساله إلى أبيه القميصَ أن يثق أبوه بحياته ووجوده في مصر ، فلا يظن الدعوة إلى قدومه مكيدة من ملك مصر ، ولقصد تعجيل المسرة له .

والأظهر أنه جعل إرسال قميصه علامة على صدق إخوته فيما يبلغونه إلى أبيهم من أمر يوسف عليه السلام بجلبه فإنّ قمصان الملوك والكبراء تنسج إليهم خصيصاً ولا توجد أمثالها عند الناس وكان الملوك يخلعونها على خاصتهم ، فجعل يوسف عليه السلام إرسال قميصه علامة لأبيه على صدق إخوته أنهم جاءوا من عند يوسف عليه السلام بخبر صدق .

ومن البعيد مَا قيل : إن القميص كان قميص إبراهيم عليه السلام مع أن قميص يوسف قد جاء به إخوته إلى أبيهم حين جاءوا عليه بدم كذب .

وأما إلقاء القميص على وجه أبيه فلقصد المفاجأة بالبُشرى لأنه كان لا يبصر من بعيد فلا يتبين رفعة القميص إلا من قرب .

وأما كونه يصير بصيراً فحصل ليوسف عليه السلام بالوحي فبشرهم به من ذلك الحين . ولعل يوسف عليه السلام نُبيءَ ساعتئذٍ .

وأدمج الأمر بالإتيان بأبيه في ضمن تبشيره بوجوده إدماجاً بليغاً إذ قال : { يأت بصيراً } ثم قال : { وأتوني بأهلكم أجمعين } لقصد صلة أرحام عشيرته . قال المفسرون : وكانت عشيرة يعقوب عليه السلام ستا وسبعين نفساً بين رجال ونساء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ} (93)

قوله تعالى : " اذهبوا بقميصي هذا " نعت للقميص ، والقميص مذكر ، فأما قول الشاعر{[9265]} :

تدعو هوازنُ والقميصُ مُفَاضَةٌ *** فوق النِّطَاقِ تُشَدُّ بالأزرارِ

فتقديره : [ والقميص ]{[9266]} درع مفاضة . قاله النحاس . وقال ابن السدي عن أبيه عن مجاهد : قال لهم يوسف : " اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا " قال : كان يوسف أعلم بالله من أن يعلم أن قميصه يرد على يعقوب بصره ، ولكن ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله في النار من حرير الجنة ، وكان كساه إسحاق ، وكان إسحاق كساه يعقوب ، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في قصبة من فضة وعلقه في عنق يوسف ، لما كان يخاف عليه من العين ، وأخبره جبريل بأن ارسل قميصك فإن فيه ريح الجنة ، وإن{[9267]} ريح الجنة لا يقع على سقيم{[9268]} ولا مبتلى إلا عوفي . وقال الحسن : لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره وكان الذي حمل قميصه يهوذا ، قال ليوسف : أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته ، وأنا الذي أحمله الآن لأسره ، وليعود إليه بصره ، فحمله ، حكاه السدي . " وأتوني بأهلكم أجمعين " لتتخذوا مصر دارا . قال مسروق : فكانوا ثلاثة وتسعين ، ما بين رجل وامرأة . وقد قيل : إن القميص الذي بعثه هو القميص الذي قد من دبره ، ليعلم يعقوب أنه عصم من الزنى ، والقول الأول أصح ، وقد روى مرفوعا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره القشيري والله أعلم .


[9265]:هو جرير.
[9266]:الزيادة عن النحاس.
[9267]:من ي.
[9268]:من ي.