التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (17)

بعد أن أقيمت الدلائل على انفراد الله بالخلق ابتداء من قوله تعالى { خلق السماوات والأرض بالحق } [ سورة النحل : 3 ] وثبتت المنّة وحقّ الشّكر ، فرع على ذلك هاتان الجملتان لتكونا كالنتيجتين للأدلّة السابقة إنكاراً على المشركين . فالاستفهام عن المساواة إنكاري ، أي لا يستوي من يخلق بمن لا يخلق . فالكاف للمماثلة ، وهي مورد الإنكار حيث جعلوا الأصنام آلهة شريكة لله تعالى . ومن مضمون الصّلتين يعرف أي الموصولين أولى بالإلهية فيظهر مورد الإنكار .

وحين كان المراد بمن لا يخلق الأصنام كان إطلاق من الغالبة في العاقل مشاكلة لقوله { أفمن يخلق } .

وفرع على إنكار التسوية استفهامٌ عن عدم التذكّر في انتفائها . فالاستفهام في قوله : { أفلا تذكرون } مستعمل في الإنكار على انتفاء التذكر ، وذلك يختلف باختلاف المخاطبين ، فهو إنكار على إعراض المشركين عن التذكر في ذلك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (17)

قوله تعالى : " أفمن يخلق " هو الله تعالى . " كمن لا يخلق " يريد الأصنام . " أفلا تذكرون " أخبر عن الأوثان التي لا تخلق ولا تضر ولا تنفع ، كما يخبر عمن يعقل على ما تستعمله العرب في ذلك ، فإنهم كانوا يعبدونها فذكرت بلفظ " من " كقوله : " ألهم أرجل{[9839]} " [ الأعراف : 195 ] . وقيل : لاقتران الضمير في الذكر بالخالق . قال الفراء : هو كقول العرب : اشتبه علي الراكب وجمله فلا أدري من ذا ومن ذا ، وإن كان أحدهما غير إنسان . قال المهدوي : ويسأل ب " من " عن البارئ تعالى ولا يسأل عنه ب " ما " ؛ لأن " ما " إنما يسأل بها عن الأجناس ، والله تعالى ليس بذي جنس ، ولذلك أجاب موسى عليه السلام حين قال له : " فمن ربكما يا موسى{[9840]} " [ طه : 49 ] ولم يجب حين قال له : " وما رب العالمين{[9841]} " [ الشعراء : 23 ] إلا بجواب " من " وأضرب عن جواب " ما " حين كان السؤال فاسدا . ومعنى الآية : من كان قادرا على خلق الأشياء المتقدمة الذكر كان بالعبادة أحق ممن هو مخلوق لا يضر ولا ينفع ؛ " هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه{[9842]} " [ لقمان : 11 ] " أروني ماذا خلقوا من الأرض{[9843]} " [ فاطر : 40 ] .


[9839]:راجع ج 7 ص 342.
[9840]:راجع ج 11 ص 203.
[9841]:راجع ج 13 ص 98.
[9842]:راجع ج 14 ص 58 و ص 355.
[9843]:راجع ج 16 ص 179.