انتقال إلى الاستدلال والامتنان بما على سطح الأرض من المخلوقات العظيمة التي في وجودها لطف بالإنسان . وهذه المخلوقات لما كانت مجعولة كالتكملة للأرض وموضوعة على ظاهر سطحها عبّر عن خلقها ووضعها بالإلقاء الذي هو رمي شيء على الأرض . ولعلّ خلقها كان متأخراً عن خلق الأرض ، إذ لعلّ الجبال انبثقت باضطرابات أرضيّة كالزلزال العظيم ثم حدثت الأنهار بتهاطل الأمطار . وأما السبل والعلامات فتأخّر وجودها ظاهر ، فصار خلق هذه الأربعة شبيهاً بإلقاء شيء في شيء بعد تمامه .
ولعل أصل تكوين الجبال كان من شظايا رمت بها الكواكب فصادفت سطح الأرض ، كما أن الأمطار تهاطلت فكوّنت الأنهار ؛ فيكون تشبيه حصول هذين بالإلقاء بيّناً . وإطلاقه على وضع السبل والعلامات تغليب . ومن إطلاق الإلقاء على الإعطاء ونحوه قوله تعالى : { ءألقي الذكر عليه من بيننا } [ سورة القمر : 25 ] .
و { رواسي } جمع راس . وهو وصف من الرسْو بفتح الراء وسكون السين . ويقال بضم الراء والسين مشددة وتشديد الواو . وهو الثبات والتمكن في المكان ، قال تعالى : { وقدور راسيات } [ سورة سبأ : 13 ] .
ويطلق على الجبل راس بمنزلة الوصف الغالب . وجمعه على زنة فواعل على خلاف القياس . وهو من النوادر مثل عَواذل وفوارس . وتقدم بعض الكلام عليه في أول الرعد .
وقوله تعالى : { أن تميد بكم } تعليل لإلقاء الرواسي في الأرض . والمَيْد : الاضطراب . وضمير { تميد } عائد إلى { الأرض } بقرينة قرنه بقوله تعالى : { بكم } ، لأن الميد إذا عُدّي بالباء علم أن المجرور بالباء هو الشيء المستقرّ في الظرف المَائد ، والاضطراب يعطّل مصالح الناس ويلحق بهم آلاماً .
ولما كان المقام مقام امتنان علم أن المعلل به هو انتفاء الميد لا وقوعُه . فالكلام جار على حذفٍ تقتضيه القرينة ، ومثله كثير في القرآن وكلام العرب ، قال عمرو بن كلثوم :
أراد أن لا تشتمونا . فالعلّة هِي انتفاء الشتم لا وقوعه . ونحاة الكوفة يخرجون أمثال ذلك على حذف حرف النّفي بعد { أنْ } . والتقدير : لأن لا تميد بكم ولئلا تشتمونا ، وهو الظاهر . ونحاة البصرة يخرجون مثله على حذف مضاف بين الفعل المعلل و { أنْ } . تقديره : كراهيّة أن تميد بكم .
وهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية معنى غامض . ولعلّ الله جعَل نتوء الجبال على سطح الأرض معدّلاً لكرويتها بحيث لا تكون بحدّ من الملاسة يخفّف حركتها في الفضاء تخفيفاً يوجب شدّة اضطرابها .
ونعمة الأنهار عظيمة ، فإن منها شرابهم وسقي حرثهم ، وفيها تجري سفنهم لأسفارهم .
ولهذه المنّة الأخيرة عطف عليها { وسبلاً } جمع سبيل . وهو الطريق الذي يسافر فيه براً .
وجملة { لعلكم تهتدون } معترضة ، أي رجاء اهتدائكم . وهو كلام موجه يصلح للاهتداء إلى المقاصد في الأسفار من رسم الطرق وإقامة المراسي على الأنهار واعتبار المسافات .
وكل ذلك من جعل الله تعالى لأن ذلك حاصل بإلهامه . ويصلح للاهتداء إلى الدّين الحقّ وهو دين التوحيد ، لأن في تلك الأشياء دلالة على الخالق المتوحّد بالخلق .
قوله تعالى : " وألقى في الأرض رواسي " أي جبالا ثابتة . رسا يرسو إذا ثبت وأقام . قال :
فصبرتُ عارفةً لذلك حرة *** ترسو إذا نفسُ الجَبان تَطَلَّعُ{[9836]}
" أن تميد بكم " أي لئلا تميد ، عند الكوفيين . وكراهية أن تميد ، على قول البصريين . والميد : الاضطراب يمينا وشمالا ، ماد الشيء يميد ميدا إذا تحرك ، ومادت الأغصان تمايلت ، وماد الرجل تبختر . قال وهب بن منبه : خلق الله الأرض فجعلت تميد وتمور ، فقالت الملائكة . إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ، ولم تدر الملائكة مم خلقت الجبال . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما خلق الله الأرض قَمَصَت ومالت وقالت : أي رب ! أتجعل علي من يعمل بالمعاصي والخطايا ، ويلقي علي الجيف والنتن ! فأرسى الله تعالى فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون . وروى الترمذي في آخر " كتاب التفسير " حدثنا محمد بن بشار حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال قالوا : يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال : نعم الحديد ، قالوا : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال : نعم النار ، فقالوا : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قال : نعم الماء ، قالوا : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ، قالوا : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال : نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها من شماله ) . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه .
قلت : وفي هذه الآية أدل دليل على استعمال الأسباب ، وقد كان قادرا على سكونها دون الجبال . وقد تقدم هذا المعنى . " وأنهارا " أي وجعل فيها أنهارا ، أو ألقى فيها أنهارا . " وسبلا " أي طرقا ومسالك . " لعلكم تهتدون " أي إلى حيث تقصدون من البلاد فلا تضلون ولا تتحيرون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.