التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} (136)

بدل من جملة { قل بل ملة } [ البقرة : 135 ] لتفصيل كيفية هاته الملة بعد أن أجمل ذلك في قوله : { قل بل ملة إبراهيم حنيفاً } .

والأمر بالقول أمر بما يتضمنه إذ لا اعتداد بالقول إلا لأنه يطابق الاعتقاد ، إذ النسبة إنما وضعت للصدق لا للكذب ، والمقصود من الأمر بهذا القول الإعلان به والدعوة إليه لما يشتمل عليه من الفضيلة الظاهرة بحصول فضيلة سائر الأديان لأهل هاته الملة ولما فيه من الإنصاف وسلامة الطوية ، ليرغب في ذلك الراغبون ويكمد عند سماعه المعاندون وليكون هذا كالاحتراس بعد قوله : { قل بل ملة إبراهيم حنيفاً } أي نحن لا نطعن في شريعة موسى وشريعة عيسى وما أوتي النبيئون ولا نكذبهم ولكنا مسلمون لله بدين الإسلام الذي بقي على أساس ملة إبراهيم وكان تفصيلاً لها وكمالاً لمراد الله منها حين أراد الله إكمالها فكانت الشرائع التي جاءت بعد إبراهيم كمنعرجات الطريق سلك بالأمم فيها لمصالح ناسبت أحوالهم وعصورهم بعد إبراهيم كما يسلك بمن أتعبه المسير طريق منعرج ليهدأ من ركز السيارة في المحجة فيحط رحله وينام ثم يرجع به بعد حين إلى الجادة ، ومن مناسبات هذا المعنى أن ابتدىء بقوله { وما أنزل إلينا } ، واختتم بقوله { ونحن له مسلمون } ، ووُسِّط ذكر ما أنزل على النبيئين بين ذلك .

وجمع الضمير ليشمل النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين فهم مأمورون بأن يقولوا ذلك . وجعله بدلاً يدل على أن المراد من الأمر في قوله : { قل بل ملة } النبيء وأمته .

وأفرد الضمير في الكلامين اللذين للنبيء فيهما مزيد اختصاص بمباشرة الرد على اليهود والنصارى لأنه مبعوث لإرشادهم وزجرهم وذلك في قوله : { قل بل ملة إبراهيم } إلخ وقوله الآتي : { قل أتحاجوننا في الله } [ البقرة : 139 ] وجمع الضمير في الكلام الذي للأمة فيه مزيد اختصاص بمضمون المأمور به في سياق التعليم أعني قوله : { قولوا آمنا بالله } إلخ لأن النبيء صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك من قبل فيما تضمنته علوم الرسالة ، ولذلك لم يخل واحد من هاته الكلامات ، عن الإيذان بشمول الأمة مع النبيء ، أما هنا فظاهر بجمع الضمائر كلها ، وأما في قوله : { قل بل ملة } إلخ فلكونه جواباً موالياً لقولهم : { كونوا هوداً } [ البقرة : 135 ] بضمير الجمع فعلم أنه رد عليهم بلسان الجميع ، وأما في قوله الآتي : { قل أتحاجوننا } فلأنه بعد أن أفرد قل جمع الضمائر في { أتحاجوننا } ، و { ربنا } ، و { لنا } ، و { أعمالنا } ، و { نحن } ، و { مخلصون } ، فانظر بدائع النظم في هاته الآيات ودلائل إعجازها .

وقدم الإيمان بالله لأنه لا يختلف باختلاف الشرائع الحق ، ثم عطف عليه الإيمان بما أنزل من الشرائع .

والمراد بما أنزل إلينا القرآن ، وبما عطف عليه ما أنزل على الأنبياء والرسل من وحي وما أوتوه من الكتب ، والمعنى أنا آمنا بأن الله أنزل تلك الشرائع ، وهذا لا ينافي أن بعضها نسخ بعضاً ، وأن ما أنزل إلينا نسخ جميعها فيما خالفها فيه ، ولذلك قدم { وما أنزل إلينا } للاهتمام به ، والتعبير في جانب بعض هذه الشرائع بلفظ ( أنزل ) وفي بعضها بلفظ ( أوتي ) تفنن لتجنب إعادة اللفظ الواحد مراراً ، وإنما لم يفرد أحد الفعلين ولم تعطف متعلقاته بدون إعادة الأفعال تجنباً لتتابع المتعلقات فإنه كتتابع الإضافات في ما نرى .

والأسباط تقدم ذكرهم آنفاً .

وجملة { لا نفرق بين أحد منهم } حال أو استئناف كأنه قيل كيف تؤمنون بجميعهم فإن الإيمان بحق بواحد منهم ، وهذا السؤال المقدر ناشىء عن ضلالة وتعصب حيث يعتقدون أن الإيمان برسول لا يتم إلا مع الكفر بغيره وأن تزكية أحد لا تتم إلا بالطعن في غيره ، وهذه زلة في الأديان والمذاهب والنحل والأحزاب والأخلاق كانت شائعة في الأمم والتلامذة فاقتلعها الإسلام ، قال أبو علي بن سينا في « الإشارات » رداً على من انتصر في الفلسفة لأرسطو وتنقص أفلاطون « والمعلم الأول وإن كان عظيم المقدار لا يخرجنا الثناء عليه إلى الطعن في أساتيذه » .

وهذا رد على اليهود والنصارى إذا آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمن جاء بعدهم ، فالمقصود عدم التفرقة بينهم في الإيمان ببعضهم ، وهذا لا ينافي اعتقاد أن بعضهم أفضل من بعض .

وأحد أصله وحد بالواو ومعناه منفرد وهو لغة في واحد ومخفف منه وقيل هو صفة مشبهة فأبدلت واوه همزة تخفيفاً ثم صار بمعنى الفرد الواحد فتارة يكون بمعنى ما ليس بمتعدد وذلك حين يجري على مخبر عنه أو موصوف نحو { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] واستعماله كذلك قليل في الكلام ومنه اسم العدد أحد عشر ، وتارة يكون بمعنى فرد من جنس وذلك حين يبين بشيء يدل على جنس نحو خذ أحد الثوبين ويؤنث نحو قوله تعالى : { فتذكر إحداهما الأخرى } [ البقرة : 282 ] وهذا استعمال كثير وهو قريب في المعنى من الاستعمال الأول ، وتارة يكون بمعنى فرد من جنس لكنه لا يبين بل يعمم وتعميمه قد يكون في الإثبات نحو قوله تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } [ التوبة : 6 ] ، وقد يكون تعميمه في النفي وهو أكثر أحوال استعماله نحو قوله تعالى : { فما منكم من أحد عنه حاجزين } [ الحاقة : 47 ] وقول العرب : أحَدٌ لا يقول ذلك ، وهذا الاستعمال يفيد العموم كشأن النكرات كلها في حالة النفي .

وبهذا يظهر أن أحد لفظ معناه واحد في الأصل وتصريفه واحد ولكن اختلفت مواقع استعماله المتفرعة على أصل وضعه حتى صارت بمنزلة معان متعددة وصار أحد بمنزلة المترادف ، وهذا يجمع مشتت كلام طويل للعلماء في لفظ أحد وهو ما احتفل به القرافي في كتابه « العقد المنظوم في الخصوص والعموم » .

وقد دلت كلمة { بين } على محذوف تقديره وآخر لأن بين تقتضي شيئين فأكثر .

وقوله : { ونحن له مسلمون } القول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً عند قوله تعالى : { إلها واحداً ونحن له مسلمون } [ البقرة : 133 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} (136)

قوله تعالى : { قولوا آمنا بالله } خرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل " الآية . وقال محمد بن سيرين : إذا قيل لك أنت مؤمن ؟ فقل : { آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } الآية . وكره أكثر السلف أن يقول الرجل : أنا مؤمن حقا ، وسيأتي بيانه في " الأنفال{[1246]} " إن شاء الله تعالى . وسئل بعض المتقدمين عن رجل قيل له : أتؤمن بفلان النبي ، فسماه باسم لم يعرفه ، فلو قال نعم ، فلعله لم يكن نبيا ، فقد شهد بالنبوة لغير نبي ، ولو قال لا ، فلعله نبي ، فقد جحد نبيا من الأنبياء ، فكيف يصنع ؟ فقال : ينبغي أن يقول : إن كان نبيا فقد آمنت به . والخطاب في هذه الآية لهذه الأمة ، علمهم الإيمان . قال ابن عباس : جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الأنبياء ، فنزلت الآية . فلما جاء ذكر عيسى قالوا : لا نؤمن بعيسى ولا من آمن به .

قوله تعالى : { وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم } جمع إبراهيم براهيم ، وإسماعيل سماعيل ، قاله الخليل وسيبويه ، وقال الكوفيون ، وحكوا براهمة وسماعلة ، وحكوا براهم وسماعل . قال محمد بن يزيد : هذا غلط ؛ لأن الهمزة ليس هذا موضع زيادتها ، ولكن أقول : أباره وأسامع ، ويجوز أباريه وأساميع . وأجاز أحمد بن يحيى براه ، كما يقال في التصغير بريه . وجمع إسحاق أساحيق ، وحكى الكوفيون أساحقة وأساحق ، وكذا يعقوب ويعاقيب ، ويعاقبة ويعاقب . قال النحاس : فأما إسرائيل فلا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من أوله ، وإنما يقال أساريل ، وحكى الكوفيون أسارلة وأسارل . والباب في هذا كله أن يجمع مسلما فيقال : إبراهيمون وإسحاقون ويعقوبون ، والمسلم لا عمل فيه .

والأسباط : ولد يعقوب عليه السلام ، وهم اثنا عشر ولدا ، ولد لكل واحد منهم أمة من الناس ، واحدهم سبط . والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل . وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع ، فهم جماعة متتابعون . وقيل : أصله من السبط ( بالتحريك ) وهو الشجر ، أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر ، الواحدة سبطة . قال أبو إسحاق الزجاج : ويبين لك هذا ما حدثنا به محمد بن جعفر الأنباري قال : حدثنا أبو نجيد

{[1247]} الدقاق قال حدثنا الأسود بن عامر قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة : نوحا وشعيبا وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدا صلى الله عليه وسلم . ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب . والسبط : الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد . وشعر سبط وسبط : غير جعد . " لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " قال الفراء : أي لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى .


[1246]:راجع ج 7 ص 367.
[1247]:كذا في ج وتفسيرا ابن كثير في هذا الموضع. وفي سائر الأصول: "أبو مجيد" بالميم.