كلام معترض بين قوله : { قولوا آمنا بالله } [ البقرة : 136 ] وقوله : { صبغة الله } [ البقرة : 138 ] والفاء للتفريع ودخول الفاء في الاعتراض وارد في الكلام كثيراً وإن تردد فيه بعض النحاة والتفريع على قوله : { قولوا آمنا بالله } والمراد من القول أن يكون إعلاناً أي أعلنوا دينكم واجهروا بالدعوة إليه فإن اتبعكم الذين قالوا : { كونوا هوداً أو نصارى } [ البقرة : 135 ] فإيمانهم اهتداء وليسوا قبل ذلك على هدى خلافاً لزعمهم أنهم عليه من قولهم : { كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا } فدل مفهوم الشرط على أنهم ليسوا على هدى ما داموا غير مؤمنين بالإسلام .
وجاء الشرط هنا بحرف ( إن ) المفيدة للشك في حصول شرطها إيذاناً بأن إيمانهم غير مرجو .
والباء في قوله : { بمثل ما آمنتم به } للملابسة وليست للتعدية أي إيماناً مماثلاً لإيمانكم ، فالمماثلة بمعنى المساواة في العقيدة والمشابهة فيها باعتبار أصحاب العقيدة وليست مشابهة معتبراً فيها تعدد الأديان لأن ذلك ينبو عنه السياق ، وقيل لفظ مثل زائد ، وقيل الباء للآلة والاستعانة ، وقيل : الباء زائدة ، وكلها وجوه متكلفة .
وقوله : { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } أي فقد تبين أنهم ليسوا طالبي هدى ولا حق إذ لا أبين من دعوتكم إياهم ولا إنصاف أظهر من هذه الحجة .
والشقاق شدة المخالفة ، مشتق من الشق بفتح الشين وهو الفلق وتفريق الجسم ، وجيء بفي للدلالة على تمكن الشقاق منهم حتى كأنه ظرف محيط بهم . والإتيان بإن هنا مع أن توليهم هو المظنون بهم لمجرد المشاكلة لقوله : { فإن آمنوا } .
وفرع قوله : { سيكفيكهم الله } على قوله : { فإنما هم في شقاق } تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن إعلامه بأن هؤلاء في شقاق مع ما هو معروف من كثرتهم وقوة أنصارهم مما قد يتحرج له السامع فوعده الله بأنه يكفيه شرهم الحاصل من توليهم .
والسين حرف يمحض المضارع للاستقبال فهو مختص بالدخول على المضارع وهو كحرف سوف والأصح أنه لا فرق بينهما في سوى زمان الاستقبال . وقيل إن سوف أوسع مدى واشتهر هذا عند الجماهير فصاروا يقولون سوّفه إذا ماطل الوفاء بالآخر ، وأحسب أنه لا محيص من التفرقة بين السين وسوف في الاستقبال ليكون لموقع أحدهما دون الآخر في الكلام البليغ خصوصية ثم إن كليهما إذا جاء في سياق الوعد أفاد تخفيف الوعد ومنه قوله تعالى : { قال سأستغفر لك ربي } [ مريم : 47 ] فالسين هنا لتحقيق وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يكفيه سوء شقاقهم .
ومعنى كفايتهم كفاية شرهم وشقاقهم فإنهم كانوا أهل تعصب لدينهم وكانوا معتضدين بأتباع وأنصار وخاصة النصارى منهم ، وكفاية النبيء كفاية لأمته لأنه ما جاء لشيء ينفع ذاته .
{ وهو السميع العليم } أي السميع لأذاهم بالقول العليم بضمائرهم أي اطمئن بأن الله كافيك ما تتوجس من شرهم وأذاهم بكثرتهم ، وفي قوله : { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } وعد ووعيد .
قوله تعالى : { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا } الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته . المعنى : فإن آمنوا مثل إيمانكم ، وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا ، فالمماثلة وقعت بين الإيمانين ، وقيل{[1248]} : إن الباء زائدة مؤكدة . وكان ابن عباس يقرأ فيما حكى الطبري :
{ فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا } وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف ، " فمثل " زائدة كما هي في قوله : { ليس كمثله شيء{[1249]} } [ الشورى : 11 ] أي ليس كهو شيء . وقال الشاعر{[1250]} :فَصُيِّرُوا مثل كعصف مأكول
وروى بقية حدثنا شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله ليس له مثل ، ولكن قولوا : بالذي آمنتم به . تابعه علي بن نصر الجهضمي عن شعبة ، ذكره البيهقي . والمعنى : أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم تفرقوا فقد اهتدوا ، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن الدين{[1251]} إلى الشقاق { فسيكفيكهم الله } . وحكى عن جماعة من أهل النظر قالوا : ويحتمل أن تكون الكاف في قوله : { ليس كمثله شيء } زائدة . قال : والذي روي عن ابن عباس من نهيه عن القراءة العامة شيء ذهب إليه للمبالغة في نفي التشبيه عن الله عز وجل . وقال ابن عطية : هذا من ابن عباس على جهة التفسير ، أي هكذا فليتأول . وقد قيل : إن الباء بمعنى على ، والمعنى : فإن آمنوا على مثل إيمانكم . وقيل : " مثل " على بابها أي بمثل المنزل ، دليله قوله : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب{[1252]} } [ الشورى : 15 ] ، وقوله : { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم{[1253]} } . [ العنكبوت : 46 ] .
قوله تعالى : { وإن تولوا } أي عن الإيمان { فإنما هم في شقاق } قال زيد بن أسلم : الشقاق المنازعة . وقيل : الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي . وأصله من الشق وهو الجانب ، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه .
قال الشاعر : إلى كم تقتل العلماء قسرا *** وتفجر بالشقاق وبالنفاق{[1254]}
وقال آخر : وإلا فاعلموا أنا وأنتم *** بُغَاةٌ ما بقينا في شقاق
وقيل : إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب ، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه .
قوله تعالى : { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } أي فسيكفي الله رسوله عدوه . فكان هذا وعدا من الله تعالى لنبيه عليه السلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولين بمن يهديه من المؤمنين ، فأنجز له الوعد ، وكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة وإجلاء بني النضير . والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان . ويجوز في غير القرآن : فسيكفيك إياهم{[1255]} . وهذا الحرف { فسيكفيكهم الله } هو الذي وقع عليه دم عثمان حين قتل بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم إياه بذلك .
و{ السميع } لقول كل قائل { العليم } بما ينفذه في عباده ويجريه عليهم . وحكي أن أبا دلامة دخل على المنصور وعليه قلنسوة طويلة ، ودراعة{[1256]} مكتوب بين كتفيها { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } ، وسيف معلق في وسطه ، وكان المنصور قد أمر الجند بهذا الزي ، فقال له : كيف حالك يا أبا دلامة ؟ قال : بشر يا أمير المؤمنين قال : وكيف ذاك ؟ قال : ما ظنك برجل وجهه في وسطه ، وسيفه في استه ، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره فضحك المنصور منه ، وأمر بتغيير ذلك الزي من وقته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.