التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى} (10)

إذْ } ظرف للحديث . وقد تقدّم نظائره ، وخص هذا الظرف بالذكر لأنه يزيد تشويقاً إلى استعلام كنه الخبر ، لأن رؤية النار تحتمل أحوالاً كثيرة .

ورؤية النار تدلّ على أن ذلك كان بليل ، وأنه كان بحاجة إلى النار ؛ ولذلك فرع عليه : { فَقَالَ لأَهْله امْكُثُوا } . . . الخ .

والأهل : الزوج والأولاد . وكانوا معه بقرينة الجمع في قوله { امكثوا . وفي سفر الخروج من التّوراة فأخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى أرض مصر .

وقرأ الجمهور بكسر هاء ضمير أهلِه على الأصل . وقرأه حمزة وخلف : بضم الهاء ، تبعاً لضمة همزة الوصل في امكثوا .

والإيناس : الإبصار البيّن الذي لا شبهة فيه .

وتأكيد الخبر بإن لقصد الاهتمام به بشارة لأهله إذ كانوا في الظلمة .

والقبَس : ما يؤخذ اشتعاله من اشتعال شيء ويقبس ، كالجَمرة من مجموع الجمر والفتيلة ونحو ذلك . وهذا يقتضي أنه كان في ظلمة ولم يجد ما يقتدح به . وقيل : اقتدح زَنده فَصَلَد ، أي لم يقدح .

ومعنى { أو أجدُ على النار هدى } : أو ألقَى عارفاً بالطريق قاصداً السير فيما أسير فيه فيهديني إلى السبيل . قيل : كان موسى قد خفي عليه الطريق من شدّة الظلمة وكان يحب أن يسير ليلاً .

و { أوْ } هنا للتخيير ، لأنّ إتيانه بقبس أمر محقق ، فهو إما أن يأخذ القبس لا غير ، وإما أن يزيد فيجد صاحب النار قاصداً الطريق مثله فيصحبه .

وحرف { على } في قوله : { أو أجِدُ على النَّارِ هُدىً } مستعمل في الاستعلاء المجازي ، أي شدّة القرب من النار قرباً أشبه الاستعلاء ، وذلك أنّ مُشعِل النار يستدني منها للاستنارة بضوئها أو للاصطلاء بها . قال الأعشى :

وباتَ على النار النّدى والمحلّقُ *** وأراد بالهدى صاحب الهدى .

وقد أجرى الله على لسان موسى معنى هذه الكلمة إلهاماً إياه أنه سيجد عند تلك النار هُدى عظيماً ، ويبلّغ قومه منه ما فيه نفعهم .

وإظهار النّار لموسى رمْز رباني لطيف ؛ إذ جعل اجتلابه لتلقي الوحي باستدعاء بنور في ظلمة رمزاً على أنه سيتلقى ما به إنارة ناس بدين صحيح بعد ظلمة الضلال وسوء الاعتقاد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى} (10)

" إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى " قال ابن عباس وغيره : هذا حين قضى الأجل وسار بأهله وهو مقبل من مدين يريد مصر ، وكان قد أخطأ الطريق ، وكان موسى عليه السلام رجلا غيورا ، يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه ؛ لئلا يروا امرأته فأخطأ الرفقة - لما سبق في علم الله تعالى - وكانت ليلة مظلمة . وقال مقاتل : وكان ليلة الجمعة في الشتاء . وهب بن منبه : استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله بغنمه ، وولد له في الطريق في ليلة شاتية باردة مثلجة ، وقد حاد عن الطريق وتفرقت ماشيته ، فقدح موسى النار فلم تور{[11006]} المقدحة شيئا ، إذ بصر بنار من بعيد على يسار الطريق " فقال لأهله امكثوا " أي أقيموا بمكانكم " إني آنست نارا " أي أبصرت . قال ابن عباس ، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عناب ، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء ، وشدة خضرة تلك الشجرة ، فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة ، ولا كثرة ماء الشجرة ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ضوء النار . وذكر المهدوي : فرأى النار - فيما روي - وهي في شجرة من العليق ، فقصدها فتأخرت عنه ، فرجع وأوجس في نفسه خيفة ، ثم دنت منه وكلمه الله عز وجل من الشجرة . الماوردي : كانت عند موسى نارا ، وكانت عند الله تعالى نورا . وقرأ حمزة " لأهله امكثوا " بضم الهاء ، وكذا في " القصص{[11007]} " . قال النحاس : هذا على لغة من قال : مررت به يا رجل ، فجاء به على الأصل ، وهو جائز إلا أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة . وقال : " امكثوا " ولم يقل أقيموا ؛ لأن الإقامة تقتضي الدوام ، والمكث ليس كذلك " وآنست " أبصرت ، قاله ابن العربي . ومنه قوله " فإن آنستم منهم رشدا " {[11008]} [ النساء : 6 ] أي علمتم . وآنست الصوت سمعته ، والقبس شعلة من نار ، وكذلك المقباس . يقال قبست منه نارا أقبس قبسا فأقبسني أي أعطاني منه قبسا ، وكذلك اقتبست منه نارا واقتبست منه علما أيضا أي استفدته ، قال اليزيدي : أقبست الرجل علما وقبسته نارا ، فإن كنت طلبتها له قلت : أقبسته . وقال الكسائي : أقبسته نارا أو علما سواء . وقال : وقبسته أيضا فيهما . " هدى " أي هاديا .


[11006]:في ي: توره.
[11007]:راجع جـ 13 ص 280...
[11008]:راجع جـ 5 ص 33 فما بعد.